التدريس السري في ديرالزور

” معلمو دير الزور يجتازون دورات تنظيم الدولة الإسلامية من أجل مستقبل طلاب المدينة في حين البعض منهم يلجأ إلى الدروس الخاصة السرية داخل المنازل على رغم من رقابة الجماعة التكفيرية. “

%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%af%d8%b1%d9%8a%d8%b3-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%b1%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%af%d9%8a%d8%b1%d8%a7%d9%84%d8%b2%d9%88%d8%b1
(الصورة: نهر الفرات، دير الزور [Soman/CC BY-SA 2.5 via Wikimedia Commons])
<

“وعندما أذهب إلى بيت الأستاذ لا أستطيع حمل الكتب بشكل علني في الشارع أو حملها بحقيبة بل أقوم بوضعها في كيس مع بعض من الألبسة كي لا يتم كشفي.”

div>(سوريا – دير الزور) عند سماع اسم مدينة دير الزور أو قراءته سيظن كل من يعلم  أن هذه المدينة خاضعة  لسيطرة تنظيم الدولة الإسلامية أنه سيصله  خبرً عن مجزرة ارتكبها اتباع ابو بكر البغدادي .
ولكن الناس تحاول جاهدة أن تعيش حياتها بأكثر شكل طبيعي ممكن  وتسعى للمحافظة على استمرارية التعليم حتى لو بشروط التنظيم. لذلك في نهاية شهر كانون الأول (ديسيمبر) 2014 خضع 175 من معلمي دير الزور المتواجدين في المناطق التابعة للتنظيم لدورة شرعية خاصة لهم بهدف “تصحيح دينهم” كما يدعي أنصار “الخلافة”.
وكانت المدارس التابعة للمجالس المحلية قد أُقفلت لمدة خمسة أشهر بعد دخول تنظيم الدولة الإسلامية في تاريخ 14 تموز (يوليو) 2014 إلى مناطق سيطرة المعارضة المسلحة التي لا تزال تنحصر في وسط دير الزور وتحيطها مناطق تابعة للنظام مثل الجورة في غرب المدينة وهرابش في شرقها.
ثم قررت مجموعة من المعلمين التوجه إلى أمير التعليم (الملقب بأبو الفضل وهو من مدينة دير الزور) ومناشدته من أجل مصير هذه المدارس، وسأله المدرسون عن أسباب تعطل التعليم حيث أن الحرب في سنواتها  الأربع لم توقف التدريس، فأجابهم: “إذا كنتم تريدون معاودة التعليم فالدورة الشرعية هي الطريقة الوحيدة،” حسب ما نقله الأستاذ عامر(1) وهو مدير إحدى المدارس العامة.
من هنا وضع المعلمون أمام خيارين: إما  إبقاء المدارس مغلقة أو القبول بالدورة الشرعية، فاتفقوا  مع التنظيم على الحل الثاني مع إلغاء مادتين وتصحيح المواد الأخرى من المنهاج البعثي حسب ما ذكره الأستاذ عامر أيضاً.
والمواد التي ألغاها  التنظيم هي:
– مادة التربية الإسلامية لأنها كانت مادة ثانوية غير متعلقة بمفهوم الإسلام الذي يخص التنظيم، لذلك تم وضع مادة بديلة عنها اسمها “العقيدة والجهاد”.
– مادة الفلسفة وهو أمر بديهي بسبب تناقض مادة الفلسفة مع عقيدة التنظيم.
وبقيت مادة القومية التي ألغيت  أثناء الحرب في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة محذوفة أيضاً. أما باقي المواد فلم تُلغ لكن تم اختصارها والتعديل فيها.
ولكنّ ياسر وهو أستاذ مادة التربية الإسلامية سابقاً ومدرس مادة “العقيدة والجهاد” الآن لام التنظيم على إبعاد التدريس عن المبادئ الإسلامية.
فقال لـصباح الخير سوريا إن “المادة لا تحتوي شيئاً من الإسلام الذي نعرفه بل كلها تتكلم عن الغرب وحروب الغرب على الإسلام وكيف يصبح الشاب مجاهداً ويدخل الشهيد الجنة مباشرةً.”
وأضاف أيضاً أنه “هناك فقرة في المادة تبرر تكفير كل من استقر في أماكن سيطرة النظام بما يتطابق مع خطب المساجد في أيام الجمعة.”
أما بالنسبة للدورة الشرعية، فاتفق جميع المدرسين على أنها لم تكن من أجل المدارس أو مناهج التعليم بل كانت كلها تعريفية دعائية عن التنظيم وعقوبات من يعارضه إضافةً إلى تعريف المدرسين إلى أسباب انحرافاتهم الدينية.
