الطب البديل: إن لم ينفع لا يضر؟

” اللجوء إلى العلاج بالأعشاب وتداعياته الخطيرة في غياب مناهج دراسية للطب البديل.   “

%d8%a7%d9%84%d8%b7%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%af%d9%8a%d9%84-%d8%a5%d9%86-%d9%84%d9%85-%d9%8a%d9%86%d9%81%d8%b9-%d9%84%d8%a7-%d9%8a%d8%b6%d8%b1%d8%9f
(الصورة: واجهة محل بائع أعشاب - حماة - 2016-3-19 (موريس بيطارصباح الخير سوريا)).
<

“وأصبح كثيرون يكتفون بتكرار وصفة طبيب معينة عند الشعور بأعراض المرض نفسها من دون زيارته لتغطية مصاريف الأدوية من دون دفع أجور الطبيب، في حين اتجه آخرون إلى الأعشاب والخلطات.”

div>(حماة، سوريا) بات التداوي بالأعشاب وفوائدها الطبية واستخدامها في علاج الكثير من الأمراض الحديث اليومي لأهالي مدينة حماه، لا بل أصبح شغلهم الشاغل إذ ازداد الإقبال على شراء هذه الأعشاب، ولا شك أن عوامل عديدة أدت إلى انتشار هذه الظاهرة منها ارتفاع أجور الأطباء إضافة إلى غلاء الأدوية.
انقسم العاملون في هذا المجال بين الباحثين المستقلين في كتب الأعشاب ومواقع الإنترنت والعطارين المتوارثين المهنة عن الآباء والأجداد، ونجد صنفاً ثالثاً بات يطفو على السطح مؤخراً باحثاً عن المال والربح السريع وتتعدد أساليب اقتناصه لضحاياه.
أثناء جولة على محلات الأعشاب التي تم افتتاحها حديثاً أكد أحمد (1)، وهو صاحب إحداها،  لـصباح الخير سوريا بثقة تامة: “قرأت كتباً عديدة عن الأعشاب والنباتات وفوائدها، وأنا على اطلاع يومي بكل جديد عن طريق متابعة صفحات النت، وأعطي الخلطة بعد أن أعرفحالة المريض. خلط الأعشاب يعتمد على الخبرة فقط.”
وإضافة إلى خلطاته العشبية، يبيع أحمد (40 عاماً) في دكانه بعض المنتجات الغذائية إلا أنه أكد أن تلك الخلطات تحقق ربحاً أفضل من أي منتج آخر يبيعه.
وقاطع هذا الحديث أحد الزبائن الذي دخل إلى المحل وطلب خلطة “مقوية للجسم”، فما كان من أحمد إلا أن هز برأسه فاهماً المقصود من طلب الزبون، فوضع قليلاً من مسحوق الزنجبيل والقرفة وجوزة الطيب والعنبر في كيس. “تفضل، تناول منها قبل نصف ساعة أو ساعة والأفضل أن تأخذ الخلطة مع ملعقة من العسل،” هذا نصح صاحب الدكان زبونه به. وكان ثمن الخلطة التي ابتدعها أحمد في أقل من خمس دقائق ألف ليرة سورية (ما يعادل دولارين في السوق السوداء)، وهو ثمن يوازي مصروف يوم كامل لأي موظف حكومي يبلغ راتبه الشهري 30 ألف ليرة سورية (60 دولار).
وبعد خروج الزبون اوضح  أحمد: “نعم، إنها خلطة مقوية للقدرة الجنسية، وكما رأيت لا تتطلب هذه الخلطة علماً أو دراسة عميقة، فالجميع يعلم فوائد الزنجبيل والقرفة لزيادة القدرة الجنسية إذا ما أضيفا إلى العسل. األيست أفضل من “الفياجرا” المنتج الكيميائي؟” ففي مدينة حماه، تكلف علبة “الفياجرا” 500 ليرة (دولار واحد) إلا أن خلطة العطار تعادل ثلاث علب “فياجرا” على حد قوله.
وفي سوريا كليات لتدريس الطب وأخرى لتدريس العلوم الطبيعية ولكن ما من خطة لإنشاء معهد أو كلية لتدريس الطب البديل ما يؤدي إلى سوء استعمال الأعشاب.
