“التصيدل”: مهنة جديدة في مدينة القامشلي

“التصيدل” مهنة جديدة عرفتها مدينة القامشلي تضاف لمجموع المهن غير الشرعية التي انتشرت مؤخراً نتيجة ظروف الحرب الدائرة في سوريا بالإضافة إلى هشاشة الرقابة المطبقة..

%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b5%d9%8a%d8%af%d9%84-%d9%85%d9%87%d9%86%d8%a9-%d8%ac%d8%af%d9%8a%d8%af%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d9%85%d8%af%d9%8a%d9%86%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%a7%d9%85%d8%b4%d9%84

عباس علي موسى

“علمت لاحقاً أن من وصف الدواء لابني ليس صيدلانياً مختصاً إنما مجرد بائع أدوية”

عرفت مدينة القامشلي مهناً كثيرة غير مألوفة ارتبط وجودها بظروف الحرب كالتهريب وتجارة السلاح وبيع النفط وتزوير الوثائق، لكن أكثرها فرادة هي مهنة “المتصيدل” أي الصيدلاني المزيّف.
ففي المدينة التي تحتوي على 166 صيدلية فضلاً عن تلك المتوزعة في الأرياف قلما تجد صيدلاني متواجد في مكان عمله. فقد هاجر كثير منهم إلى دول تركيا أو إقليم كردستان العراق أو إلى أوروبا بحثاً عن مصدر رزق، تاركين صيدلياتهم في عهدة أشخاص لا خبرة لهم بالعمل في القطاع الدوائي يطلق عليهم ذوي الاختصاص اسم “المتصيدلين”.
عبد الرحيم محمد، أحد القلائل الذين يزاولون المهنة إلى اليوم ويملك صيدلية في أطراف مدينة القامشلي، أوضح أن 2013 و2014 كانا عامي هجرة الصيادلة، حينما برزت المخاوف من اندلاع صراع غير محمود العاقبة بين النظام والقوات الكردية المسيطرة على معظم المحافظة، فضلا عن تهديدات الجماعات المتطرّفة.
ويتابع محمد أن هجرة هؤلاء لعبت دوراً كبيراً في انتشار ظاهرة “التصيدل”. ففي تلك الفترة بدأت المحافظات السورية تنقطع برياً عن بعضها البعض فتعذّر وصول الدواء من المنشآت والمعامل إلى مستودعات الأدوية والصيدليات والمشافي.
وفي محافظة الحسكة كان لانقطاع الطرق البريّة بينها وبين حمص وحلب ودمشق أثر سلبي على القطاع الدوائي دافعة بالمزيد من الصيادلة إلى هجرة البلاد. “انقطعت الكثير من أدوية الأمراض المزمنة، والأمصال الخاصة بلدغات ولسعات الأفاعي والعقارب التي تكثر حالاتها في الجزيرة، وكذلك تلك الخاصة بعضّات الكلاب، وهي إلى الآن غير متوفّرة دوما، وأحيانا يتم بيعها في السوق السوداء”، يقول الصيدلاني عبد الرحيم.
وما زاد من حدة الأزمة الدوائية في المدينة، قيام النظام السوريّ بإيقاف شحنات أدوية بقيمة مليار ليرة سوريّة في مطار القامشلي الخاضع لسيطرته، مدة ستة أشهر في العام 2015، بحسب ما ورد في تصريح د.عبير حصاف/ الرئيسة المشتركة لهيئة الصحة في مقاطعة الجزيرة في الإدارة الذاتية الديمقراطية. تلتها فترة انقطاع ثانية في الدواء في العام 2016 حتى خلت الصيدليات تماماً منه، ما دفع “الإدارة الذاتية” الكردية إلى مناشدة مفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة لكسر “الحصار الدوائي” المفروض على محافظة الحسكة، وإدخال الدواء جواً عبر مطار القامشلي.
الصيدليات أولاً
يوضح الصيدلاني عبد الرحيم محمد معنى “التصيدل” بالقول إن “الكثير من الصيدلانيين تركوا صيدلياتهم مفتوحة ليزاول المهنة أحد العاملين في القطاع الصحي من مهن أخرى أو أولئك العاملين السابقين في الصيدليات والذين اكتسبوا بعض الخبرة السطحية عن الدواء”.
وتظهر المشكلة بوضوح إذا ما علمنا أنّ الكثير من العائلات ولأسباب اقتصادية غالبا تقصد الصيدليات أولاً دون الرجوع إلى الطبيب، “وهذه الظاهرة منتشرة بشكل يصعب السيطرة عليها”، يوضح عبد الرحيم، مشيراً إلى أن الفصول الانتقالية في الخريف والربيع، وموجات الحرّ الشديد والبرد الشديد في أربعينية الصيف والشتاء هي أوقات يتزاحم فيها المرضى أمام أبواب الصيدليات.
