التيه

” الصراع الداخلي الذي يعذب ضمير إمرأة سورية بعيداً عن الوطن وقرارها بالعودة إلى دمشق. “

%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%8a%d9%87
(الصورة: صحن الجامع الأموي - دمشق - 2013-9-12 (علي الصماديويكيميدياهذا الملف مُرخص تحت رخصة المشاع المبدع نسبة المصنف إلى مؤلفه - المشاركة على قدم المساواة 3.0 العامة))
<

“أن تعيش الموت شعور يختلف عن رؤيته من الخارج. لم يعد للرأي مكان، لم يعد لاتخاذ موقف ما معنىً سوى الإحساس بالذنب وعدم القدرة على النوم.”

div>حملته بين راحتيّ ومضيت… قلبي.
لم تقنعني يوماً نبضاته خارج وطني.
في دمشق، هناك الوطن، أو هذا ما كنت أظنه.
من معبر الدبوسية على الحدود السورية اللبنانية دخلت قاصدة مدينتي، مدينتي التي أعطتني لوني ولهجتي وحاجة صدري للهواء الجاف من نسماتها القادمة من البادية. مدينتي التي أعطتني إلحادي وصلابتي وهشاشتي وتناقضي، علمتني الوقوع في حب مدينة أخرى… دمشق.
لم أجرؤ لمدة ثلاث سنوات على العودة لبلدي، كنت خائفة. أخاف الاعتقال.
طيف باسل شحادة لم يفارقني، كان يظهر في كل شوارع تلك المدينة الأوروبية الجميلة ليقول لي:”أنا رفضت منحتي للدارسة في الخارج، ماذا سأقول لأطفالي عندما أكبر، تركت وطني لأبحث عن مستقبلي؟ أما أنت، فتتذرعين كل مرة بحجة كي لا تعودي، تحاولين إقناع نفسك بأهمية ما تفعلينه هنا في هذه المدينة الباردة.”
الغضب، ليس سوى الغضب من كان قادراً على كسر هذا الخوف وليس طيف باسل.
الغضب من كل شيء، حتى ممن ينظم لقاءً حول الوضع في بلادي، غضب من كل الناس المتعاطفين مع قضيتنا ورافضيها. غضب من تراث كل منطقة خارج دمار بلادي ومن آثارها ومن سياسييها ورجال دينها وطعامها ولهجتها.
أن تعيش الموت شعور يختلف عن رؤيته من الخارج. لم يعد للرأي مكان، لم يعد لاتخاذ موقف ما معنىً سوى الإحساس بالذنب وعدم القدرة على النوم.
التزمي الصمت يا صبية.
كفى غناءً لتمجيد ثورات العالم، التزمي الصمت يا صبية.
أمعني النظر في الناس التي تمشي في الشارع، الموتى منهم و الأحياء. أمعني النظر في الرجال الذين تحولوا إلى صور على أطراف مدنهم، أمعني النظر في السماء المنقسمة بين الزرقة والسواد.
يكتبون عن البلد، يتنافسون بين مدافع عن البشر ومدافع عن الحجر.
وينسون عن قصد أو بغير قصد ذلك الشيء الواقع بين البشر والحجر.
أشتاق لشجرة التوت أمام منزلي، هناك نشأت، أحببت في فيئها واختبأت بين أغصانها ورميت حجراً على أوراقها العالية حتى تسقط الحبات العليا من الشجرة لآكلها. جدتي قالت لي إنها منذ ولدت كان ترى هذه الشجرة الكبيرة التي كانت  تغطي حاكورة بيتنا.
قطعوها. وقطعوا معها كل ذاكرتي.
أرى هذا الشيء اللامرئي في كل بيت تهدم، في تفاصيل تيهه، من مرطبان الزيتون الصامد وحبل الغسيل إلى سقفه المحني، كأنه ضحكة منقطعة، أراه في كل ذاكرة تحطمت، في كل طفل شاء له القدر أن يرى خارطة بلاده مقسمة بالألوان، في كل طفل يخجل من انتمائه لهذه الأرض لأن جلّ ما يعرفه عنها هو الخيمة والدم فقط.
أذهب لدمشق، للجامع الأموي، بوصلتي وهويتي، ألمس حجارته من الخارج كمن يبحث عن عناق أمه، عن طمأنينة الوصول لصدرها بعد ضياع. أخاف عليه.
أجلس في داخل الحرم، لم يعد ممكناً الجلوس في باحته، لم يعد مسموحاً للأطفال والعائلات الجلوس في أروقته.
أخاف، أغمض عينيّ، أرى حلب، أفتحهما وأغلقهما، أرى جسر دير الزور، أفتحهما وأغلقهما، أرى تدمر. أتركهما مفتوحتين… لا أريد أن أرى دمشق.
أريد البقاء هنا في هذه الزواية، أريد أن أطوي جسدي كما كان ملتفاً حول نفسه في رحم أمي. هنا في هذه الزاوية.