البطالة، الأزمة الكبرى في الريف الشمالي

%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%b7%d8%a7%d9%84%d8%a9%d8%8c-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b2%d9%85%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%83%d8%a8%d8%b1%d9%89-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d9%8a%d9%81-%d8%a7%d9%84%d8%b4%d9%85%d8%a7

أحمد محلي

يتأمل بسطة الملابس المستعملة “البالة” التي يمدها على الأرض منتظراً في سوق البازار الذي يقام أسبوعياً في المنطقة علّه يستطيع بيع بعض القطع ليعود لعائلته بما يسد رمفهم، هذه حال عدنان الأحمد النازح من مدينة حلب والتي تتكرر كل أسبوع، في حين يقضي باقي أيام الأسبوع باحثاً عن عمل حقيقي، ويعود أحمد مساء كل يوم خالي الوفاض إلى بيته. بيه هذا ليس سوى خيمة في إحدى حدائق الباب يعيش فيها مع زوجته وأطفاله الستة، ولا يستطيع إيجاد عمل يؤمن لهم غرفة ولو حتى في قبو ليقي أولاده برد الشتاء القارس، وعدنان خريج معهد مكننة صناعية، ولديه خبرة في هذا المجال أثناء عمله السابق في حلب ” كنت سابقاً أعمل في مصنع نسيج في المدينة الصناعية في الشيخ نجار، إلا أنه بعد سيطرة النظام السوري عليها توقفت عن العمل، ومازلت عاطلاً عن العمل منذ قرابة العام ونيف”

ضمن الظروف القاسية التي يعيشها المواطنون تحت تهديد القصف أو الحصار أو الحرب أو التفجيرات يعيش المواطن السوري في كل مناطق سوريا حالة بطالة كبيرة وصلت إلى 78% أنتجت نسبة فقر تجاوزت 80% حسب تقديرات منظمات دولية، ويعاني النازحون من مناطق عدة من سوريا إلى جانب الأهالي في مناطق الريف الشمالي لحلب والمعروفة الآن بمناطق درع الفرات حالة صعبة جداً من التضخم السكاني في تلك المناطق مقابل ضعف فرص العمل، وينتج عن ذلك أزمات كثيرة ليس آخرها تسرب الأطفال من المدارس ليحاولوا إيجاد فرص عمل بأجور تكاد تكون معدومة ليساعدوا عائلاتهم في العيش. يزيد الأزمة عدم وجود دولة أو حكومة مسؤولة تضع توفير فرص العمل هاجساً لها تؤمن وظائف بسبب الحاجة البيروقراطية للإدارة، ولا ينشط في الشأن العام سوى المنظمات التي حسب عدنان توظّف الناس بناء على المحسوبيات والواسطة، وانسداد الأمل تماماً للعمل فيها من “أهل الخيام” الذين لا يملكون واسطات، يصف عدنان ذلك ” إذا لم يكن لديك واسطة لا يمكن أن تتوظف ، لقد توصلت لهذه القناعة بعد ما قدمت سيرتي الذاتية لأكثر من 10 منظمات لم بكلفوا أنفسهم حتى بالرد سلباً أو إيجاباً، نحن من نجلس بالخيام لا نستحق حتى الرد”.
يضاف إلى البطالة المنتشرة في ريف حلب الشمالي صعوبة توفير أبسط متطلبات الحياة، حيث تتحمل العائلة أعباء مالية كبيرة جراء شراء المياه واشتراك الكهرباء وإيجار المنزل، فالغرفة الواحدة تكلف بالحد الأدنى أكثر من 150 دولار أميركي، يزيد عليهم العبء ما يمارسه عليهم من استغلال برفع إيجار المنازل بشكل كبير مقابل الأجور المنخفضة لمن يحالفه الحظ ويجد فرصة عمل.

  • نسبة البطالة في سوريا اليوم 78% حسب تقارير دولية
  • في حديثه عن المنظمات العاملة في الريف الشمالي ” إذا لم يكن لديك واسطة لا يمكن أن تتوظف”
  • أحد المهندسين ” دائماً لدي هاجس عدم الاستقرار في العمل لأن عقدي هو عقد مؤقت
  • القطاع العسكري والشرطة ملاذ الكثير من العاطلين عن العم
  • ” أجر أبي أرضنا كلها ، حتى يؤمن لي 1500$ كي أدخل عبر الحدود إلى تركيا وأعمل هناك”
  • الحل لمشكلة البطالة بتأمين قروض ميسرة للمزارعين والتجار والصناعيين
  • سوريا البلد الأكثر تعاسة حسب تصنيف أممي

ويتوفر الأكاديميون والخريجون الجامعيون على حصة كبيرة من الذين يعانون من البطالة في مناطق درع الفرات، ولا ينتهي الكابوس في إيجاد فرصة عملٍ ما في إحدى المنظمات، بل يبدأ معه كابوس جديد جراء القلق اليومي من ترك العمل، ولذا لا يستطيع العامل أن يحسّن من حياته جرّاء ذلك العمل كاستئجار بيت مناسب أو صحي نوعاً لعائلته حتى لو كان أجره يؤهله لذلك، لأنه لا يضمن استمرايته في العمل، فمعظم العقود مع تلك المنظمات المحلية منها أو الدولية عقود مؤقتة لا تتجاوز الثلاثة شهور، وقد يلقى الشخص نفسه مرة أخرى في الشوارع يبحث عن عمل، المهندس المدني أحمد رمضان من مدينة اعزاز استطاع أن يجد فرصة عمل مع إحدى المنظمات التي تعمل في مجال البنية التحتية، لكنه دائماً يعيش حالة مضطربة “دائماً لدي هاجس عدم الاستقرار في العمل لأن عقدي هو عقد مؤقت ،وفي لحظة ممكن أن ترسل المنظمة بأنها توقفت عن العمل واعود من جديد عاطل عن العمل “، والجدير بالذكر أنه لاتوجد أي مؤسسة او منظمة عاملة في منطقة درع الفرات تمنح لموظفيها عقود عمل دائمة او أي تامين إجتماعي أو صحي .

