الإيجارات المرتفعة للمنازل في منطقة درع الفرات، تراجيديا النازحين الجديدة.

   

banner
banner
banner
banner
banner
banner
banner
banner
banner
banner
banner
banner
banner
banner

أحمد محلي

 

كان التعب بادٍ على وجهه ، الذي رغم البرد قد تصبب العرق من مساماته، واقف يتأمّل مياه الفرات الراكدة لتزيده يأساً، بعد سبعة شهور ما زال عمرو الحمصي يبحث عن بيتٍ يأويه بدل ذلك الذي طُرِد منه من مدينته حمص، ولكن لا فائدة، فإيجار المنزل الواحد يقارب 200 دولار، أي ما يعادل 100 ألف ليرة سورية، ويعلق عمرو على ذلك ” منذ تهجيرنا من حي الوعر بتاريخ 10 – 5-2017 وقدومنا إلى ريف جرابلس وأنا أبحث عن منزل في هذه المدينة التي لاتعادل مساحة شارعين في الوعر، إلا أن بحثي لم يكلل بالنجاح للآن ، فالأسعار تجاوزت ال 200$ للمنزل الواحد ورغم ذلك لاتوجد منازل “، ولجرابلس وضع خاص عن المدن الأخرى في الريف الشمالي الحلبي، حيث يسميها المقيمون في تلك المناطق بـ”اسطنبول الشمال”، لتوفر الماء والكهرباء فيها بشكل دائم نتيجة اهتمام الحكومة التركية فيها كنموذج لتدعيم الاستقرار في مناطق درع الفرات.

عمرو ليس المهجَّر الوحيد الذي يعاني تلك المأساة اليومية، وليست جرابلس المدينة الوحيدة في الريف التي تشكل ظاهرة في غلاء الأسعار، بل إن استغلال عمليات التهجير بات ظاهرة واسعة الانتشار في مناطق درع الفرات، رغم وجود الكثيرين من أبناء تلك المناطق الذين رفضوا ذلك واستقبلوا الناس ومنحوهم بيوتهم دون أي مبالغ، الأمر الذي لا يلغي حالة استغلال واضحة، وقد حاول المجلس المحلي في جرابلس أن يمنع ذلك الاستغلال من خلال تحديد سقف الأجور، لكنه ووجه برفض من قبل شريحة من السكان، يتحدث رئيس المجلس المحلي لجرابلس المهندس عبد خليل عن ذلك “عمل المجلس على وضع دراسة لتحديد أسعار الآجارات ووضع مبلغ 100$ كحد وسطي ، على اعتبار أن أسعار الإيجار قبل الثورة كانت تقارب الـ 5000 ليرة سورية، إلا أن القرار تم الاعتراض عليه لأن بعض الأهالي وجدوه مرتفعاً وبعضهم الآخر وجدوه منخفضاً، ولذلك تم إلغاء القرار”، ورغم ذلك يرى الخليل أن الإجراء لو طُبِّق فإنه لن يلغي ظاهرة ارتفاع أسعار الإيجار ، “لا يمكن ضبط اسعار الآجارات ، فمثلاً إذا وضعنا سقف معين لآجار المنزل، فمن الممكن أن يتم الاتفاق بين المؤجر والمستأجر على سعر، و أمام المجلس يذكرون سعراً آخراً “.

 

دفع إيجاراً ما يعادل مئة ضعف ما كان سيدفعه قبل اندلاع الاحتجاجات في سوريا

“أنا أبحث عن منزل في هذه المدينة التي لا تعادل مساحة شارعين في الوعر، إلا ان بحثي لم يكلل بالنجاح للآن”

 

بعد يومٍ طويلٍ ومنهكٍ في ورشات النجارة يعود أحمد النازح من حلب الشرقية من عمله إلى الغرفة التي استأجرها في مدينة اعزاز، بعد أن وضع كل ما يملك من مال لكي يستأجرها مدة ثلاثة شهور، حيث وصل إيجار الغرفة إلى 150 دولاراً، في حين قبل اندلاع الاحتجاجات في سوريا، بل وفي مراحل متقدمة منها لم يكن إيجار منزل قد وصل للـ 40-50 دولار شهرياً، إضافة إلى السمسار العقاري الذي لا يقبل بأن تنخفض نسبة “دلالته” نهائياً، والتي هي إيجار شهر كامل، أي 150 دولار، ويكون بذلك أحمد قد دفع ثلاثمئة ألف ليرة سورية لغرفة كان يستأجرها قبل عام 2011 بنفس المدة بـ ثلاثة آلاف ليرة سورية، أي ما يعادل مئة ضعف ما كان سيدفعه ” أتينا إلى مدينة اعزاز أنا وعائلتي بحثاً عن الأمان الذي افتقدناه طيلة فترة مكوثنا في حلب ، ولكني لم أتوقع الارتفاع الكبير في أسعار المنازل، دفعت كل ما لدي من مال، حتى أنني اضطررت لبيع مصاغ زوجتي، وقلت لها إن لم نسكن في اعزاز فلن أجد عملاً، لنستأجر هنا أفضل من الجلوس عطال بطال بالمخيم”، وتصل العديد من الشكاوي بسبب غلاء الأسعار للمجلس المحلي باعزاز، والذي يعزو ذلك الغلاء بسبب الطلب الكبير على إيجار البيوت، ويقول على لسان رئيسه محمد حج علي “مدينة اعزاز هي بالأصل مدينة صغير وعدد البيوت الفارغة فيها بالاساس قليلة ، وتحملت المدينة ضغط نازحين يعادل عشر أضعاف طاقتها الاستيعابية، فعدد السكان المقيمين في المدينة يقدر ب 50 ألف نسمة ، والعدد الكلي اليوم مع النازحين يصل للـ 185 ألف نسمة، يضاف إليهم سكان المخيمات المحيطة بالمدينة، أكثر من 70 بالمئة من الشكاوى التي تصل إلينا تكون حول آجارات المنازل، ونحن بدورنا نعمل على حلها بشكل ودي، وفي حال وجود أي استغلال للنازح نعاقب مباشرة الطرف الآخر ضمن الصلاحيات الموجودة لدينا، كما نعمل مع المحكمة المركزية وقيادة الشرطة على سن قانون يضع حد وسطي للآجارات لتتناسب مع وضع النازحين”

