أحياء سكنية تتحول إلى أسواق

” الطوابق الأرضية في الأحياء السكنية تتحول إلى محال تجارية في ظل أزمة الأسواق الرئيسية.  “

%d8%a3%d8%ad%d9%8a%d8%a7%d8%a1-%d8%b3%d9%83%d9%86%d9%8a%d8%a9-%d8%aa%d8%aa%d8%ad%d9%88%d9%84-%d8%a5%d9%84%d9%89-%d8%a3%d8%b3%d9%88%d8%a7%d9%82
(الصورة: سوق حي البعث - حماة - 2015-11-10 (موريس بيطار صباح الخير سوريا))
<

“وأصبحت المنازل مجال استثمار كبيراً لأصحابها، فمن مساحة لا تتجاوز 100 متر مربع للطابق الأرضي يتم بناء ثلاث محال متجاورة.”

div>(حماة، سوريا) ألقت الأزمة التي تعيشها سوريا بظلالها على حياة سكان حماه على المستويين الاجتماعي والاقتصادي رغم محاولات النظام تحجيم أضرارها، لذلك لجأ أبناء المدينة إلى حلول بديلة لتلبية حاجاتهم.
ويعتبر شارع ابن رشد من أهم الشوارع الرئيسية في مدينة حماه وأجملها، تنتشر محلات بيع الألبسة الجاهزة على جانبيه ويُعرف بمدرسة السيدة عائشة الثانوية التي يعود بناؤها لفترة الانتداب الفرنسي في سوريا، ويتميز الشارع بأنه يبتدئ بجامع السلطان وينتهي بجامع الغزي الأثريين.
ولكن خلال الأعوام الأخيرة باتت حركة زائري أسواق المدينة الرئيسية تقتصر على الساعات الصباحية الأولى بعد اضطرار أصحاب المحال لإغلاقها قبل حلول المساء منذ أواخر عام 2011 خوفاً من أي حادث أمني قد يطال السوق وزائريها.
كما يؤكد سليم (1) الذي يملك محلاً لبيع الملبوسات في شارع إبن رشدقائلاً: “تعرضت العديد من المحال للسرقة إثر هروب أصحابها عند حدوث إطلاق نار متبادل بين قوات النظام والثوار، وطال الرصاص العشوائي معظم المحال وأدى إلى تكسير واجهاتها الزجاجية.”
هذا الأمر كبد أصحاب المحال بعض الخسائر التي يفاقمها كساد البضائع لديهم، لذلك اتجه العديد منهم إلى البحث عن حلول جديدة تمثلت في فتح محال أو دكاكين ضمن الأبنية الموجودة في الأحياء السكنية مثل حي البعث الواقع في غرب المدينة.
“انتقلت إلى هنا (حي البعث) بعد أن ساءت أوضاع التجارة في شارع ابن رشد جراء إغلاق الأسواق في المساء. الأهالي باتوا يفضلون المحال الموجودة في الأحياء لسهولة التنقل فيها ليلاً نظراً للأوضاع الأمنية، وحتى سكان الأحياء المجاورة يقصدون حي البعث كونه أصبح سوقاً تجارية متكاملة،” هذا ما يقوله لـصباح الخير سوريا التاجر عمر الذي نقل محله في عام 2013.
ويعد حي البعث من الأحياء الحديثة نسبياً التي تم إنشاؤها منذ 15 عاماً، وتحول مؤخراً قسم كبير منه في الشارع الرئيسي إلى سوق تجارية تتضمن محلات ملبوسات ومطاعم إضافةً
إلى بائعي خضراوات وأدوات منزلية.
وأصبحت المنازل مجال استثمار كبيراً لأصحابها، فمن مساحة لا تتجاوز 100 متر مربع للطابق الأرضي يتم بناء ثلاث محال متجاورة.
