أرواد بين التاريخ العريق والحاضر المنسيّ (الجزء الثاني)

” جولة بين آثار الجزيرة الوحيدة المأهولة في سوريا وصياديها. “

%d8%a3%d8%b1%d9%88%d8%a7%d8%af-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%a7%d8%b1%d9%8a%d8%ae-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b1%d9%8a%d9%82-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%a7%d8%b6%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86
(الصورة: إحدى غرف القلعة، وتظهر على سقفها أعمال ترميم مع كتابات الزوار - قلعة أرواد - طرطوس - 2015-7-8 (غنوة يوسفصباح الخير سوريا)).

(طرطوس، سوريا)

 

قلعة أرواد – الساعة الثانية عشرة ظهراً

 

تاريخياً تعود جذور قلعة أرواد إلى الفينيقيين في الألفية الرابعة قبل الميلاد، ثم أصبحت  أرواد مملكة مزدهرة بسطت سيطرتها على طول السواحل السورية. وتعرضت الجزيرة خلال تاريخها الطويل للكثير من الحروب منها مع الحيثيين ضد المصريين في معركة قادش في القرن الثالث عشر ق.م، ومع الأخمينيين ضد اليونانيين في معركة سلاميس عام 480 ق.م؛ وتوالى على أرواد الحكام من سرجون الأول الأكادي في الألفية الثالثة قبل الميلاد وصولاً إلى الاسكندر المقدوني عام 333 ق.م. ويذكر أن القديس بولس وصل أرواد وبشر أهلها بالمسيحية.

 

للأسف كانت معظم أبواب غرف القلعة مغلقة لأسباب يجهلها حتى حراسها، فكيفما اتفق وذهبت إلى القلعة سيكون العذر إجراء إصلاحات وترميمات لم ولن تنتهي أبداً. وحتى المتحف الذي يقع داخل القلعة والذي يفترض أنه مليء بالآثار التي تدل على تعاقب الفترات على أرواد من الفترة الهلنستية إلى الرومانية والبيزنطية والإسلامية كان مغلقاً أيضاً.

 

فاكتفيت بالدوران حول القلعة والصعود إلى سطحها عن طريق الممر الذي كان يؤدي إلى سجن القلعة، إذ جعل الانتداب الفرنسي على سوريا (1946-1920) من الجزيرة قاعدة عسكرية له وحوّل القلعة إلى سجن للثوار السوريين الذين قاوموا السلطات الاستعمارية، ومن بينهم  شكري القوتلي وهو أول رئيس لسوريا (1949-1943) وهاشم الأتاسي ثاني رئيس لسوريا (1951-1949) وفارس الخوري وهو من أهم المفكرين والسياسيين السوريين.

 

خرجت من القلعة وفي نفسي الكثير من الأسى فتاريخ قلعة أرواد يشي بالكثير ولكنني لم أرَ منه سوى القليل.

 

وتابعت سيري متجهة نحو الشمال الغربي حيث بدأت البيوت تتباعد وفسحة البحر تظهر وسور أرواد الهرقلي ينتصب أمامي.

 

سور أرواد – الشاطئ الشمالي الغربي – الساعة الثانية ظهراً

 

سور أرواد هو في الواقع بقايا السور الذي كان سابقاً يحيط بالجزيرة ويعتبر خط دفاعها الأول، لكن جزءاً كبيراً منه تهدم  في الحرب التي نشبت بين فرسان الهيكل (إذ كانت الجزيرة آخر معقل لهم) وبين السلطان المملوكي المصري ناصر محمد ابن قلاوون وذلك عام 1302 ميلادي.

 

أما الجزءان الصامدان منه فيواجهان أمواج البحر من جهة ومن جهة أخرى النفايات ومياه الصرف الصحي التي تصب هنا محيطة بقايا السور بفضلات وروائح مخزية لا تتناسب مع حجم سياج بني منذ عصور وشهد مئات المعارك.

 

تابعت سيري بدوران كامل حول الجزيرة من الشمال نحو الجنوب مروراً بالشاطئ الغربي، وهنا تظهر البيوت قابعة على الصخور البحرية تتخللها تجاويف كثيرة. وصادفت بعض الشبان الذين استغلوا إحدى الصخور ليفتحوا لأنفسهم تجارة محلية فيقدمون الشاي والقهوة للعابرين ودعاني أحدهم لتذوق القهوة.

 

وقال أحد أولائك الشبان: “في المساء نسمع جيداً صدى خطواتنا ونعرف حينئذٍ أن هناك تجويفاً هائلاً تحت أرض بيتنا، وأحياناً نسمع صوت انسياب مياه البحر في أساسات البيت. الوضع ليس آمناً كثيراً وبيوتنا قد تقع في أي لحظة لكن ليس من حل فنحن لا نستطيع ترك هذا المكان. نحن كالسمك ربينا هنا والبحر بيتنا وإذا خرجنا منه نموت.”

 

تابعت التفافي حول الجزيرة، أراقب الأطفال المنتشرين على الصخور الناتئة في البحر يلعبون. وتظهر أمامي بعض مرافق الدولة مثل مبنى الهلال الأحمر السوري على الشاطئ الجنوبي التي تكاد أن تكون صامدة فالإهمال يبدو جلياً في هذه الجزيرة.

 

وصلت إلى نقطة البداية ولحظي الجيد كان قارب يهم بالإبحار إلى شاطئ طرطوس.

 

غادرت جزيرة أرواد وفي نفسي الكثير من الكآبة والأسى، فتاريخ أرواد يجعلك تبحر إليها ولكن عند وصولك لا ترى من هذا التاريخ سوى الأبواب المغلقة  ومكب نفايات يحيط بشاطئها. ومن رحلتي القصيرة وحدهم أبناء الجزيرة البشوشون تركوا في ذهني ذاكرة حلوة.