أين هي رابطة علماء الشام!!

%d8%a3%d9%8a%d9%86-%d9%87%d9%8a-%d8%b1%d8%a7%d8%a8%d8%b7%d8%a9-%d8%b9%d9%84%d9%85%d8%a7%d8%a1-%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%a7%d9%85
الصورة من موقع الرابطة

رستم محمود

تعتقد هذه المقالة بأن التنظيمات الدينية، أياً كان شكلها، نقابة أو رابطة أو مجلس إفتاء، لا يُمكن لها أن تكون حاضرة بذاتها. فجميعها تتطلب جهة سياسية/مالية/سُلطوية، تتبعها وتعيش في ظِلالها. تأخذ المقالة تجربة “رابطة عُلماء الشام” كمثال رئيسي، وتعتقد بأنها كانت نشيطة وفاعلة حينما كانت تابعة لجهد سياسي عسكري سوري مُعارض، ما لبثت أن ذوت وتفككت مُنذ تلاشي تلك الجهة السياسية العسكرية المالية.

أعلنت الرابطة عن تأسيسها في إسطنبول بتاريخ 10/09/2012، حيث صرح القائمون على الرابطة بأنها إعادة إحياء نفس الرابطة التي كانت مؤسسة عام 1937، ولكن تم وقف جميع نشاطاتها اعتباراً من عام 1963، بُعيد الانقلاب الشهير لحزب البعث، والذي “أمم” جميع المؤسسات الدينية التي لا تتبع الجهات الرسمية السورية1 .

عرفت الرابطة نفسها فيما بعد بأنها: “هيئة إسلامية علمية ودعوية ذات مرجعية إسلامية، تتمتع بشخصية اعتبارية مستقلة، وهي مؤسسة أهلية غير ربحية مستقلة مالياً وإدارياً، تضم نخبة من علماء بلاد الشام وتقوم بأدوار دينية وعلمية واجتماعية”.

أي أنها لم توحِِ بأي شكل كونها تيار سياسي أو سلطوي، سواء بذاته أو بتابعيته لأي طرف كان، بل كان أقرب ما يكون تعريفها الرسمي لنفسها بأنها مؤسسة مدنية تعني بالشؤون الدينية. كما أنها لم تشر أبدا في تعريفها لأي انتماء وتماهي مع البنية السُنية لها كرابطة2 .

لكن رئيس الرابطة الشيخ راجح كريم عاد وأكد خلال المؤتمر الصحفي الذي أعقب إعلان تأسيس الرابطة بأن هذه المؤسسة: “تهدف إلى دعم الثورة السورية والقيام بواجب جهاد الكلمة، إضافة إلى تشكيل مرجعية دينية وشرعية تضبط ممارسات الثوار في الميدان”. وأضاف: “الحفاظ على الاعتدال لصون سوريا من التطرف والغلو، وشدد على نبذ الطائفية وتساوي جميع السوريين أمام القانون. وأكد أن الرابطة لا تعادي أحداً ولا ترتبط بأية جهة داخلية أو خارجية”، وكذلك طالب الشيخ راجح ب”محاكمة جميع المتسببين في إراقة الدماء في سوريا، ودعا إلى كشف “زيف علماء السوء الذين يلبسون على الناس دينهم”.

بتلك التفاصيل المختلفة عن التعريف الأولي للرابطة، فإن القائمين عليها يكونون قد حددوا كمّاً من التفاصيل التي يمكن عبرها كشف مضامين هوية ومرامي وظائف هذه المؤسسة:

هي تنظيم ديني موالي، وعمليا “تابع”- لجهة سياسية بعينها، هي الثورة السورية بتعبيراتها السياسي والعسكرية. أي أنها ليست مجرد جماعة دينية دعوية أو خيرية مستقلة عن السياسة وشؤون الحُكم. وهي حين تعتبر “جهاد الكلمة” من وظائفها العامة، فإنها بالضرورة تحاول أن تضبط عمل هذه الجهات السياسية بما يتماهى مع جوهر “الشريعة الإسلامية” حسب فهمها وتفسيرها الخاص للشريعة.
تميل الرابطة لتكون تعبيرا عن نوع من “الإسلام المدني” المعتدل، المختلف جوهريا عن “الإسلام الجهادي” ونظيره العقائدي من “الإسلام السلفي”، فهي تسعى جاهدة للحفاظ على “النمط الشامي” التقليدي من الإسلام، والذي كان على الدوام قائماً على وسطية دينية معترفة بمؤسسات الدولة وشرعية الحاكم والولاء له.
حاولت الرابطة الإيحاء بعموميتها، حينما طالبت بمحاكمة عادلة لجميع المتسببين بإراقة الدماء السورية، فهي لم تطالب بمحاكمة جميع مناصري النظام الحاكم، ولم تطالب بمحاكمة “المدانين” الذين في صفوفها، بل أكدت على رأي عام لا يفرق بين جميع السوريين في الخضوع لشرعية المحاكمة.

