اضطرابات ما بعد الصدمة تهدد مستقبل الصحافيين

” اشباح الاضطرابات النفسية والجسدية تطارد الصحافيين المواطنين السوريين بعد الصدمات التي تعرضوا لها أثناء تغطية الحرب.  “

%d8%a7%d8%b6%d8%b7%d8%b1%d8%a7%d8%a8%d8%a7%d8%aa-%d9%85%d8%a7-%d8%a8%d8%b9%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%b5%d8%af%d9%85%d8%a9-%d8%aa%d9%87%d8%af%d8%af-%d9%85%d8%b3%d8%aa%d9%82%d8%a8%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%b5
(الصورة: اضطراب ما بعد الصدمة (Post Traumatic Stress Disorder/Lance Page/t r u t h o u t; adapted: Andrew Spratley, Conrad Kuiper, Nathan Barry/via Creative Commons CC BY-NC-SA 2.0)).
<

“ومعظم الصحفيين الذين قابلتهم قالوا لي إنهم اعتادوا ظروف الحرب وليس لديهم أي مشكلة في المشاهد التي يعيشونها، إلا أنهم بمجرد أن يتركوا البلاد ليستقروا في مناطق آمنة لفترة معينة يبدأون بالتفكير بكل ما حدث معهم في الداخل السوري.”

