السلاح آمن والناس خائفون

” يوميات حلب حيث اعتاد أهالي المدينة على ظروف غير قابلة للتخيل مع استمرار القصف بالبراميل المتفجرة. “

%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%84%d8%a7%d8%ad-%d8%a2%d9%85%d9%86-%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%a7%d8%b3-%d8%ae%d8%a7%d8%a6%d9%81%d9%88%d9%86
(الصورة: بعض سكان حلب يركضون باتجاه سقوط برميل متفجر- حلب- باب الحديد - 2015-6-11 (إسماعيل عبدالرحمنصباح الخير سوريا)).
<

“فأين تختبئ من برميل أهوج لا تدري إن كان سيسقط في السوق أم في سريرك؟ كل ما تفعله الصفارات أنها تعدهم نفسياً للموت، حتى الموت بطمأنينة لم يعد ممكناً في هذه المدينة.”

div>
(حلب، سوريا) تختلط أصوات الباعة مع أبواق السيارات وضجيج المولدات كلحن جنائزي يعزف في مقبرة تعج بالحياة. هناك في السوق يسير الناس مؤمنين بالموت أكثر من الحياة ويفكرون في نهايتهم أكثر من استمرارهم. يسير السلاح بينهم آمناً وهم يسيرون خائفين.
تحجب تلك الضجة صوت حاملة الموت وهي تمر فوقهم، ينبههم إليها صوت صفارات الإنذار التي حصل عليها الدفاع المدني بعد أن دمرت البراميل معظم المدينة، ولكن لم يعد لتلك الصفارات أثر وسط هذه المحرقة. فأين تختبئ من برميل أهوج لا تدري إن كان سيسقط في السوق أم في سريرك؟ كل ما تفعله الصفارات أنها تعدهم نفسياً للموت، حتى الموت بطمأنينة لم يعد ممكناً في هذه المدينة.
يوقف مسير الناس صوت برميل يهوي اعتادوا سماعه لكن لم يستطيعوا اعتياد أثره، وتتلاشى أصوات الباعة من حولهم، ويرى كل نفسه من بين الركام والتكبيرات آملاً أن تكون لنجاته.
يقطع شرود الناس صوت الانفجار بعيداً عنهم، يكملون سيرهم وتستمر المعزوفة ويضاف إليها صوت سيارات الإسعاف والدفاع المدني التي تمر مسرعة باتجاه الانفجار. تخرج عائلة من بين الركام أجساداً بلا أرواح ما عدا طفل صغير عاد من مدرسته ليجد نفسه يتيماً، فيسقط حقيبته المدرسية لرؤية بيته مدمراً فوق عائلته ولا يحملها ثانية، فالكتب هنا لن تسد جوعه، ثم تراه في السوق يحمل علبة الشوكولاتة ويجول بها. تنسيه وضعه ابتسامة أحد العابرين وهو يمسح رأسه متصدقاً عليه ببعض النقود، فيما يغلق ذلك الشاب الفظ نافذة سيارته في وجهه مبتسماً له بسخرية.
في السوق تنتظر سيارات النقل على قلتها في دور طويل، فلم يعد في هذه المدينة من يملؤها، ويمضي سائق السيارة بين الدمار ويحول طريقه مراراً بسبب إغلاق طرق جراء قصف أو نزاع. ويتوقف جانباً ينتظر رجلاً أفقدته الحرب إحدى رجليه حتى تطوي زوجته كرسيه المدولب فيصعد زاحفاً محاولاً تجنب النظر في عيون الآخرين حتى لا يرى فيها شفقتهم. يتابع سائق “الميكرو” سيره في ظلام لا يجرؤ على تبديده بمصباح خوفاً من طيار يجوب السماء مترقباً نوراً متحركاً يستهدفه برشاشه الذي لا يهدأ.
يخيم الليل ويجتمع الأخلة، فيقف المصلون خلف إمامهم ويتحلق الصوفيون حول شيخهم، بينما يجلس الحشاشون في غرفة يتبادلون فيها سيجارة صاروا يرونها المهرب الوحيد مما يعيشون .
في هذا الظلام البارد تجلس أم مع أولادها الأيتام قرب مدفأة أوقدتها ببعض الحطب الذي جمعوه من بيت جارهم المدمر، تضع عليها قدر ماء تطبخ فيه ما تيسر لها بعد ساعات من الانتظار أمام مكاتب الإغاثة. تحدث الأم أولادها عن منزلة والدهم في الجنة وعن مستقبلهم حين تحط الحرب رحالها، أما الحكايات عن عدل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وعن زيارة الأمير المفاجئة التي تنقذهم من الجوع فلم تعد تنطلِ على الأطفال، إذ أصبحوا يدركون أن تفجير الكفار والمرتدين هو ما يشغل أمير المؤمنين اليوم.
وغير بعيد عنهم يقف أطفال جعلتهم الحرب رجالاً قبل أوانهم، يودعون صديقاً كل يوم، يئسوا من حلول الساسة وما عادت تغريهم خطاباتهم الطويلة الشبيهة بما سمعوه طيلة حياتهم عن تحرير القدس، فهذه الأخيرة ما زالت محتلة حتى بعد 67 عاماً من الخطابات المستمرة. نسوا حياتهم أو تناسوها منذ أن أمسكوا سلاحاً حملوا معه مشروع الأمة إضافة إلى حمل عروبتهم.
تجسد هذه الكلمات بعض مشاهد الحياة القاسية  في حلب إلا أن الحياة فيها أقسى بكثير مما تبدو عليه في الأسطر السابقة.