الأطعمة.. سفير اللاجئين السوريين في مصر

” مطاعم سورية تغزو شوارع القاهرة بعد أن نجحت في جذب الآلاف من عشاق الطعام السوري “

%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b7%d8%b9%d9%85%d8%a9-%d8%b3%d9%81%d9%8a%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%84%d8%a7%d8%ac%d8%a6%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%88%d8%b1%d9%8a%d9%8a%d9%86-%d9%81%d9%8a-%d9%85%d8%b5%d8%b1
[مطاعم سورية في المنطقة الثالثة من مدينة 6 اكتوبر و اصبحت تسمى بشارع السوريين-مصر-5/2/2017(فادي سعد/صباح الخير سوريا)]

(القاهرة-مصر) الأزمة الاقتصادية التي تعيشها مصر وتراجع قيمة العملة المحلية لم توقف شارع التحرير في القاهرة أو ما يعرف الآن بـ “حارة السوريين” عن استقبال الآلاف من عشاق الطعام السوري.

المحلات قليلة العدد التي بدأت العمل عام 2011 ببيع المقبلات الصباحية من مكدوس ولبنة وجبنة وحمص، توسعت الآن على طول الشارع لتنافس المطاعم الأخرى وتحظى بقبول الأهالي، بل إنها أدخلت في قوائم وجباتها أطعمة مصرية تقدمها بنكهة سورية وكأنها عودة لوحدة بين البلدين كان حقيقةً قبل 60 عاماً. وحدة من خلال الطعام.

يقع شارع التحرير مقابلاً لمسجد الشيخ الحصري الشهير في الحي الأول بمدينة السادس من أكتوبر، 34 كيلو غربي القاهرة. ينحني هذا الشارع عند نهايته يسارا ويفضي إلى حديقة جامعة 6 أكتوبر. وما بين المسجد والجامعة انشغل السوريون بنسج مدنهم الخاصة على يافطات محلّات تحمل أسماء من قبيل “بهارات الغوطة”، “شاورما الدمشقي”، “حمص العديّة لتصليح الساعات” وغيرها الكثير.

ما إن ينتصف النهار حتى يبدأ الناس بالتسرب عبر الأبنية والشوارع المحيطة باتجاه المطاعم والمقاهي السورية، وكأنه حج يومي تختلف شعائره بحسب ما يتسع له وقت الناس وجيوبهم، يجذبهم ذاك المزيج العجائبي من رائحة الفروج المشوي لمطعم بركات أو الشاورما على الفحم من مطعم روستو أو تلمح أعينهم تمطّي الجبنة المحشوة داخل الكنافة النابلسية من محل ” النجمة النابلسية”.

“تفضل عيوني.. زيتون سوري دوق مسامح” استقبلنا أبو حذيفة صاحب بسطة للمونة السورية بهذه العبارة. وتابع صاحب البسطة تعريفه بمنتجاته: “هاي لبن منشفه بعدين مندعبله ومنغرقه بزيت زيتون ممكن نحط عليها نعنع يابس أو بدون.. المكدوس باتنجان منحشيه عين جمل (جوز) وفليفلة ومنغرقه بالزيت.. في حد وحلو، عندك الزيتون والعطون أخضر وأسود.. هاد مننقعو بالمي مرتين او تلاتة لحتى يحلى بعدين منحطله قطرونة (هيدروكسيد الصوديم) بعدين منتبله بالليمون”.

أبو حذيفة وفي رغبة منه لجذب الزبون المصري إليه وضع عدد من براميل مخلل البصل والليمون والزيتون والذي لا يتناوله السوريين عادةً لكنه حضره على الطريقة السورية: “منحلي الزيتون أول الشي بعدين بحطلو توابل سورية وزيت زيتون.. الطعم أطيب وسعري أقل من سعر السوق”.
يلتقط أطراف الحديث أحد الزبائن المصريين الذي قال إنه تعرف على الأطعمة من صديق سوري كان يعمل معه في الإمارات “الأكل السوري مليء بالتوابل،, كمون وشطة (فلفل احمر)و نعناع …أكل لذيذ جداً وأنا سعيد انه متوفر جنب بيتي”.

المحلات قليلة العدد التي بدأت العمل عام 2011، توسعت الآن على طول الشارع لتنافس المطاعم الأخرى وتحظى بقبول الأهالي، بل إنها أدخلت في قوائم وجباتها أطعمة مصرية تقدمها بنكهة سورية وكأنها عودة لوحدة بين البلدين كان حقيقةً قبل 60 عاماً. وحدة من خلال الطعام.