تفصل الأدبيات الصادرة عن الرابطة أهدافها، وهي تنص على: “حراسة الدين، وصون أحكامه من العبث والتحريف والتبديل، التفقيه في الدين ونشر علوم الشريعة واللغة العربية، السعي لتطبيق أحكام الشريعة وتقنينها، الحفاظ على الاعتدال في التدين، وترشيد أفكار الغلو والتطرف، صيانة مصالح السوريين والسعي لتجنيبهم كل أشكال الفتـن والإكراهات السلطوية والمعاشية، وفق مبدأ العدالة والحرية والمساواة، إصلاح الشأن الديني بما يتناسب مع مقتضيات العصر وأحكام الشريعة، الحفاظ على وحدة الدولة السورية وترسيخ هويتها العربية الإسلامية، الدعوة إلى الله تعالى وإنشاء المؤسسات التي تقوم بهذا الدور، الحفاظ على النسيج الاجتماعي والتنوع الثقافي في المجتمع السوري”.

جميع هذه المحددات تدخل باب “الهوية الرمزية” للتنظيم، والذي يحاول أن يتماهى مع نمط المؤسسات الدينية الرسمية التقليدية، المتوافق تماما مع إسلام المدينة الشامية التقليدية، وإسلام لا يود أن يكون مسيطراً بذاته، بل منضبطاً تحت ظل تيار سياسي “سلطوي”.

نفس الأدبيات تسعى للتفصيل في المهام العملية التي تريد الرابطة أن تؤسس ذاتها عليه، تحت بند “مهام وأدوار الرابطة”، وهي: “القيام بواجب جهاد الكلمة الذي هو أوجب على العلماء من غيرهم، رعاية مصالح الناس بالشريعة الإسلامية التي جاءت لإسعادهم في الدارين، رعاية شعائر الله لتقوم على وجه صحيح، القيام بمهمة الاستنباط الفقهي، والإفتاء في النوازل والمستجدات، توجيه الممارسات الاجتماعية وترشيدها وفق الإطار الأخلاقي والقيمي، القيام بتحديد المشكلات التي تواجه الأمة، وتقديم حلول لها والعمل على تطبيقها، التعاون والتنسيق مع المنظمات والمؤسسات الدينية في العالم، إقامة مركز بحوث ومعلومات يساعد الرابطة في مهامها”.

يلاحظ بجلاء تطابق المبادئ العامة ،التي تعتبرها الرابطة كمحددات لها، مع “المهام والأدوار”، أي أن الرابطة لا تريد لنفسها أي أفعال وممارسات عملية على الأرض، بل تسعى لأن تكون مختصة بإدارة الشؤون الدينية فحسب، ومعها بعض التفاصيل الرمزية التي تؤهلها لأن تكون سلطة عمومية، وفي أفضل الظروف احتكار الإشراف على الشؤون الدينية وتمثيل سوريا دينياً في المحافل الدولية.

على أن ذلك كان متوافقاً تماماً مع الطبيعة العصبوية التي كانت تجمع بين مختلف المشايخ الذين اسسوا هذه الرابطة، والذين ينتمون بأغلبيتهم الكبرى لمدينة دمشق ومشايخها التقليديين الذين كانوا على غير وفاق مع السلطة الحاكمة. منهم الشيخ أسامة الرفاعي، نجل الداعية الشامي الشهير عبد الكريم الرفاعي، وشيخ قراء الديار الشامية الشيخ كريم راجح، وكذلك الشيوخ محمد لطفي الصباغ وعبد الكريم بكار ومحمد راتب النابلسي …الخ.

صحيح أن الرابطة لا تعبر عن أي موقف مباشر خاص بها، فيما يتعلق بالشؤون التفصيلية، خاصة السياسية والاجتماعية والاقتصادية الحساسة. لكن جملة من المقابلات مع الشيخ أسامة الرفاعي على سبيل المثال، الذي يُعد من أهم الأوجه المعبرة عن توجهات الرابطة، يكشف إلى حد بعيد مضامين توجهات الرابطة.

راهناً، لا شيء عن الرابطة، لا مشاريع ولا مؤتمرات ولا مواقف ولا أدوار، كيانٌ خامل مُنزوي. صفحة الرابطة على الفيسبوك تُعيد نشر مواد دعوية مُجردة، لا علاقة لها بتفاصيل الحياة اليومية السياسية والاجتماعية التي تخص السوريين، وبالذات عن الثورة التي قالت الرابطة أن هدفها هو الدفاع عنها. كذلك فإن موقع الرابطة على اليوتيوب لم يُحدَّث مُنذ تسعة أشهر. نفس الأمر يخص أدوار ومواقف الرابطة ودورها في النقاش السوري العام.

شيء شبيه ومطابق جرى للتيار السياسي العسكري المالي الذي تأسست الرابطة في ظلاله، والذي كان يجمع الدور التُركي في الداخل السوري، مع نمو حركة جيش الإسلام وهيمنته على غوطة دمشق، ولا ينفصم عن الدعم المالي السعودي والخليجي. فالرابطة خملت مع تراجع كُل تلك الأدوار.

[1]  مقتطفات من تقرير عن المؤتمر الصحفي التأسيسي للرابطة: http://www.aljazeera.net/news/arabic/2012/9/10/%D8%AA%D8%A3%D8%B3%D9%8A%D8%B3-%D8%B1%D8%A7%D8%A8%D8%B7%D8%A9-%D8%B9%D9%84%D9%85%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%A7%D9%85

[2] ثمة شبه عُرف سياسي/ثقافي سطرته جماعة الإخوان المسلمين بالأساس، قائم على اعتبار الجماعة لنفسها كتنظيم للمسلمين السُنة، ومغلق على باقي المنتمين للمذاهب الإسلامية الأخرى. وهو شيء ينطبق على باقي الجماعات الدينية التي كانت تدور في فُلكها عادة.