أخضر

تعرض حي الوعر غربي مدينة حمص منذ عام 2012 لحصار غذائي وعسكري وطبي دام لأكثر من أربع سنوات، لينتهي الحصار أخيرا باتفاق بين الحكومة السورية ولجنة التفاوض ممثلة عن المعارضة المسلحة، برعاية روسية لبنود الاتفاق، الذي نص على خروج من يرغب من المسلحين وأسرهم من الحي إضافة لكثير من الشبان المطلوبين للخدمة العسكرية، أو المنشقين عن الجيش السوري، أو مجرد أناس عاديين متخوفين من دخول الجيش السوري للحي..  بلغ عدد المهجرين حوالي 15 ألف، توجهوا إلى جرابلس وإدلب، بينما بقي حوالي 5000 آلاف من الأهالي بالحي، تم تفتيش بيوت الكثيرين منهم، ويفرض عليهم إظهار هوياتهم لحواجز الجيش عند كل دخول أو خروج من الحي..   كاتبة المقال واحدة من القليلين الذين اختاروا البقاء في الحي والقبول بحل التسوية والبقاء تحت سلطة الحكومة السورية ، تحكي لموقع صباح الخير سوريا قصة بقائها في الحي بانتظار المجهول.

%d8%a3%d8%ae%d8%b6%d8%b1
إحدى العبارات التي كتبها المهجرون من حي الوعر على الجدران قبل رحيلهم 1/10/2017 [(صباح الخير سوريا/نضال الحمصي)]

نضال الحمصي

1-ضياع آخر:

_هاتوا الهويات..

_الرجال فقط؟
_لم سألته يا غبي؟؟
_لا.. بل هويات الرجال والنساء…

تك……تك……تك……..تك………….تك………….تك…..
أسماء..آمنة….لما…….رنا…..خذن هوياتكن…
هل بقيت واحدة لم تأخذ هويتها؟
_تك تك تك تك تك تك تك تك…
كان قلبي ينبض بسرعة جنونية، لم أسمع اسمي من بين اللواتي أخذن الهوية، هناك مشكلة في اسمي إذن، أنظر إلى النافذة وأفكر إن كان حجمها يناسب حجمي لأقفز منها بسرعة وأهرب، الازدحام في الباص خانق، يداي ترتجفان وجوف فمي أضحى يابسا، أكبس أزار جهازي الجوال بعجلة، وأحاول الاتصال بأهلي، وأحاول عبثا، حذف محادثاتي مع صديقاتي اللواتي أصبحن الآن في منافي جرابلس وإدلب…منافي الغضب والنسيان..
هل بقيت واحدة  في الباص لم تأخ…؟
أنظر إلى الفتاة التي أمامي نظرة استجداء، كانت تعلم أنني لم أستلم هويتي، أفكر لو أني أمتلك الخاتم المحمل بالسم في اصبع الزباء، لكي أرتشف سمه القاتل فورا، وأموت، تمضي لحظات طويلة من الجحيم، ينادي أحدهم اسمي أخيرا، وأتناول هوية ضياعي، التي كانت مفقودة بين أشياء سائق الباص…
أهلا بكم في مدينة حمص العائدة  بالكامل لحضن الوطن، حمص التي….
ليتني لم أولد فيها، ولم أعرفها..

 

ضياع ثالث

أمشي في ساحات حي الوعر وأراقب الشوارع، أراقب الأبنية، وحصوات الطريق، الدمار يأكل الجدران، أفكر كم من الوقت يلزم لإزالة كل تلك الشعارات والأعلام المغضوب عليها، وآهات الوداع، تقول إحدى الجدران: سامحينا يا حمص!، وكأن المغادرين هم من يحتاجون صفح المدينة، وليس العكس، فالمدينة المنكوبة أخطأت بحق ساكنيها، حين لم تبتلع كل الجناة، تمر بجانبي نسوة يسحبن أمتعتهن على عربة خضار عتيقة، الأطفال هم من كانوا يشدوها، أعرف إحدى النساء وتعرفني، كان العرق يتساقط على جبهتها، وكانت عيونها كشخص مصاب بدهشة دائمة، كانت عيونها حمراء، سألتني عن موعد خروجي بالباصات الخضراء، وأين ستكون وجهتي إدلب أو جرابلس، وجهات التهجير القسرية، بدا لسانها وهي تتكلم مثل خشبة بيضاء متشققة، أطرقتُ رأسي بالأرض وقلتُ لها بأني لن أسافر، وبأني سأبقى في المدينة، نظراتُها لي قالت بأني خائنة، وبأني سأقبل العودة تحت ظل النظام، تحت حذاء من هو سبب في تهجيرها وترحيلها بعيدا عن مدينتها وبيتها.
كان ذلك قبل أن تأتي الباصات الخضراء في الربيع الماضي وتنقل الآلاف من أهالي الحي لمناف قسرية، أما الآن فلا شيء سوى الخواء.