وقال رامز أحد المدرسين: “نحن على خطأ (على حد تعبير عناصر الدولة الاسلامية) لأن أبسط سُنن رسول الله قمنا برميها بين قدمي الحلاق وهي ذقوننا.” كما أبلغ التنظيم المعلمين عن الميزات التي يقدمها للمبايعين له مع أن الدورة انتهت من دون أن يُجبر أحد على المبايعة أو على إطلاق الذقون.
محمد أحد المعلمين الذين رفضوا إكمال الدورة، فهو لا يريد أن يصبح “مجرماً أو إرهابياً” حتى لو كان يخرج جيلاً كاملاً من المتعلمين. ووصف محمد ما يجري في تلك الغرف في حديثه مع صباح الخير سوريا بـ “مسح للأدمغة”.
وأصدر التنظيم قراراً في شهر شباط (فبراير) عام 2015 بإلزام جميع الطلاب بحضور المدارس التي قام بافتتاحها – وعددها ثمانية – لكن بسبب مادة “العقيدة والجهاد” لم يكن إقبال الأهالي كبيراً. ومن ثم قام بعض المعلمين الذين أنهوا  الدورة الشرعية بافتتاح مدارس خاصة تقوم على تدريس البعض من المواد المسموحة بالإضافة إلى تحفيظ القرآن الكريم بدلاً من مادة “العقيدة والجهاد”، وهذه كانت حيلة من قبل المدرسين ليسمح لهم التنظيم بافتتاح هذا المدارس.
ومن الجدير بالذكر أن المناهج في مدرسة الشهداء للإناث – وهي إحدى المدارس الخاصة – تتضمن بعض المواد المسموحة من قبل التنظيم مثل الحاسوب واللغة الإنكليزية واللغة العربية وتحفيظ القرآن الكريم فضلاً عن مادة ممنوعة مثل الدعم النفسي.
وذكرت شيرين مدربة الدعم النفسي في مدرسة الشهداء للإناث لـصباح الخير سوريا “أن الدعم النفسي مهم جداً وذلك بسبب الظروف التي يمر بها التلاميذ والقصف وأصوات الاشتباكات التي لا تفارقهم ولكن التنظيم يمنع الدعم النفسي ويعتبره مضيعة للوقت لذلك تتم هذه البرامج بشكل سري.”
ولكن في نهاية شهر أيار 2015، قام قادة “الخلافة” بإيقاف مدارسها بعد شهرين فقط من انطلاقها وفصلوا المدرسين لإجبارهم على الخضوع لدورة شرعية جديدة من دون ذكر الأسباب؛ إذا شارك المدرسون في الدورة الثانية لكن  كان غيابهم لافتاً  للنظر ما أدى إلى البقاء على قرار إقفال المدارس.
وعلى الرغم من ذلك، المدارس الخاصة استمرت في العمل ولكنها لا تزال تواجه مضايقات من قبل التنظيم الذي يقوم بإغلاقها مباشرةً في حال لوحظ أي شيء غير مسموح به مثل الدعم النفسي أوالاختلاط بين الطلاب والطالبات حتى لو كانوا في الصف الأول من المدرسة الابتدائية (أي بعمر الست سنوات).
وبعد إقفال مدارس التنظيم وأربع  مدارس خاصة أصبح عدد كبير من الطلاب خارج مقاعد الدراسة، لذلك قرر البعض من المعلمين افتتاح دورات خاصة داخل المنازل ولكن بشكل سري لتفادي رقابة التنظيم.
ولا تطالب المدارس الخاصة أو الدورات السرية الأهالي بمبالغ كبيرة بسبب وضعهم المادي الحالي، لذلك اضطر بعض المدرسين للعمل بمهن أخرى لتلبية احتياجاتهم الأساسية.
وعلى سبيل المثال، قال الأستاذ عمار وهو صاحب بسطة  للمحروقات ومعلّم  في دورات خاصة: “أنا أمتلك عائلة ويجب أن أطعمها كل يوم كما أمتلك عِلماً ويجب أن أعطيه للأجيال القادمة: أقوم ببيع المحروقات على بسطتي لإطعام عائلتي وأقوم بدورات بشكل سري لإيصال علمي إلى الأجيال القادمة، لكن ما يُخيفني – ويخيف كل من يعمل بشكل سري في  التعليم – إذا اكتشف التنظيم ما نقوم به ، من سيقوم بإطعام عائلاتنا وتدريس التلاميذ الذين لم يبق لهم مقاعد في المدارس الخاصة؟”
وقال خالد أحد تلاميذ الدورات الخاصة في السابعة عشر من عمره: “إن الدورات الخاصة خطرة جداً على المعلمين فالتنظيم نهى عنهم ذلك لكن ما من وسيلة أخرى. وعندما أذهب إلى بيت الأستاذ لا أستطيع حمل الكتب بشكل علني في الشارع أو حملها بحقيبة بل أقوم بوضعها في كيس مع بعض من الألبسة كي لا يتم كشفي.”
هذا ما يجري في دير الزور من أجل التعليم وهذا ما يخيف جميع أساتذة الدورات الخاصة ولكنّ المدرسين في المدينة يقاومون الجهل ويعملون في ظروف بالغة الخطورة من أجل حماية مستقبل الطلاب.

تم استخدام أسماء مستعارة لحماية المصادر.