وهناك تقديرات غير رسمية ترجع ارتفاع إيجارات المنازل في إعزاز إلى أن حجم سوق العرض العقاري يبلغ قرابة 2500 منزل معد للإيجار في المدينة مقابل حجم طلب يقدر بعشرات الآلاف كلهم من النازحين، ولحل تلك المشكلة يشجع المجلس المحلي السوريين على شراء أراض وبيوت ضمن الحدود الإدراية لمدينة اعزاز وبناء منشآت عقارية تفيد في تخفيف الأزمة، وفي مقابل حالات الاستغلال التي يمارسها البعض في ظل الأزمة هناك حالات أخرى تنظر إلى الأزمة من زاوية أخرى مبنية على أساس المشتركات الوطنية، وكثير من العائلات النازحة تقطن في اعزاز أو غيرها دون دفع أي مبلغ، جاسم المحمد من ريف مدينة الراعي سكن في منزل في مدينة اعزاز لأكثر من عام حتى تحررت قريته من داعش دون دفع أي مبلغ،” أتيت أنا وعائلتي المؤلفة من زوجتي وولدي وزوجته ، وسكنا في منزل شرق مدينة اعزاز، ولم يرضَ صاحب المنزل أخذ أي بدل مادي لقاء آجار المنزل “، كذلك يسكن العديد من النازحين في منازل لأصدقاء أو أقارب لهم قد هاجروا سوريا.

حمادي: منزل بنصف سقف خير من خيمة لا تقينا الحر والبرد

نصف منزلٍ عوّض حمادي النازح من دير الزور عن أن يستأجر منزلاً يصل للـ200 دولار شهرياً في مدينة الباب، وصعوبة العيش في الخيام “منزل بنصف سقف خير من خيمة لا تقينا الحر والبرد”، حيث باتت البيوت المدمرة في مدينة الباب، والتي بلغت ما يعادل 40 % من منازل المدينة مأوى جيداً وبديلاً للنازحين من مدن حلب والرقة ودير الزور وحمص، ويرجع التاجر في المجال العقاري محمد الصالح سبب ارتفاع الإيجار  لنفس الأسباب التي تحدث عنها آخرون في المدن الأخرى لمنطقة درع الفرات من نزوح عدد كبير لها وعودة الكثير من سكانها، ومن الممكن أن يكون لعملية درع الفرات بما وفرته من أمان في المناطق التي تسيطر عليها من خلال عدم تعرض تلك المناطق للقصف دوراً في رفع الأجور، إلا أن ارتفاع الأجور والحديث عن حالات استغلال لا يقتصر على مناطق درع الفرات فحسب، ولكن أيضاً تجد أصداءه في  مدينة إدلب.

في اعزاز الآن هناك 30 فندقاً، في الوقت الذي لم يكن فيها فندقاً واحداً

عمال المنظمات الذين يقبضون بالدولار ساهموا بطريقة غير مباشرة بغلاء الإيجارات

ظاهرة جديدة أيضاً عمّت المدن الكبيرة في درع الفرات، الباب وجرابلس واعزاز، حيث حول الكثير من اصحاب البيوت الكبيرة بيوتهم لفنادق يصل إيجار الغرفة فيها ل13 دولار يومياً، اي ما يقارب 5000 ألف ليرة سورية، وقارب عدد الفتادق في مدينة مثل اعزاز الـ30 فندقاً في حين لم يكن هناك أي فندق في المدينة قبل الثورة، وتشهد تلك المدن إقبالاً أكثر من غيرها بسبب توفر فرص عمل فيها أكثر من مناطق طرفية أخرى، ويرى بعض النشطاء أن تركز عمل المنظمات ووجود موظفيها الذين يقبضون بالدولار ساهم أيضاً في رفع أسعار الإيجار، وتشهد تلك المدن حركة عمرانية واسعة لتوفير سكن للنازحين، وتشجع المجالس المحلية على ذلك لتخفيف الأزمة، ووصل الأمر لإقامة مشروع سكني طابقي بالقرب من جرابلس على أراضي أملاك دولة، وهذا المشروع استثماري يقوم به مستثمر تركي ويصل فيه سعر الشقة الواحد إلى 15000 دولار.

وبحسب المهندس  محمد العبد الله، وهو متابع اقتصادي في الشمال السوري حل مشكلة إرتفاع الإيجارت يكمن في: “مشكلة ارتفاع الإيجارات لاتحل إلا بتوسيع المنطقة ووجود خطة لبناء مدن طابقية جديدة تستوعب العدد الكبير من السكان الموجود في الشمال السوري سواء في المخيمات او المدن”.

معظم الحلول الآنية من محاولة تحديد الإيجار لإقامة مشاريع سكنية لا تفيد الأغلبية الكبرى من النازحين الذين ينتمون لشرائح مجتمعية متوسطة وفقيرة، وغير قادرة على التعامل حتى مع تلك الحلول، ويكفي فقط الإشارة إلى أن أسعار إيجارات شقق من غرفتين وثلاثة في مدن تركية كبيرة مثل عنتاب وقيصري وأضنة لم يعد يتجاوز سعر إيجار غرفة واحدة في مدن صغيرة في مناطق درع الفرات مثل اعزاز.