 

ضياع ثانٍ

اللون الأخضر أو الزيتي أصبح  لونا ملتبسا هنا، إذ أضحى منذ سنين يجمع الخيانة والوفاء، والأمان والرعب، ولكل أخضر حكايته التي تروى، وأسطورته التي سينقصها لاحقا  الخلود والإبهار، وبين أخضر وأخضر تضيع حيوات وأبنية وأسر وحكايات ومصائر وأحلام ودموع ودعاءات، هذا إذا افترضنا أن المتقاتلين يرتديان الزي العسكري الأخضر المعتاد ذاته، ولسنا نوازي بين الجلاد والضحية هنا، لكن حتى الخيانات والوفاءات حين تحصل أمامك وتراها من كل جوانبها، يصبح لها تعريف آخر، وبعدٌ آخر، وللحظات، لا تعود خيانة أو وفاء…

هم لا يعرفون من أنا، لكنهم يعرفون أنهم بمجرد دخولهم الحي، سيتوقف الجميع عن محاربتهم في حي الوعر، بل ستقدم لهم صنوف من المحاباة والنفاق، والآن، حين يمر أحدهم من أمامي أحدق فيه وكأنه وحش على وشك أن يثب ويقتل، أخافهم، ونخافهم، الكل يدعي محبتهم، وهم يعرفون أن الجميع يخشاهم ولا يطمئن لوجودهم في الحي، أما قبل ذلك، حين كان يمر الثوار من أمامي، كنت أنظر لهم بكل المودة والافتتان، بل وقد أنسى عيني تجول عليهم واحدا واحدا، مع كثير من الفخر والبسمات، كنا نسمي الثوار في ما مضى، شبابنا، عزوتنا، مسند ظهرنا، ولوقت طويل، ظللنا نحمل لهم ذاك الود العرفاني العالي، رغم كل الأخطاء والخطايا  التي ارتكبوها، والتي جعلت كثيرين في النهاية، يكرهونهم، ويحملونهم وزرا أكبر من خطاياهم، رغم الحنين الدائم لوجودهم…

كان العسكري الشاب الآتي من الحاجز القريب ذو العلم الأحمر الكبير أمامي بطوله الفارع وسحنته السمراء، يرتدي الزي العسكري المعتاد، ويتحدث اللهجة الساحلية على الهاتف، حين مررت بجواره، لم يزح عينيه عني وادعى عدم وجود التغطية ليقترب ويبتسم ويساعدني، من دون أن يعرض ذلك، في حمل أشياء ثقيلة بحوزتي إلى مدخل البيت، حيث ابتعدت وتركتها في مكانها، لأهرب من شكر له أو مجاملة.
يقع الحاجز قريبا مني، ويتحتم علي رؤية عناصره بشكل يومي، يلعبون كرة القدم، يغنون، يدخنون، يغسلون ثيابهم..، ذات مساء شاهدت أحدهم ينحني على الأرض ليتناول كسرة خبز صغيرة مرمية على الطريق، يومها رفعها إلى فمه ليقبلها ثم رفعها لجبينه للحظات ثم أكلها، وكأنه راهب في كنيسة، يضع على جنبه الأيمن بارودة ومسدس.
هل أطلقنا الكذبة وصدقناها!، حتما لا، هذه ليست كل الحكاية..
في المساء عند صعودي الباص، كان هناك طفلان يجلسان في  المقعد القريب، صعد ذات العسكري عند الحاجز وصرخ بالطفلين وأنزلهما، كان معهما كيس مليء بأدوات خردة عتيقة، سائق الباص رآهما وهما يصعدان وبحوزتهما الكيس، و وشى بهما للعساكر الواقفين على الحاجز لتفتيش الناس الخارجين من الحي، حيث يمنع إخراج أي شيء منه، كان الطفل ذو الثلاثة عشر عاما يرتجف، وكان الركاب مستائين من السائق الذي وشى بالأطفال، مضى الباص تاركا الطفلين بين براثن الأخضر المخيف، إحدى النساء الغاضبات قالت اعرفوا لي اسم السائق الواشي، وحسابه عندي.

