الخروج من الجحيم: اهالي الرقة يصارعون الموت

” بعد إطباق الحصار عليها من الأرض والجو، أصبح الخروج من مدينة الرقة بالنسبة لأهلها ضرباً من “المستحيل”.. “

%d8%a7%d9%84%d8%ae%d8%b1%d9%88%d8%ac-%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%ad%d9%8a%d9%85-%d8%a7%d9%87%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d9%82%d8%a9-%d9%8a%d8%b5%d8%a7%d8%b1%d8%b9%d9%88%d9%86-%d8%a7
<

“تدمير الجسور كان صاعقاً بالنسبة لي ولأخي، حيث كنا ننوي الخروج، إلا أن الآوان قد فات، ولم يعد لنا منفذ من هذا السجن الكبير، فالميليشيات أصبحت على مقربة من المدينة، وطائرات التحالف بدأت بشن الغارات على أحياء الرقة بشكل مكثف، وليس أمامنا إلا الانتظار، فأما نموت أو يحالفنا الحظ ونبقى على قيد الحياة”

div>اتبع تنظيم الدولة بعد سيطرته على مدينة الرقة، سياسة استبدادية متعددة الأوجه والأشكال، وفي وقت انتشرت فيه الممارسات الدموية الوحشية التي أرعبت العالم على وسائل الإعلام، كان التنظيم يستبد بسكان الرقة ويُضيق عليهم حياتهم بدون أن يصوّر أفعاله تلك، حتى شهدت الرقة أكبر حركة للهجرة في تاريخها، فهاجر حوالي نصف سكانها في غضون 3 سنوات فقط، بسبب الحصار الخانق الذي فرضه التنظيم عليهم.
إعدامات وقطع للرؤوس، جلد وصلب واعتقالات بالجملة، حظر على بعض المهن وتضييق على البعض الآخر، وفرض الضرائب والآتاوات، ومصادرة للأملاك والبيوت، فرض النقاب على النساء وتطويل اللحى على الرجال، ممارسات استبدادية يطول عدها وتفصيلها جعلت سكان المدينة يتسربون شيئاً فشيئاً من المدينة، رغم الحظر الذي فرضه التنظيم أيضاً على الخروج إلى أراضي “الكفر” مستثنياً من ذلك المرضى المسنين، الذين لا تتوافر إمكانيات علاجهم في الرقة.
“عندما وطأت قدماي الأراضي التركية شعرت أنني وصلت إلى الجنة” هكذا يقول الحاج أبو نور بعدما حالفه الحظ هو وعائلته الصغيرة بالهروب من الرقة، والوصول إلى تركيا، في كانون الأول من العام المنصرم، بعد رحلة شاقة استمرت 12 يوماً، لاقى فيها أبو نور وزوجته وابنه اليافع، من المعاناة الشيء الكثير.
يقول أبو نور: “بعد إعلان الميليشيات الكردية معركتها التي تنوي فيها السيطرة على الرقة، اتصلت ابنتي القاطنة في السعودية مع زوجها، تطلب منا الخروج بأسرع وقت، وامتثلت لطلبها بعد أن رفضته مراراً، لأنني شعرت أن الخطر يداهمنا حقاً، وأدركت أن الوقت قد حان للخروج من هذا الجحيم”.
يتابع أبو نور حديثه: “في اليوم التالي اتصلت بأحد المهربين عن طريق أحد أقاربي الذي سبق وأن تعامل معه، واتفقنا على الخروج تهريباً من الرقة إلى مدينة أعزاز بريف حلب، لقاء 1000 دولار على كل شخص، فأرسلت ابنتي المبلغ المطلوب، وخرجنا من الرقة تحت جنح الظلام وبعض الحقائب”.
يكابد أهالي الرقة الذين يفرون من مدينتهم، مشقة كبيرة في الرحلة التي يبتعد فيها سائق الحافلة عن حواجز التنظيم ومقراته، حيث تسلك الحافلة طرقاً صحراوية في البراري، للالتفاف حول الحواجز التي تمنعهم من الخروج، ليسير بعدها الركاب مسافات طويلة مشياً على الأقدام، حتى الوصول إلى الحافلة الأخرى التي تنتظرهم.
يكمل أبو نور تفاصيل رحلته: “اجتمعنا والركاب في أحد المنازل، بناء على طلب المهرب، ومن ثم انطلقت بنا الحافلة سالكة الأراضي الزراعية والقفار، وبعد نحو ساعة من الزمن، طلب السائق أن نترجّل ونكمل الطريق مشياً على الأقدام لمدة ساعتين، بمساعدة معاونه، إلا أننا مشينا أضعاف هذه المدة”.
يتابع: “نبه علينا مساعد المهرب، ألا نصدر الأصوات وأن التدخين ممنوع، وشدد على عدم إنارة أي مصباح أو ضوء، خوفاً من أن يكتشف عناصر التنظيم أمرنا، وبعد مسير ثلاث ساعات أنهكنا المسير، فجلسنا للراحة وسط البرية في جو قارس البرودة نصغي لـ أصوات الكلاب الشاردة، وإذا بـ قائد الرحلة يطلب أن نلقي الأمتعة والحقائب، لأن مدة المشي تضاعفت كي لا تفشل الرحلة، حسب قوله، فامتثلنا مرة أُخرى بعد تذمر كبير وجدال بينه وبين بقية الركاب”.