“باستطاعتك أن تفتتح محلاً للأعشاب متى شئت ولكنك لن تستطيع أن تحصل على ترخيص بإنتاج أي من المستحضرات العشبية،” هذا ما قاله المهندس الزراعي نزار العامل في مجال طب الأعشاب لأكثر من 40 عاماً، “جميعنا نعلم أن النباتات الطبية مفيدة إذا ما أحسن استخدامها وفي الوقت ذاته من الممكن أن تكون ضارة جداً والضرر قد يصل إلى حد الموت.”
يلجأ الناس إلى التداوي بالأعشاب من دون معرفة المواد الضارة ونسبتها وسميتها في كل عشبة أو تأثيراتها الجانبية، فقد أكد الدكتور محمد المختص بالأمراض الداخلية أن “معظم الأشخاص يعانون حالياً من الوزن الزائد وقد شاع تناول عشبة (السيلمكة) لتخفيف الوزن ولكن استعمالها غير المنتظم وبكميات كبيرة قد يسبب إسهالات حادة تؤدي إلى التجفاف ما يحدث بدوره خللاً في وظيفة الكليتين.”
وأضاف أن “إحدى المريضات كانت تشكو مؤخراً من ارتفاع في ضغط الدم نتيجة استخدامها عشبة (إكليل الجبل) بشكل عشوائي وأبلغتني أن أحد العطارين قد وصفها لها علاجاً لمرض القولون، كما وصف لها كمادات من شجيرة (القبار) عندما أخبرته أنها تعاني من التهاب المفاصل. وللأسف بعد وضع الكمادات على مكان الألم أصيبت بحروق بالغة لم تشفَ منها بعد.”
وخلال فترة الأزمة تم إغلاق العديد من شركات الأدوية وأثر أصحابها الهجرة خارج البلاد نتيجة تردي الأوضاع الأمنية، لذلك ارتفعت تكاليف العلاجات الطبية واضطر أهالي المدينة إلى إيجاد حلول بديلة.
“في شهر آب (أغسطس) عام 2015 صدر تعميم عن نقابة الصيادلة في المدينة بزيادة أسعار اللأدوية بنسبة  50%،” حسب ما ذكره الصيدلاني حسام لـصباح الخير سوريا،”الأمر الذي شكل عبئاً إضافياً على المصابين بأمراض مزمنة كأمراض القلب والضغط والسكري. وأصبح كثيرون يكتفون بتكرار وصفة طبيب معينة عند الشعور بأعراض المرض نفسها من دون زيارته لتغطية مصاريف الأدوية من دون دفع أجور الطبيب، في حين اتجه آخرون  إلى الأعشاب والخلطات.”
المريض يبحث عن أي وسيلة للشفاء فيقبل الناس على التداوي بالأعشاب على مقولة “إن لم تنفع لا تضر،” خاصة في حالات يأس المريض من العلاج الكيميائي، كما حدث مع السيدة فرات المصابة بمرض سرطان الدم. فذهبت المرأة إلى محل لبيع الأعشاب ووصف لها صاحبه خلطة باهظة الثمن تكرر كل 20 يوماً ولكن للأسف توفيت بمرضها، حسب شهادة الصيدلاني.
و عزا السيد حسام أفضلية العلاج الكيميائي إلى تاريخ العلوم الطبية قائلاً إن: “الأدوية الأولى التي استخدمها الإنسان كانت أدوية أعشاب، ولما وجد العلماء أن لها تأثيرات جانبية حاولوا استخلاص الكميات المناسبة من الأعشاب وظهرت الأدوية نصف التركيبية، ووجدوا بعدها أن كميات الأعشاب المستخلصة لا تكفي فبدأوا بالبحث عن التركيبة الكيميائية وظهرت بعدها الأدوية التركيبية وبها تم التخلص من الآثار السلبية لبعض الأعشاب والاحتفاظ فقط بالتأثيرات الإيجابية.”
بصرف النظر عن الخلاف المستمر بين الطب الكيميائي والعلاج بالأعشاب، أصبح إنشاء مناهج دراسية للطب البديل ضرورة قصوى حتى لا يدفع المواطن ثمن جهل بائع الخلطات.

تم استخدام اسماء مستعارة لحماية المصادر.