 
ضياع أول

وضع يده بيدي في الليلة ما قبل الخروج من الوعر وترجاني بيأس أن أركب الباصات الخضراء وأسافر معه، “الأخضر أيضا لون التهجير ولون القتل ولون الفراق”، قال لي ما زال أمامنا فرصة، مازال أمامنا ساعات طويلة ولم يفت الأوان بعد، قلت له بأني لن أسافر، لا أستطيع الخروج من هنا، ليس محبة في حمص، أنا صرت أكرهها، بل كرها في الغربة، كرها في الرحيل، أدار ظهره لي وودعني بلوم ثقيل على باب المنزل، كان هذا اللقاء الأخير،  لم أحتمل البقاء ليلة مغادرته ومغادرة الآخرين وقررت الهروب من الحي  بعد بقاء سنين طويلة فيه بانتظار معجزة ما، ومثل جلّ الناس هنا لم أحتمل الذهاب لكراجات التهجير كما سموها حيث تتجمع الباصات والأهالي للوداع، كثير من أصدقائي وأقربائي وأحبائي هاجروا وهُجروا من دون أمل بالرجوع، غادر كثير منهم وبقيتُ مع قلائل آخرين في الحي من النساء والعجائز والأطفال، بانتظار المجهول، لأجد نفسي في النهاية خائنة  لكل شيء، خنت الوطن والمبادئ، خنت الدموع والدم، خنت القلب والشعارات، الخيانة  كانت مثل ثوب أسود ألبسوني إياه قبل أن يغادروا، قالها أحدهم يوما بوجهي قبل أن يسافر: كيف تقبلين البقاء تحت ظل النظام؟، وقال آخر كيف ترضين لنفسك هذا؟، وقالت صديقتي مواسية: لا تسمعي لأحد وابقي في حمص، فالبقاء فيها رباط، أنتم مثل أهل الضفة في فلسطين بين اليهود، وقال لي هو بعد أن وصل  الشمال السوري، هذا خيارك فلتحصدي ما جنت يداك..
والآن بعد أن غادروا…
أتجول في ثوب الخيانة إياه، لأتعثر به على الحاجز، حيث أنت مضطر لتبتسم في وجه الأخضر العبوس، أحيانا أخرى، أتعثر بذات الثوب وأقع على وجهي وأنا أعير بعض العساكر بناء على طلبهم دواء للغسيل ليغسلوا به علم الوطن، لأنه، “كما تعلمين، علم الوطن يجب أن يبقى دائما مشرقا ونظيف”..
مرة، حاولت أن أقنع نفسي عبثا، بما قالته صديقتي، عن الضفة الفلسطينية وأهلها، وأني مثلهم، وبدت لي الفكرة مرضية إلى حد كبير، كان ذلك قبل أن أدخل الدوائر الحكومية والجامعة لإجراء بعض المعاملات، ومن ثم رأيت نفسي أدخل الأحياء الموالية لأعالج أمي، حيث هناك كما قالوا طبيب شهير، بعد أيام قليلة من الفكرة الزائفة، وجدتني أتماهى مع العالم الآخر، وخطر في بالي أنني ربما أنتمي له، وربما يمكن إصلاح كل شيء، ربما… ربما….
أصعد للباص وأنا مشغولة بهذه الأفكار، نتوقف بشكل روتيني على الحاجز، _هاتوا الهويات”،  “_رجال فقط؟، “_بل رجال ونساء”….
_استلموا الهويات..
_هل منكن من لم تستلم هويتها بعد؟
_تك..تك..تك..تك…