لا تنتهي مشكلة الهاربين من الرقة، بالخروج من مناطق التنظيم، بل أن مأساة الدخول إلى الأراضي التركية، لا تقل عن سابقتها من حيث المشقة والعناء، فاجتياز الحدود صعباً للغاية في ظل المراقبة الشديدة من عناصر الدرك التركي الذين يتجولون على طول الأسلاك الشائكة، الفاصلة بين سوريا وتركيا.
يقول أبو نور: “بعد مسير أكثر من 8 ساعات، وصلنا إلى النقطة وأقلتنا السيارة التي كانت تنتظرنا إلى مدينة أعزاز، وقمنا بسبع محاولات في 8 أيام لعبور الحدود في أعزاز، إلا أن جميعها باءت بالفشل، ومن ثم قررنا نحن والركاب السفر إلى قرى إدلب حيث سمعنا أن العبور من تلك المنطقة أكثر سهولة”.
يضيف: “في قرية عزمارين بريف إدلب أخذنا أحد المهربين ووضعنا في أحد المنازل الخالية، وحاولنا محاولتين وفشلتا أيضاً، فالدرك التركي كان يطلق الرصاص في الهواء بشكل عشوائي، واخترقت إحدى الرصاصات حقيبة اليد التي كانت تحملها زوجتي، إلا أننا صمننا ألا نعود إلى الرقة بعد كل هذا التعب، فحاولنا محاولة جديدة من نقطة مختلفة عبرنا فيها النهر ركوباً على غالونات بلاستيكية فارغة، نجحنا فيها بالدخول إلى تركيا بعد 12 يوماً، وحينها شعرت أنني وصلت الجنة، وأشكر الله أنني خرجت قبل تدمير الجسور”.
استغل بعض القياديين في التنظيم حاجة الناس إلى الخروج، فعملوا في عمليات التهريب بشكل غير علني، مكلفين بعض الأشخاص بهذه المهمة، حيث تداول الكثير من الناس أسماء مهربين “مدعومين” لا توقف الحواجز سياراتهم ولا يضطرون إلى اختراق البراري والالتفاف كيلو مترات طويلة، كي لا يُفضح أمرهم، ما تسبب بإعدام وصلب ثلاثة مهربين من قبل عناصر التنظيم في المدينة، وعدد آخر في دير الزور، لدحض التهمة وابعاد الشبهات.
يقول عبد القادر من أهالي الرقة: “في شهر آب من 2016، قررت أن أخرج من الرقة باتجاه تركيا، من أجل عقد قراني على خطيبتي التي كانت تنتظرني هناك، فاتفقت مع أحد المهربين، وتفاجأت عندما مررنا من أمام 4 حواجز للتنظيم بسلام، ودون أيه مشاكل”.
يتابع: “قال لي المهرب أننا سنقطع البرية، إلا أن ذلك لم يحدث، وعندما سألته كيف تم اجتياز الحواجز بهذه السهولة، لم يجبني واكتفى بقوله أنه عمله يختلف عن عمل باقي المهربين”.
شنّ طيران الحربي التابع للتحالف الدولي، غارات جوية في بداية شهر شباط 2017، دمر فيها جسري الرقة الوحيدين لعبور النهر، وهما جسري الرشيد والمنصور اللذان يعتبران غاية في الأهمية لأهالي المدينة، كونهما يربطان الرقة ببادية الشام، فانقطعت الرقة عن محيطها بعد تدمير الجسور وسيطرة قوات سوريا الديمقراطية على الأرياف الشمالية والغربي والشرقية للمدينة، وأصبح الخروج من المدينة شيئاً مستحيلاً.
وحيث كانت أجرة التهريب قبل تدمير الجسور بأيام قليلة 2000 دولار، أصبح الخروج من المدينة اليوم لا يقدر بثمن، فالحصار أصبح مطبقاً من السماء بفعل الطائرات الحربية التي لا تُفارق أجواء المدينة وأريافها إلا ماندر، ومن الأرض حيث بات التنظيم يحرص على عدم خروج الناس لاستخدامهم كدروع بشرية، والذي نصب حواجزه ودورياته الأمنية على ضفاف النهر، لمنع الناس من العبور إلا في شروط معينة، يفرض فيها التنظيم تسليم صكوك الأملاك والعقارات والسيارات، كرهينة لحين عودة العابرين.
يقول أحمد.س أحد الشباب المقيمين في الرقة: “كنت أعمل أكثر من13 ساعة يومياً لجمع بعض المال، كي استطيع دفع أجرة المهرب، خصوصاً أن التنظيم فرض على جميع الرجال ارتداء الزي الباكستاني، بغية منه التشويش على الطائرات والقوات التي تنوي الاقتحام ودب الرعب فيهم، حينما يشاهدون أن المدينة كلها ترتدي الزي الداعشي”.
يضيف أحمد: “تدمير الجسور كان صاعقاً بالنسبة لي ولأخي، حيث كنا ننوي الخروج، إلا أن الآوان قد فات، ولم يعد لنا منفذ من هذا السجن الكبير، فالميليشيات أصبحت على مقربة من المدينة، وطائرات التحالف بدأت بشن الغارات على أحياء الرقة بشكل مكثف، وليس أمامنا إلا الانتظار، فأما نموت أو يحالفنا الحظ ونبقى على قيد الحياة”.
أكثر من 400 ألف نسمة في مدينة الرقة، يرزحون تحت وطأة القصف والحصار، كما يستبد بهم سوء الأحوال المعيشية وغلاء الأسعار، كما يفعل التنظيم تماماً، وأصبح الناس ينتظرون مصيرهم المجهول، الذي سيحدده المنتصر في المعركة التي ستدور في أحياء مدينتهم.