إن القطاع العسكري في ظل غياب سوق عمل ومصانع تستقبل الأعداد الكبيرة من الشباب في المنطقة بات فرصة عمل للكثيرين منهم الذين يلتحقون بصفوف الكتائب العسكرية التابعة للجيش الحر وذلك لقاء 150$ وبعض المساعدات، وبعد عملية درع الفرات واستقرار أجزاء كبيرة من ريف حلب الشمالي والشرقي ، تم تأسيس الأمن العام الوطني، وافتتح باب الإنتساب وذلك لقاء ثمانمئة ليرة تركي، والتحق الآلاف من الشباب بصفوف الشرطة . اسماعيل الحسن من مدينة جرابلس وصل للسنة الرابعة في الاقتصاد جامعة حلب ،إلا انه لم يتمكن من إكمال تحصيله الجامعي بسبب إنخراطه في الثورة 2011 ،إلتحق بصفوف الأمن العام كشرطي : “بقيت عاطلاً عن العمل لأكثر من عامين ووالدي يقدم لي المصروف ، وعندما فُتح باب الإنتساب لدورة الشرطة الحرة بادرت إلى التسجيل، لأتحصل ذلك الراتب الذي لا يمكنه فقط أن يعيلني، ولكن لا يمكن أن أطور حياتي من خلاله”

ومازالت البطالة تدفع بالكثيرين إلى الهجرة إلى خارج البلاد وتحديداً إلى تركيا واوربا، رغم ما يكلفه العبور على الحدود التركية والذي وصل إلى 1500$ وذلك عن عمل، محمد نعسان من بلدة الغندورة أحد المهاجرين بحثاً عن العمل، والذي اضطر أهله على الإقدام على شيء ما فعلوه طيلة حياتهم ليؤمنوا له قطع الحدود التي لا تبلغ 500 متر ، حيث يقول محمد نعسان: “أجر أبي أرضنا كلها ، حتى يؤمن لي 1500$ كي أدخل عبر الحدود إلى تركيا وأعمل هناك، وأعيل أهلي وأخوتي، فم نعد نملك قدرة مالية تسمح لنا بزراعة الأرض فكان الحل بالسفر لتركيا ”

تعتبر البطالة اليوم من الأزمات الخانقة التي قد تؤدي إلى اضطرابات اجتماعية لاحقاً، رغم بعض المشاريع التي تخفف منها مثل منشأة لصناعة الأكياس البلاستيكي تم افتتاحها خلال الفترة الماضية بهدف تأمين حاجة الأهالي من هذه المادة وتأمين بعض فرص العمل في مدينة إعزاز بريف حلب الشمالي، كما افتُتح قرب مدينة اعزاز بريف حلب الشمالي أول منشأة لتعبئة اسطوانات الغاز في منطقة درع الفرات والتي ساهمت أيضاً بتأمين عدد من فرص العمل، كما ساهمت حالة الإستقرار في درع الفرات في حركة الإزدهار العمراني وخاصة في المدن الكبرى كـ اعزاز والباب والغندورة وجرابلس مما أدى إلى فتح سوق عمل استوعبت قرابة 10000 آلاف عامل.
يكمن الحل حسب مراقبين اقتصاديين في إعادة بناء دورة إنتاجية أو دورات إنتاجية صغيرة من خلال توفير المناخ المناسب لإقامة المشاريع الصغيرة والمتوسطة، مما يفتح فرصة لتوفر العمل والسيولة وعملية تدوير للعملة والإنتاج في المنطقة ويرى الاقتصادي النازح من حمص عمرو عبد رب النبي : “إن الحل لمشكلة البطالة في سوريا بشكل عام هو بتفعيل دور المصارف الزراعية والتجارية والصناعية التي تقدم قروض ميسرة للمزارعيين والتجار والصناعيين ، ويضاف إلى ذلك تشجيع ودعم المشاريع الصغيرة للنهوض بالإقتصاد وذلك أسوة في الدول التي خرجت من الحروب كاليابان والمانيا”.
من الطبيعي أنه في حالة الحروب تنتشر البطالة بشكل كبير وتحول حالة عدم الاستقرار الحلول إلى عدمية أو عبثية، ولكن يرى مراقبون أن الأموال الهائلة التي ما زالت تُصرَف على كثير من المنظمات يمكنها أن توجد نافذة للمشاريع الإنتاجية التي تؤهل المواطن السوري لإعادة استعادة نمط حياته الطبيعي والحفاظ على كرامته، وليس مستغرباً والوضع على ما هو عليه أن تتصدر سوريا قائمة البلاد الأكثر تعاسة في العالم وفق التقرير الذي أعدته شبكة حلول التنمية المستدامة التابعة للأمم المتحدة ومعهد الأرض في جامعة كولومبيا الأميركية .