ولذلك فإنّ “تولِّي المتصيدل هذه المهمة عوض الطبيب والصيدلاني يؤدّي إلى نتائج سلبية تضرّ بالمريض،”.
ويتابع عبد الرحيم: “مهما كان فإنّ الصيدلاني يستطيع إفادة المريض، أو على الأقل لن يؤذيه، لكن المتصيدل يضرّ بالمريض خصوصاً أنه لا يفقه بالتأثيرات الجانبية للأدوية والعقاقير الطبية”.
محمود خليل من ريف مدينة قامشلي أحد ضحايا الصيادلة المزيفين، يبدي أسفه لما حصل مع ولده ذي التسعة أعوام: “عادة ما آخذ ابني إلى طبيب الأطفال الخاص لأنّ لديه حساسية. في المرة الماضية أخذته والدته إلى إحدى الصيدليات وأعطوه دواء كاد يسبب له مضاعفات خطرة. علمت لاحقاً أن من وصف الدواء لابني ليس صيدلانياً مختصاً إنما مجرد بائع أدوية”.
رقابة هشة
يؤكد أطباء وعاملون في القطاع الصحي أن الرقابة على عمل الصيدليات تراجعت في السنوات الأخيرة بعد أن انتقلت من مديرية الصحة بالحسكة التابعة لحكومة النظام السوري إلى هيئة الصحة التابعة للإدارة الذاتية بمكاتبها ومديرياتها المختلفة.
وفي تصريح لـ د.عبير حصاف الرئيسة المشتركة للهيئة أنّ الأخيرة قامت بإغلاق 25 صيدلية في مدينة القامشلي فقط بالشمع الأحمر، و65 صيدلية في مختلف قرى ومدن محافظة الحسكة (مقاطعة الجزيرة).
وبحسب حصاف فإنّ سبب التشميع هو غياب الصيدلاني عن صيدليته، وإدارة آخرين لهذه الصيدليات، وقد قامت معظمها بتسوية أمورها، إلا أنّ خمسا منها تم تشميعها بشكل نهائي، بسبب غياب الصيدلاني بشكل كامل.
وتنتشر عادة صرف الأدوية دون وصفات طبية في الصيدليات التي يديرها “المتصيدلون”، وخاصة المضادات الحيوية.
ومع أنّ هيئة الصحة تعمل على التحكّم بحركة الدواء ومنع الاحتكار أو رفع الأسعار ومراقبة كشوفات المستودعات بحسب الرئيسة المشتركة لهيئة الصحة د.عبير حصاف، إلا أنّ انتقادات وجّهت إلى أداء الهيئة من قبل أحد الصيادلة الذين التقينا بهم – فضّل عدم ذكر اسمه- ويدير صيدلية في مركز السوق حيث روى حادثة قيام أحد المستودعات بتوزيع دفعات من إبر الروسيفليكس من عيار 500 على أنّها من عيار 1000 ولم يتم الكشف عنها حتى نفدت الكمية تقريبا.
ويبلغ عدد المستودعات 50 مستودعا تقريبا في مدينة قامشلي وحدها توزع الدواء على الصيدليات والمشافي والعيادات الخاصة.
وفي سؤالنا لهذا الصيدلاني عما إن كانت الهيئة قادرة على مراقبة سوق الدواء، أجاب بأنّ “أدوات وخبرات الهيئة لا تزال ضعيفة ومن الصعوبة أن تقوم بكشف الكثير من تلاعبات الدواء”.
حلاقون صيادلة
لا تتوقف قصة الصيادلة المزيفين هنا، بل إن بعض الحلاقين في أحياء القامشلي، يبيعون مستحضرات طبية صيدلانية في صالوناتهم المخصّصة للحلاقة الرجالية، متأثّرين ربما بـ “الحلّاق أبو عصام” في المسلسل السوري الشهير باب الحارة.
ويؤكد الصيدلاني عبد الرحيم محمد بأنّ محلات السمانة والبقالة تقوم هي الأخرى ببيع حليب الأطفال والمكمّلات الغذائية للأطفال، وهذا أمر تجده ليس فقط في أحياء أطراف المدينة وإنما وسط المدينة أيضا، “لكن المصيبة أنّ بعض المحالّ تبيع حتى حبوب السيتامول وأدوية أخرى يشيع تناولها”.
وكانت هيئة البلديات والبيئة في مقاطعة الجزيرة، وبناء على توصية من هيئة الصحة، قد أصدرت تعميماً في 23 أب/ أغسطس الجاري دعا كافة البلديات في مقاطعة الجزيرة إلى منع بيع مادة حليب للأطفال في المحلات التجارية منعاً لحدوث أخطاء طبية محتملة، وحماية لهذا المنتج من التحول إلى مادة احتكارية.