العنف ضد المرأة… أو العرف ضد القانون

” تقرير حول انتهاكات حقوق المرأة في مناطق الإدارة الذاتية الكردية. “

%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%86%d9%81-%d8%b6%d8%af-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b1%d8%a3%d8%a9-%d8%a3%d9%88-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b1%d9%81-%d8%b6%d8%af-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%a7%d9%86%d9%88%d9%86
(الصورة: Slevogt Faun and a Girl by Max Slevogt - cyfrowe.mnw.art.p [ملكية عامة via ويكيميديا كومنز]).
<

“لم أستطع أن أستوعب نظرات رجال الشرطة من حولي، إذ أحسست أنّها لا تخلو من اتهامي عوض الرجل، حتى أنّ أحدهم قال لي: ʼمو ضروري تروحي عالدوام بهيك تياب،ʻ مع أنّني كنتُ أرتدي ثياباً عادية.”

div>(القامشلي، سوريا) يُعتبر العنف الممارس بحقّ المرأة من المسائل الإشكالية في المجتمعات الخاضعة للأعراف الاجتماعية في غياب سلطة القانون أو في وجود قوانين متضاربة. ففي مناطق روج آفا وفي مدينة القامشلي تحديداً في شمال شرق سوريا، لا يزال موضوع التحرّش والاغتصاب يشغل بال النساء وتزيده تعقيداً الضغوطات النفسية والأهلية، ما يكثر النداءات لتعديل القوانين والتخلي عن الأعراف المترسخة.
وحسب الإحصائية التي قامت بها منظمة سارا لمناهضة العنف ضد المرأة في مدينة القامشلي، تمّ رصد 853 حالة عنف في الأشهر الستة الأولى من عام 2015.
ورغم الانفتاح النسبي على موضوع تحرّر المرأة وقضيتها في روج آفا بشكل عام، وبسبب تكتّم النساء اللواتي يتعرضنَ للعنف، لم يستطع موقع صباح الخير سوريا التواصل معهنّ بشكل مباشر، لكن تمكن من الحصول على بعض الشهادات المكتوبة الحصرية من خلال الحقوقية روجين حبو والمرشدة الاجتماعية همرين حرسان اللتان تقومان بدراسة عن الموضوع لصالح منظمة PDC الأمريكية في منطقة الجزيرة .
فتيات يتحدثن عن التحرش
سمر (1) فتاة في الخامسة عشر من عمرها، روت أنها كانت ذاهبة إلى المدرسة حين رأت رجلاً واقفاً أمام الباب الخلفي للمدرسة خالعاً سرواله (شبه عارٍ) ويقوم بحركات غريبة، فركضت سمر إلى الصف مرعوبة. وأضافت الفتاة: “منذ ذلك الوقت وأنا خائفة جداً، حتى أنني في البداية لم أكن أتحدث مع أبي وإخوتي الشباب.”
أما بالنسبة لمريم، 26 عاماً، فكانت الحالة أكثر مباشرة. كانت عائدة من الدوام عندما ظهر أمامها رجل غريب الأطوار حضنها في الشارع، فصرخت حتى هرع إليها الناس وخلصوها منه. ثم وصل أهلها وقالوا لها إنّه يجب أن تذهب إلى فرع الشرطة (التابعة للنظام). وأردفت الفتاة قائلة: “عندما وصلنا إلى الفرع كنت خائفة وأبكي، لم أستطع أن أستوعب نظرات رجال الشرطة من حولي، إذ أحسست أنّها لا تخلو من اتهامي عوض الرجل، حتى أنّ أحدهم قال لي: ʼمو ضروري تروحي عالدوام بهيك تياب،ʻ مع أنّني كنتُ أرتدي ثياباً عادية.”
وعن صمت من يتعرضن للتحرّش أو العنف عزَت المرشدة الاجتماعية حرسان السبب إلى مرحلة الطفولة وما يتعرض له البعض من عنف مبكّر وأوضحت “أن الطفل يدخل مرحلة الصدمة حين يتعرّض لعنفٍ ما، وغياب الأُلفة بينه وبين الوالدين الناجم عن عدم الحوار يؤدي إلى انطوائه على ذاته، ومع مرور الزمن يكتشف الطفل تلك الأمور بنفسه وبطرق غير سوية، وتولد لديه بالتالي عُقَد حيال مواضيع كهذه.”
بعد الاغتصاب زوّجوها لابن عمها
نورا فتاة عمرها 13 سنة من منطقة ريفية في القامشلي، تعرّضت للاغتصاب من قبل شابّ من القرية بعد إصابتها بحرق في المنطقة السفلية من الجسم (حرق من الدرجة الثالثة) بسبب الغاز المنزلي، فانتهز الشاب – وهو ابن عمها وشريك العائلة في الأرض – الحادثة التي أجبرت نورا على ملازمة الفراش فاغتصبها، لكن لم تستطع الفتاة البوح بما حصل في هذه الحالة كذلك.
