أرواد بين التاريخ العريق والحاضر المنسيّ (الجزء الأول)

” جولة بين آثار الجزيرة الوحيدة المأهولة في سوريا وصياديها. “

%d8%a3%d8%b1%d9%88%d8%a7%d8%af-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%a7%d8%b1%d9%8a%d8%ae-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b1%d9%8a%d9%82-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%a7%d8%b6%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86
(الصورة: مرفأ أرواد المحلي المخصص لقوارب الصيد الصغيرة وقوارب الركاب التي تنقلهم إلى الجزيرة – طرطوس - 2015-7-8 (غنوة يوسفصباح الخير سوريا)).

(طرطوس، سوريا) سميت مدينة طرطوس بـ”أنترادوس” تيمناً بالجزيرة التي تقع قبالة سواحلها حيث كان يطلق على جزيرة أرواد اسم “آراد” في الفينيقية و”أرادوس” في اللغة اليونانية القديمة (كلمة “انتي” تعني بـ”مقابل” باللغة اليونانية القديمة)، وبسطت هذه الجزيرة سيطرتها على امتداد السواحل وبقيت لعصور طويلة صاحبة السلطة والقوة.

وتشكل أرواد حالياً الجزيرة السورية الوحيدة المأهولة، وتبعد عن شاطئ طرطوس بثلاث كيلومترات. ويعمل معظم سكانها في الصيد وصناعة القوارب وما يتوفر لهم من الخدمات السياحية، إلا أن ما تمر به سوريا أرخى ظلاله الثقيلة على هذه الجزيرة.

مرفأ أرواد – طرطوس – الساعة السابعة صباحاً

ليس بالمرفأ الكبير، لكن بعض الصخور المتراصة كانت كافية لتشكل خليجاً يرسو بداخله مجموعة من قوارب الصيد الصغيرة والمتوسطة والقليل من القوارب السياحية. هذا هو مرفأ أرواد.

تلونت غرفة الانتظار الزرقاء المعدنية بالجالسين فيها، وعلى الصخور المقابلة كان أحد الصيادين قد رمى صنارته تواً في البحر. قوارب الصيد التي غادرت قبل مطلع الفجر بساعات تعود الآن محملة بالسمك والكثير من الابتسامات. أما أنا فكنت أستمع إلى بعض أحاديث المجموعة التي فضلت الجلوس على علب فارغة على الرصيف بدلاً من غرفة الانتظار.

وفيما أقف على الرصيف البحري منتظرة القارب الذي سيقلنا إلى “الزيرة” (وهو الاسم المحلي الذي يطلقه سكان أرواد على جزيرتهم)، سألت أحدهم عن موعد المغادرة، فكان جوابه: “ليس هناك موعد محدد، بل علينا الانتظار ريثما يقرر أحد الصيادين الرجوع إلى أرواد.” ولربما شعر حينئذٍ بأنني تفاجأت فأكمل قائلاً: “بسبب الحرب معظم القوارب خُصصت للصيد بدلاً من نقل الركاب، فكما ترين لا يوجد سياح أبداً. الآن علينا الانتظار لساعة وربما أكثر ليتوفر لنا قارب يقلنا إلى الزيرة.” سيطول الانتظار إذاً أكثر مما توقعت.

وفعلاً بدأت حرارة الشمس تشتد، والرطوبة تعبق في الجو الذي ازداد ملوحة مع هبوب الريح، والرصيف اكتظ بالواقفين.

ثم نادى أحدهم بالتأهب للمغادرة، فسارعنا من دون تردد بالقفز إلى القارب، وتناثرنا على جانبيه ومقدمته ونهايته، وبعضهم حالفه الحظ بمقعد أما الباقون فاضطروا إلى الوقوف، ومع بدء الإبحار تشبثت أيادي الركاب بما اتفق لها أن تجده من حبل أو دولاب، فالقارب لم يكن سوى قارب صيد.

جزيرة أرواد – الساعة التاسعة والنصف صباحاً

يستقبلك منظر البيوت العائمة على صفحة المياه وكأنها معلقة في السماء. الجو يعبق برائحة السمك، وفور ما تطأ قدمك الأرض يلفت انتباهك انتشار المطاعم والمقاهي الخالية إلا من أصحابها.

دخلت أتجول في أزقة أرواد الضيقة وبيوتها المتلاصقة، وكلما تعمقت في الجزيرة ازدادت البيوت التصاقاً ببعضها، حتى لتكاد الممرات تنعدم. الهدوء يعم المكان والأطفال يلعبون بحرية، فلا مكان للسيارات هنا أبداً فخلال خمسة عشر دقيقة تستطيع أن تقطع قطر الجزيرة على قدميك.

وتعترض طريقك القمامة المرمية على قارعة الطريق والمتراكمة منذ أسابيع ربما، فالواقع الخدمي ليس جيداً هنا، ولا يتناسب مع الكثافة السكانية التي تعاني منها الجزيرة إذ يقطن أرواد حالياً حوالى عشرة آلاف نسمة على مساحة قدرها أقل من 15 هكتار. فضلاً عن ذلك استقبلت الجزيرة عدداً لا يستهان به من النازحين من حلب.

أكملت طريقي بين أزقة أرواد الضيقة. باب حديدي ضخم يتوسط البيوت. هو باب قلعة أرواد…

(القصة تستمر هنا).