div>(حلب، سورياعنتاب، تركيا) لقد شهدث نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين اهتماماً كبيراً بظاهرة الاضطراب التالية للصدمات وتطوراً في مفاهيمها وذلك بسبب تزايد خبرات الحروب. وقد كان يعبّر عن هذا الاضطراب بتسميات مختلفة مثل عصاب الحرب أو إجهاد المعارك، إلى أن تم تصنيفه رسمياً في عام 1980 باضطراب الشدة بعد الصدمة كفئة مرضية مستقلة في الدليل التشخيصي والإحصائي الثالث للاضطرابات النفسية (DSM III) الذي تصدره الرابطة الأمريكية للطب النفسي.
إن إعلاميي الحرب جزء من هؤلاء الأفراد الذين قد يتعرضون لتداعيات الصدمات التي يعيشونها أثناء قيامهم بمهامهم على الأرض نتيجة للإصابة أو الاعتقال، ما يدخلهم في نفق من الاضطرابات النفسية التي تهدد بإيقاف عملهم.
حسام قطان، صحفي مواطن من مواليد 1993 من مدينة حلب، حائز على العديد من الجوائز العالمية في مجال التصوير الفوتغرافي، كان آخرها جائزة المنتدى الأكاديمي الدولي (IAFOR) في تموز (يوليو) 2015، تعرض أثناء قيامه بعمله الإعلامي على جبهة “الشيخ السعيد” في حلب لطلقة من قناص النظام الأسدي استقرت في البطن في 27 مايو (ايار) الماضي. ومنذ ذلك الوقت، اضطر قطان إلى الانتقال إلى تركيا.
يتحدث قطان عن تجربة إصابته في لقاء مع صباح الخير سوريا قائلاً: “ألم جسدي قاتل سيطر علي أثناء الإصابة وصدمة مؤلمة هو ما  شعرت به عندما استيقظت في المشفى بعد نقلي لتركيا، إلا أن المعاناة والاضطرابات النفسية التي تلت الألم الجسدي كان لها الأثر السلبي الأكبر على توازني الشخصي وعلاقتي بمن حولي… أرق… تفكير مشوش… خوف من المستقبل… شعور بالعجز ورغبة بالعزلة، هو ما عشته في تلك الفترة.”
وفقاً للتعريف الذي صاغته رابطة الجمعيات العلمية الطبية الاختصاصية في ألمانيا التي وضعت أيضاً التعليمات ‏الخاصة لعلاج اضطرابات ما بعد الصدمة، إن اضطرابات ما بعد الصدمة هي “ردة فعل لاحقة محتملة ناتجة ‏من معايشة حدث مؤلم أو أكثر من قبيل معايشة العنف الجسدي،” وكذلك هي محاولة الكائن ‏الحي البقاء على قيد الحياة رغم حالة الصدمة والتهديد على الحياة‏. وبالتالي، إن الاضطرابات، حسب ‏وصف الرابطة، ليست تعبيراً عن الفشل (أو الخلل)، بل استجابة صحية وردة فعل مناسبة إزاء ‏الحدث.‏
يعيش قطان الكثير من التساؤلات والهواجس والمخاوف بعد خمسة أشهر من الإصابة. “أنا بتركيا وما عبلاقي حالي هون متل ما كنت بحلب وبالمقابل عندي حالة خوف من الرجعة لحلب: نظرتك للوضع بالداخل السوري بتختلف لما بتبقى فترة طويلة خارج البلد، أي شخص يصاب أو يعتقل عم بيروح من كيس حالو ومافي أي جهة تسأل عليه. أنا بانتظار معجزة (بتخليني آخذ قرار)،” (1) هذا ما قاله قطان وهو يعيش حالة الصراع بين رغبته بالعودة إلى حلب والعمل هناك وبين حالة رهاب الحرب في سوريا.
ووفقاً للباحث في السيكولوجية غسان يعقوب، قد لا تغيب أحياناً المنبهات الصادمة عن وعي الشخص بل إنها تغزو وبعنف رأسه من وقت لآخر وتولد فيه مشاعر مؤلمة وأفكاراً مأساوية مرتبطة بالصدمة (كوابيس وصور دخيلة) وهكذا تبقى المنبهات الصادمة تضغط على الشخص حتى تتم معالجتها بشكل كامل. ولكن يبدو أنه ليس من السهل حدوث ذلك، بحسب البروفيسور يعقوب، نظراً لطبيعة الصدمة التي تبقى ناشطة في الذاكرة عصية عن تحديد معنى لها، ولذلك يجري تأرجح دائم بين تكرار الانفعالات وتجنبها بسبب غياب القدرة على احتوائها في البناء المعرفي.
محمود “ميلاد” شهابي (25 عاماً)، صحفي مواطن يعمل في مجال التصوير، تعرض للاعتقال على يد تنظيم الدولة الإسلامية في 27 كانون الأول (ديسمبر) 2013  بعد سيطرة هذا الأخير على مفاصل مدينة حلب. اعتقل شهابي في مكتب العمل  في حي مساكن هنانو بعد أن تمت مداهمته وسرقة كل ما فيه من معدات، وقضى بعدها الصحفي 17 يوماً في السجن أغلبها في زنزانة منفردة كانت كفيلة بقلب كل مفاهيم الحياة لديه.
تحدث شهابي المقيم في مدينة حلب قائلاً: “خلف الضرب والإهانة وأصوات التعذيب التي كنت أسمعها في المعتقل صدمة لا تزال أضرارها ظاهرة حتى هذا اليوم: كوابيس وعقد نفسية من الجماعات المتأسلمة وأصحاب اللحى الطويلة. بعد خروجي من المعتقل ابتعدت لأكثر من شهر ونصف عن الداخل السوري، وعندما عدت كان أصدقائي يرافقونني وهم مسلحون بغرض حمايتي نتيجة مخاوفي من أن تعتقلني الجماعات المتطرفة في أي وقت.”
فضلاً عما يتعرض له الإعلاميون من إصابات جسدية واضطرابات نفسية، هم يتعرضون أيضاً للإهمال من الجهات التي يعملون معها، إذ ترك الكثير من الإعلاميين لوحدهم بعد إصابتهم أثناء العمل أو اعتقالهم من قبل المجموعات المتطرفة، ويعالجون أنفسهم على نفقتهم الشخصية باستثناء من أسعفه الحظ بمساعدة قدمتها الجهات الإعلامية. وكذلك لا اهمتام في برامج دعم نفسية لهؤلاء المواطنين الصحافيين بعد تعرضهم للصدمات.
بيشنك ألو صحفي مواطن أصيب في القدم برصاص قناص النظام الأسدي في مدينة حلب في العام 2013 أثناء القيام بعمله، إلا أنه تعرض للإهمال الكامل من القناة التي كان يعمل بها (الأورينت)، ومازال بيشنك يعاني إصابته حتى وقتنا الحالي على المستويين الجسدي والنفسي.
تقول آية مهنا، أخصائية علم النفس التي تتعامل مع المواطنين الصحفيين القادمين من سوريا إلى مدينة عنتاب، إن: “المواطنين الصحفيين  أكثر الناس المعرضين للصدمة، إذ يعملون على التوثيق والتحرير والمونتاج ومن خلال ذلك يعيشون الحدث مرات عدة، وكونهم من نفس البلد الذي يعملون فيه ليس لديهم الوقت الكافي ليفهموا ما يحدث لهم على الصعيد النفسي. ومعظم الصحفيين الذين قابلتهم قالوا لي إنهم اعتادوا ظروف الحرب وليس لديهم أي مشكلة في المشاهد التي يعيشونها، إلا أنهم بمجرد أن يتركوا البلاد ليستقروا في مناطق آمنة  لفترة معينة يبدأون بالتفكير بكل ما حدث معهم في الداخل السوري.”
كما أوضحت الأخصائية مهنا في حديثها أنه من الممكن أن يشكل الوعي السياسي عامل ضغط كبير على الحالة النفسية والجسدية للصحافيين كونهم على اطلاع بكل ما يحدث في الداخل السوري. وتابعت: “ولأنهم أكثر الناس قدرة على تحليل الواقع نتيجة لوعيهم السياسي بما يحدث حولهم، ولأنهم لا يعرفون (…) متى سيرون أهلهم وما هو مستقبلهم، تظهرعليهم آثار اضطراب ما بعد الصدمة وعوارضه التي قد تكون نفسية مثل القلق وكثرة النوم و الأرق، أو جسدية مثل الضعف في الذاكرة والصعوبة في التنفس وأمراض القلب.”
وفقاً لعالم النفس الأمريكي إبراهام ماسلو، وهو صاحب نظرية “تدرج الحاجات”، “إن الحاجة إلى الأمن هي واحدة من احتياجات الإنسان الأساسية.” فالناس يفضلون بيئة آمنة على بيئة خطيرة “لا يمكن التنبؤ بها ولا يمكن السيطرة عليها.” وقد يسبب وقوع الناس في منطقة الخطر عجزهم أو موتهم، وحالة العجز هي ما يعانيها الكثير من المواطنين الصحفيين في سوريا، وبالفعل اجتمع قطان وشهابي على فكرة عدم الخوف من الموت، إلا أن الخوف من العجز وعدم القدرة على الاستمرار في مهمتهم هو ما يشكل هاجساً يومياً لهم.

باللغة الفصحى: “أنا في تركيا ولا أجد ذاتي هنا مثلما كنت في حلب. وبالمقابل عندي حالة خوف من العودة إلى هناك: نظرتك إلى الوضع داخل سوريا تختلف عندما تبقى فترة طويلة خارج البلد، أي أن الشخص الذي يصاب أو يعتقل يكون هو الخاسر الوحيد وليست هناك أي جهة تبحث عنه وتدعمه. أنا بانتظار معجزة (تجعلني أقرر مصيري).”