وتحدثت سلمى، وهي امرأة متزوجة وصديقة للعائلة، لـصباح الخير سوريا عن قصة نورا مضيفةً أنه بعد ثمانية أشهر من شفاء الفتاة من الحرق، استغربت الأم عدم ظهور الحيض لديها سوى مرتين فقط قبل الإصابة، كذلك استفسرت جارة عائلة نورا عن سبب انتفاخ البطن لديها، وتابعت سلمى: “كانا سببين لتعرض عليها والدتها أن أصطحبها معي عند ذهابي لتلقيح طفلي في القامشلي ليعاينها طبيب. لكن تفاجأنا عند الطبيبة المختصة حين أخبرتنا أنّها حامل في الشهر الثامن، ما أدّى إلى إغماء نورا. عند وصولنا إلى البيت، قالت والدتها إن ابن العم هو المذنب وبعد إجماع عائلة الفتاة على قتلها  لذنب لم ترتكبه، أخذ الجيران على عاتقهم حمايتها إلى أن قرّر ابن عم نورا أن يستر على ابنة عمّه ويتزوجها رغماً عنه لكفّ الثأر بين العائلتين.”
“بعد أن تمّت الولادة بشكل طبيعي، رُميت الطفلة في منطقة مجهولة لا يَعلم أحدٌ بها،” هكذا ختمت سلمى حديثها.
وعن إمكانية علاج مثل هذه الحالات قالت المرشدة الاجتماعية حرسان لـصباح الخير سوريا: “إن العلاج في المرحلة الأولى توعوي، وذلك لتشخيص الحالة في خلال الجلسات. وفي البداية تظهر لديهن رغبة في التحدّث، لكنهنّ لا يتابعن الجلسات بسبب ضغوطات الأهل أو الزوج. أما في المرحلة الثانية، فبغية عملي إدماجهنّ في المجتمع من خلال إشراكهنّ في أعمال وأنشطة مختلفة.”
المرأة والقوانين
تبقى المرأة أسيرة الذهنية الإقصائية التي تجردها من حقوقها حتى وإن تعرضت للانتهاك، لا سيما حين تتعرض للاغتصاب.
وفي غياب الوعي المجتمعي والعائلي عن حقوق النساء أكدت الحقوقية حبو على ضرورة تعديل القوانين متسائلةً: “كيف تقدر المرأة على العمل وتربية الأولاد والقانون (الباب الرابع من قانون الأحوال الشخصية) لا يمنحها حق الوصاية على أولادها؟”
كما أشارت حبو إلى التناقض بين المراجع الشرعية قائلةً: “ينصّ الدستور السوري الصادر عام 2012، وهو أعلى سلطة، على أن ˋالمواطنين متساوون في الحقوق والواجبات (المادة 1و2)،ʻ  لكنّ القانون يعارض الدستور في الكثير من النقاط، فبالنسبة لما يسمى بــ ˋجرائم الشرفʻ هناك تمييز بين العقوبة المفروضة على الرجل والمرأة، ففي جريمة الزنا مثلاً، تكون عقوبة المرأة أشدّ من عقوبة الرجل (المادة 192- 473-475).”
ووضّحت أيضاً الحقوقية أنّ الحل لا يمكن أن يقتصر على تعديل القانون و”حتى لو وجدت قوانين داعمة للمرأة، ثمة رادعاً اجتماعياً يمنع المرأة من اللجوء إليها، لا سيّما في ما يتعلق بالأمور الأخلاقية، فمثلاً، إن القانون يعاقب الشخص الذي يعاكس فتاة بألفاظ نابية، لكن من المستحيل أن تلجأ الفتاة إلى القانون لأنّ العرف يتغلّب على القانون.”
أما بالنسبة للقوانين الخاصة بالمرأة التي أصدرتها الإدارة الذاتية الديمقراطية (2) مؤخراً محاولة تجنّب ما ورد في القانون السوري، فعبرت حبو عن شكوكها حول “مدى شرعية هذه القوانين” بغضّ النظر عن صياغتها القانونية، وعن “درجة دخول (هذه القوانين) حيّز التنفيذ على اعتبار أنّ الأوراق الرسمية لاتزال تابعة للقضاء السوري.”
وكانت الحاكمية المشتركة لمقاطعة الجزيرة قد أصدرت المرسوم التشريعي رقم 22 لعام 2014 الذي تضمن “المبادئ الأساسية والأحكام العامة الخاصة بالمرأة،” وبناءً على تلك المبادئ “يُمنع العنف والتمييـز ضد المــرأة، ويعدّ التمييز جـريمـة يعـاقِب عليـها القانــون، وعلى الإدارة الـذاتيـــة الديمقراطية مكافحة كــلّ أشكـال العنف والتمييز من خلال تطوير الآليات القانونية، والخدمــات لتوفيــر الحمايـة والـوقايـة والعـلاج لضحايـا العنف.”

تم استخدام أسماء مستعارة نظراً لحساسية الشهادات.
أعلن حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) الكردي مع بعض القوى السريانية والعربية هذه الإدارة الذاتية في عام 2014 وهي مقسمة على ثلاث مقاطعات: الجزيرة وكوباني (عين العرب) وعفرين.