السيدة أم حسام (ربة منزل) زبونة دائمة عند أبي حذيفة وهي ماهرة جداً في المفاصلة “أنا بشتري أكل سوري على طول لأنه صحي ومعمول بزيت الزيتون”.

في هذا السوق الشعبي، تسهل ملاحظة تلك “التوأمة” بين بعض الأكلات الشعبية المصرية والسورية، وأشهرها المكدوس والفول والفلافل مع فوارق بين طرق تحضير كل منها.

يوضح أبو خالد، صاحب مطعم للوجبات الشعبية، لموقع “صباح الخير سوريا” الفروق بين طريقة التحضير لكل منها. “يكتفي المصريون بجعل الباذنجان مخللاً ومحشواً بالفلفل فقط بينما يصنع السوريون منه وجبة قريبة هي المكدوس، الحال نفسه مع وجبة الفول. السوريون يستخدمون حبوب الفول كبيرة الحجم، نقدمه مع الطحينة أو بحمض الليمون مع الثوم والبقدونس وزيت الزيتون ونرش عليه الكمون والفلفل المطحون، بينما الفول المصري يقدم مطحوناً وعليه زيت عباد الشمس مع فلفل وكمون”.

يلقي أبو خالد نظرات خاطفة على ابنه الذي ينظف إحدى الطاولات استعداداً لقدوم زبون محتمل ثم يتابع “الفلافل السورية هي حمص وكزبرة وشوية توابل تانية، نطحنها ونعملها عجينة، أما الفلافل المصرية فهي فول وكزبرة وتوم وبصل وشبت (نبتة عطرية)”.
على الجهة المقابلة لجنون الروائح الشهية يصطف عدد كبير من الزبائن أمام محل “مأكولات شامية” وهو مخبز فطائر تتصاعد روائح فطائره منفردة عبر مدخنة صغيرة.

يتحدث السيد أمين صاحب المحل بفخر عن سرّ رواج فطائره بين الزبائن المصريين والسوريين على حد سواء. “عجينة الفطائر هي طحين وسكر وزيت وبيض، الكل يعرفها، لكن المهارة تكمن في الحشوة وشكل الفطيرة” ثم يضيف بابتسامة متهرباً من المزيد من الإيضاحات “هاي شغلتنا من زمان بسوريا”.
في الحي الثاني من مدينة 6 أكتوبر وفي شارع هادئ يستقبل أبو عبدو زبائنه في محله “البيت السوري” بابتسامة عريضة وكأنك تدخل إلى أحد الفنادق ويزيد من هذا الشعور نظافة المكان ورتابته.

“انا عندي معمل بصنع لبنة وجبنة وزيتون وحلاوة وشنكليش وحمص، وبوزع للمحلات داخل وخارج مدينة 6 اكتوبر. زبايني 60% مصريين واكتر شي بيشترو تبلة الفلافل ولبنة ومكدوس وجبنة كعاب وشلل أما المسبحة “حمص مطحون” والشنكليش والحلاوة الحمصية زباينها سوريين”.

وعن رأيه في أسعار السلع أجاب “الأسعار ارتفعت بنسبة 20% ، التجار يخزنون البضاعة حتى يستقر الدولار أو ينخفض سعره وهاد سبب الغلاء”.

وتشهد مصر موجة غلاء مستعرة بسبب اتخاذ الحكومة المصرية قراراً برفع الدعم عن العديد من السلع تلبية لشروط قرض البنك الدولي. وتسبب انخفاض احتياطي الدولار عجزاً كبيراً في توفير المستوردات ما أثر سلباً على أسعار مواد التصنيع والمستوى العام للأسعار.

“عدد الزباين هو نفسه لكن كمية الشراء أقل” يعقّب أبو عبدو شارحاً تأثير ارتفاع الأسعار على تجارته. لكن الرجل يؤكد أن عمله في مصر ما زال يحقق له ربحاً كافياً كي يعيل أسرته المكونة من خمسة أشخاص.

مع حلول الظلام واشتداد البرد تنحسر جموع الزائرين وتبدأ الاحاديث الجانبية بين العمال المصريين والسوريين كلٌّ بلهجته المحببة في مقهى على ناصية الشارع. يعلو صوت زبون يطلب تغير الفحم للأركيلة بينما آخر يشير بيده إلى طلب الحساب. تنحسر الروائح تدريجياً ومعها زوار الشارع ليكونوا على موعد جديد في اليوم التالي.