ومن جانبه يضيف أبو معاذ أحد قاطني حي البعث “أن الأزمة دفعت العديد إلى بناء محلات من منازلهم وهم يقومون بتأجيرها شهرياً بمبلغ قد يصل إلى 20000 ليرة سورية (ما يوازي 53 دولار تقريباً).”
كما تلقى المحال المنتشرة رواجاً جيداً نسبياً على المستوى المحلي.
“ما يزعجنا حقيقةً هو وجود الباعة الذين باتوا يشغلون الأرصفة ببضائعهم ويعيقون الحركة عليها، لكن هذه المحلات اختصرت على سكان الحي مسافة الوصول إلى السوق الرئيسية… أنت تجد كل ما تطلبه في هذه السوق،” هكذا يختم أبو معاذ حديثه.
وفي هذا الصدد صدرت عدة قوانين تضبط هذا النوع من المحلات التجارية المخالفة لشروط البناء السكني واستخدامها التجاري من دون موافقة السلطات، فتُهدم الأبنية المخالفة وفقاً لأحكام المرسوم رقم 59 لعام 2008 والمعدل بمرسوم 40 للعام 2012 الخاص بالوحدات الإدارية في البلديات، ويضمن هذا المرسوم كذلك إحالة المخالف إلى القضاء وإجباره على إزالة المخالفة؛ كما يمكن أن يعاقب المخالف بالحبس وبغرامة مالية، ولكن في ظل الفوضى التي تعيشها البلاد لا يجد من يخالف هذه القوانين من يردعه، وإن وجد من يتقدم بالشكوى فإن رشوة الموظفين المسؤولين عن الهدم تحول دون تطبيق القانون.
ولكن يسلط الاقتصادي إبراهيم وهو موظف رفيع المستوى في أحد مصارف المدينة بدوره الضوء على الجوانب الإيجابية التي تقدمها هذه الأسواق الجديدة مشيراً إلى “قدرة التجار والمستهلكين على التأقلم اقتصادياً ومتابعة النشاط الاقتصادي والسعي إلى تأمين حاجات المستهلك واستمرار تدفق الأجور.” أما بالنسبة للجوانب السلبية فيضيف المحلل “أن تحول الأحياء السكنية إلى أسواق شعبية أدى إلى تشوهات في التنظيم المعماري بالإضافة إلى ضعف الأداء في الأسواق الرئيسية.”
وقد شهدت حماة عدة محاولات من قبل السلطات للمحافظة على الحركة في الأسواق الرئيسية خلال الأشهر الأولى التي تلت دخول جيش النظام للمدينة لقمع حركة الاحتجاجات فيها في آب (أغسطس) عام 2011.
ويؤكد أبو محمد وهو بائع للأقمشة في شارع الدباغة التجارية: “كانت عناصر الجيش تتجول في السوق وتطلب منا أن نفتح محالنا حتى ساعات متأخرة من الليل وتشرح لنا أنه ما من أمر يدعو للخوف بعد أن تم القضاء على المجموعات الإرهابية وتنظيف البلد منها.”
ويضيف أبو محمد: “لكن ما لبثت أن تراجعت السلطات عن هذا الأمر، فالعبوات المفخخة التي كانت تستهدف عربات الجيش أثناء تجوالها ليلاً دفعت العديد من الأهالي إلى عدم النزول ليلاً إلى الأسواق، كما أن تزايد هجمات الثوار على حواجز الجيش داخل المدينة أدى إلى إغلاق الأسواق ليلاً بشكل نهائي.”
ولكن هناك من ينظر إلى ركود الأسواق الرئيسية كحالة عابرة، فيعتقد المحلل إبراهيم أن “الأسواق ستعود إلى وضعها الطبيعي عند زوال الأسباب التي أدت لإغلاقها مبكراً أو توقفها مؤقتاً، وفي ذلك الوقت ستتحول المحال في الأحياء إلى محلات خدمية فقط.”

تم استخدام أمساء مستعارة لحماية المصادر.