أرض الزيتون: قرية من الخيام يقطنها النازحون

” يعيشون بمفردهم، في أرض متاخمة للمدينة، ويعتمدون على أنفسهم بعد أن تركتهم المنظمات الخيرية. وكلما زاد عددهم كلما كانت حياتهم أفضل! “

%d8%a3%d8%b1%d8%b6-%d8%a7%d9%84%d8%b2%d9%8a%d8%aa%d9%88%d9%86-%d9%82%d8%b1%d9%8a%d8%a9-%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d9%8a%d8%a7%d9%85-%d9%8a%d9%82%d8%b7%d9%86%d9%87%d8%a7-%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%a7
[الية تسخدمها بعض عائلات ارض الزيتون لجمع البلاستيك ونقله للمخيم-طرطوس-2-8-2015(غنوة يوسف/صباح الخير سوريا)]

لم يكن لتلك الأرض المتاخمة لمدينة طرطوس شرقاً والملتصقة بالمد العمراني للمدينة، وجود واضح قبل ستة أعوام. فقد كانت مجرد أرض مزروعة بشجر الزيتون منذ عشرات السنين تتبع أملاك الدولة كغيرها من الأراضي المحيطة بالمدينة يستخدمها البدو محطة استراحة قبل أن ينتقلوا إلى محطة أخرى.
ومع تدهور الأوضاع الأمنية في البلاد منذ العام 2011 واكتظاظ مراكز الإيواء الموزّعة في ساحات المدينة بالنازحين، قصدت عشرات الأسر النازحة أرض الزيتون، فنصبت خياماً وأقامت فيها.

أبو محمد (53 عاماً) واحد من أولئك الذين تركوا مركز الإيواء في مدينة طرطوس، ومعه زوجته وأطفاله الثلاثة ليعيش في خيمة مساحتها نحو ثلاثين متر مربع مقسمة إلى غرفتين ومطبخ صغير. يقول: “ليس في مراكز الإيواء في المدينة متسع لنا. فالمكان هناك مزدحم ولا يوجد مساحة كافية لتبسط قدميك وفي غرفة واحدة عليك أن تأكل وتنام وتعمل. أما في أرض الزيتون فالوضع مختلف تماماً”.

امتداد المكان هنا سمح لكل عائلة ببناء دار كاملة، خيمة للطبخ وخيمة للمعيشة وثالثة للنوم، عدا عن المساحة المتاحة حول كل خيمة والتي تشكل فسحة كبيرة للعائلة تفصلها عن بداية فسحة أخرى لعائلة ثانية. ويذكر ان عدد القاطنين في أرض الزيتون حوالي 85 عائلة تقريبا يتوزعون على ارض مساحتها أربع دونمات.

هذا ما سمح لسكان أرض الزيتون بممارسة مهن يعتاشون منها. فأبو محمد إضافة إلى عمله في النجارة يقوم بتربية الدواجن، بينما جارته أم أحمد تعتني ببقرة كان قد أودعها لديها أحد سكان المدينة لتقوم بتربيتها.

أما عبد الله الشاب الذي كان يعمل قبل الحرب في البناء فقد بدّل مهنته كلياً وأصبح الآن يجمع علب البلاستيك وكل ما يمكن إعادة تدويره من القمامة ثم يفرزها في ساحة قرب خيمته ويبيعها للتجار. “أحصل على حوالي 180 ألف ليرة سورية شهريا من هذه المهنة ( 360 دولار أمريكي تقريباً) وهو مبلغ يكفيني لإعالة أسرتي”.

“بدو؟! لقد اعتبرونا بدواً لمجرد أننا نسكن في العراء. لم تفلح محاولاتي بإقناعهم أننا أصحاب بيوت عشنا مستقرين في حلب منذ ولادتنا”

ليس الأمر مقتصر على عبد الله ففي أرض الزيتون الكثير من الشبان عثروا على فرص للعمل كحلاقين أو بائعي سجائر ومواد غذائية، وبعضهم الآخر يبيع الخبز ووجبات الطعام المنزلية.

لكن لكل شيء ثمنه، فأرض الزيتون لا تتمتع بما تتمتع به مراكز الايواء من اهتمام، والمنظمات والجمعيات الخيرية لم تقترب منها ولم تقدم لهم أية مساعدات تذكر.

“على ما أذكر زارتنا منظمة الهلال الأحمر مرتين فقط كان آخرها قبل نحو عامين، قاموا في إحداها بتطعيم الأطفال باللقاحات، وفي المرة أخرى اعطونا بطاقات من أجل الحصول على مساعدات”، يقول أبو محمد.
ويتابع: “لم ينقضي شهر واحد حتى عادوا وسحبوا منا البطاقات ورغم كل الاستفسارات والأسئلة عن السبب كان ردهم الوحيد أننا لسنا نازحين، بل بدو”.

لم تخلُ كلمات أبي محمد من السخرية المريرة. “بدو؟! لقد اعتبرونا بدواً لمجرد أننا نسكن في العراء. لم تفلح محاولاتي بإقناعهم أننا أصحاب بيوت عشنا مستقرين في حلب منذ ولادتنا” لعل المنظمات والجمعيات قد واجهت صعوبة في تحديد من هم البدو ومن هم الوافدين ومن هم المستقرين قبل عام 2011. أو لربما لم تصدق قصصهم على أي حال واعتبرتهم جميعا بدو، فما كان منها إلا أن أدارت ظهرها لأهالي أرض الزيتون.

لكن بعض الفرق التطوعية في المدينة تنبهت لأمرهم كفريق “عبور” التطوعي ومجموعة “متطوعو العمل الانساني” (توقف عملها حالياً) التي كانت تجمع التبرعات من ألبسة وأغذية وحقائب مدرسية وغيرها وتوزعها على الأسر النازحة.

هذه الكتلة الضخمة من الخيام بدأت تأخذ اليوم شكل الحياة المستقرة، خصوصاً وصول أنابيب مياه الشرب إلى الخيام في الشهر الخامس من العام 2015 بقرار من محافظة طرطوس  وبتدخل بعض الشخصيات النافذة بعد أن عانت طويلاً  من شحة المياه. تزامن ذلك الحدث مع عرس اقامته احد العائلات في أرض الزيتون بمناسبة زواج ابنتها.

يقول عبدالله إن المكان هنا يأخذ بالاتساع كلما تدهور الوضع الأمني أكثر في حلب وريفها. لكن ذلك لا يمثل له أية مشكلة، بل على العكس: “كلما زاد عدد الوافدين كلما كان الوضع أفضل. فمع زيادة عددنا تزيد كمية القمامة التي تحتاج إلى فرز” يقول ممازحاً.

غير أن ما بدا مزاحاً في كلام عبدالله أخذ منحى جدياً مع الاستقبال الحار الذي أبداه هذا الشاب وجيرانه لأسرة جديدة وصلت لتوها إلى المكان.

فقد سارع الجميع للترحيب بها، وكخلية نحل بدأوا بنصب خيمة جديدة معتمدين على الخبرة التي اكتسبوها طوال السنوات الست الماضية. وبعد مرور أقل من ساعتين كانت الخيمة قد نصبت بالفعل وكانت الأهالي يرتشفون الشاي المخمّر محتفلين بزيادة عددهم!