الثورة والكتابة بوصفها حدثاً مهماً

” عن تجربة الكتابة في ظل الثورة السورية والصراعات التي يعيشها الكاتب. “

%d8%a7%d9%84%d8%ab%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%83%d8%aa%d8%a7%d8%a8%d8%a9-%d8%a8%d9%88%d8%b5%d9%81%d9%87%d8%a7-%d8%ad%d8%af%d8%ab%d8%a7%d9%8b-%d9%85%d9%87%d9%85%d8%a7%d9%8b
[لوحة ألم الكتابة للرسام الروسي ليونيد باسترناك]

في حديث مع صديق يعدّ من أهم المحررين الذين قرأت لهم بعد أن أرسلت له إحدى المواد عن “الدعارة في مدينة حلب” وفي معرض رده عن المادة أجابني “لابد من تحديد الزاوية لمعرفة الضحية” وأن انتشار ظاهرة ما لا يمكن أن يكون حدثاً فالدعارة بوصفها مهنة لا تختلف عن الحدادة والنجارة ونسي أن يقول لي وربما الكتابة أيضاً

منذ قدومي إلى تركيا وعملي في الكتابة وأنا أتأرجح بين جدية ما أكتب ونكتب وأهميته، وهل حقيقة أن إفراغ الذاكرة على الورق لتهدأ روحي ونقل بعضاً من معاناة الناس أم من أجل لقمة العيش فتتحول الأحداث وخصوصاً “الأكثر إيلاماً” إلى مادة صحفية أكثر أهمية فيبدو التعاطف مع هذه المواد حدثاً ظاهرياً يتحول إلى نظرة إلى الزاوية الصحيحة التي علي أن أكتب بها

في الشهر الأول من عام 2016 تركت مدينتي حلب وعملي في صيدليتي التي باتت “خط جبهة” لأهرب بابنتي وزوجتي إلى تركيا، وليستقر بي المقام في مدينة كيليس التركية باحثاً عن عمل بشهادتي في التأهيل التربوي أو بمهنتي كصيدلي، كلا الأمرين لم ينفعا، فالواقع هنا في تركيا يختلف عما فكرت به قبل قدومي، والعمل لا يحتاج إلى سنوات خبرة او شهادات، بل يحتاج في البداية “لواسطة ومعارف” وخصوصاً أمام العدد الهائل من السوريين الذين غزوا المدن الحدودية فتجاوزوا عدد الاتراك “السكان الأصليين” ومع انتشار ظاهرة التزوير للشهادات، أي شهادة تريدها لا يزيد سعرها عن مئة دولار وربما مئة ليرة تركية أي ما يعادل ثلاثين دولاراً حسب جودة التزوير ودقة الأختام

جميع محاولاتي في البحث عن عمل باءت بالفشل، حتى تلك التي تخص البحث عن عمل في أحد المعامل، فقد اقتربت من سن الأربعين، والعمل اليدوي يحتاج إلى شباب مع كثرتهم ووفرتهم في كيليس المدينة التي تحتوي على أكثر من مئة وخمسون الف سوري لاجئ أكثرهم من جيل الشباب
الجلوس على حقيبة العودة هو كل ما كان يراودني في كل يوم، احد أصدقائي طلب مني ان أعمل بالكتابة، وبحد قوله هي مهنة لا تغني ولكنها جيدة تستطيع من خلالها تأمين بعض احتياجاتك ريثما تجد عملاً مستقراً

ترددت كثيراً قبل الدخول إلى هذا العالم، هل يا ترى حقيقة أستطيع أن أكتب، وماذا سأكتب؟

بداية الامر اخترت لنفسي اسماً مستعاراً ولا اعرف السبب وراء ذلك، أنا الثائر باسمي الحقيقي، المطلوب للنظام دون أن أكتب، ما الذي أخافه، وهل كانت لعنة الاسم أم الحلم بأن يفشل اسمي المستعار إن لم أنجح في المحاولة الجديدة

وربما لأن فعل الكتابة العظيم كان يربكني ويخيفني

بدأت الكتابة في شهر آذار من عام 2013 قبل ذلك كان كل ما اكتبه على شكل خواطر اكتبها على صفحتي على الفيس بوك او أحتفظ بها على أوراق ودفاتر قديمة وقصاصات مهملة تركتها في رحلة نزوحي الأخيرة في حي طريق الباب أو رسائل لنساء كنت قد أحببتهن قبل زواجي خلال الخمس وثلاثين سنة التي أمضيتها عازباً.

ووقفت أمام عدد الأشخاص الذين يدرجون كلمة صحفي أو “أعلامي” رغم الخطأ الفادح في وضع الهمزة أعلى الألف بدلاً من أسفلها، كان العدد هائلاً وكان الجميع يكتبون ويدورون في حلقة مفرغة واحدة

لم أكن آمل ان ينشر ما أكتب، للصدفة البحتة وبمساعدة أحد أصدقائي استطعت أن أنشر مادتي الأولى التي كانت خليطاً بين الذاكرة و الأدب والثورة.
تتالت منشوراتي وأنا أقضم من ذاكرتي و”البوستات” القديمة، كنت في كل مرة أخاف أن يغيب أسمي عن لائحة المواد المنشورة في عدد يوم الجمعة، ليست النقود وحدها وإن كانت الأهم في هذه المرحلة ما كان يخيفني فقدانها، ولكن جذوة اسمي المستعار، وكلماتي التي أردت لها الحياة كانت تمثل حيزاً آخر من الخوف

استوقفني عدد الوسائل الإعلامية التي تعمل في الفضاء السوري والتي زادت عن 600 موقعاً تم إيقاف 200 منها في السنة الأخيرة في حين لم يكن عدد المواقع الالكترونية في سوريا قبل الثورة يتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة هذا بالإضافة إلى صفحات الفيس بوك والناشطين الإعلاميين الذين باتوا مصدر المعلومة والخبر التي تستقى في الغالب من صفحاتهم دون الحاجة إلى مراسلين على الأرض.

قلت في نفسي أن هذه المهنة لن تنتهي، ولكني في المقابل دهشت لأن يتابع اسم على الفيس بوك من قبل أكثر من مئة ألف شخص في حين لا تتجاوز الإعجابات في أكثر المواقع شهرة الألف إعجاب .

ووقفت أمام عدد الأشخاص الذين يدرجون كلمة صحفي أو “أعلامي” رغم الخطأ الفادح في وضع الهمزة أعلى الألف بدلاً من أسفلها، كان العدد هائلاً وكان الجميع يكتبون ويدورون في حلقة مفرغة واحدة.

الأخبار تتشابه والقصص تكاد تتطابق، الفارق الوحيد كان في الأسماء المستعارة والدقائق القليلة التي يسبقك أحدهم بالنشر

خضعت لأكثر من دورة لتعلم الكتابة الصحفية والأمان الرقمي، الجميع كان يركز على الأسئلة الخمسة التي يجب أن لا يغفلها الكاتب أثناء كتابته وعلى التفريق بين “الأجناس الصحفية” إن صح المصطلح والحقيقة أني قرأت الكثير في هذا المجال ولكني لم أفهم شيئاً فما زلت أخلط في صناعة المادة بين كل ذلك.

أحد أصدقائي المحررين قال لي يوماً “أنا لا أؤمن بوجود هذه الفروقات، المهم هو أن تكون المادة جيدة ومفيدة”

كثيراً ما عزيت نفسي بتلك الجملة وأنا أقرأ ما كتبت أو ما كتبته معظم الأسماء المستعارة التي تشبهني والتي تنسل من مسلة واحدة

سقوط مدينتي حلب في منتصف كانون الأول 2016 كان المفصل الأهم الذي استوقفني لأسأل نفسي وماذا بعد؟

كانت حلب مصدر آلاف القصص اليومية ومئات الآلاف من الأخبار والحدث المهم والزاوية الصحيحة للكتابة التي تعطيك مئات الخيارات للكتابة في كل يوم، كل صورة متناقلة وكل مقطع فيديو يوحي لك بحدث جديد وتقرير جديد وخمسين دولاراً آخر

هل الثورة هي المادة الخام التي تصنع الصحفيين والإعلاميين والكتاب أم على الكتاب أن يوجهوا هذه الثورة وينشروا مفاهيمها

منذ سقوط المدينة وأنا يقتلني البحث عن زاوية صحيحة للكتابة، وأنا أجتر ذاكرتي للبحث فيما تبقى بعد أثر الصدمة عن مادة أو حتى عن كلمات أبتدئ بها تقريري.

تذكرت مقولة لصحفي مصري جلال عامر” استمراراً لظاهرة التدين الشكلي التي تنتشر هذه الايام، أصبح معظم سائقي التاكسي يشغلون “القرآن” ومع ذلك لا يشغلون “العداد”.

هناك آلاف من الصور والمقالات للمجازر التي ارتكبت في حلب ومئات الآلاف من مقاطع الفيديو، وكان كل غرضها كما يقال “التوثيق” لمرحلة الثورة، والضغط على المجتمع الدولي الذي لا يحتاج لكل ذلك لتعرية مواقفه، فهو يمتلك أرشيفاً يتفوق على ما نملكه نحن، فما الفائدة من العبث بأوجاع الناس وصور أولادهم المعذبين والمشوهين، وجثثهم الملقاة على الطريق.

أنا الآن أكتب هذه السطور أملاً في أن أجد مكاناً أنشر فيه ماكتبت، دون ان أنسى هذه المرة أن “اشغل العداد”.