الكتاب السوريون بين بيادر النشر ورحى التمويل

“ تعاني حركة النشر من إشكاليات متعددة تجعل الخوض في مجالها مربكا وقاسيا على كثير من الشباب الطامحين لوضع قدمهم في طريق العمل الصحفي عموما, ويأتي هذا المقال لإلقاء الضوء على بعض هذه الجوانب من خلال تجارب عاشها صحفيون مع مجلات ودوريات ومنصات صحفية شهيرة.. “

%d8%a7%d9%84%d9%83%d8%aa%d8%a7%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%88%d8%b1%d9%8a%d9%88%d9%86-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a8%d9%8a%d8%a7%d8%af%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%b4%d8%b1-%d9%88%d8%b1%d8%ad%d9%89-%d8%a7
close up view photo of the newspapers

محمد حاج حسين

بعد التزايد الملحوظ في أعداد المنصات والمواقع الإلكترونية، بات من الصعب تحديد وجهة محددة لذهاب الكاتب الشاب، فغالباً ما يتكرر نفس الاسم في أكثر من مكان بغض النظر عن اختلاف الرؤى والسياسات التحريرية للجهة ناشرة، ففي زمن النص الصناعي (الذي يعتمد اللايك والمشاركة) قد يضطر الكاتب ليتعامل مع جهة تفتقر للفهم والدراية الكافية بأسس وأخلاقيات العمل الصحفي لكسب عدد أكبر من المتابعين، لاسيما مع كثرة الجهات التي تستسهل طرح النص أو المقال المكتوب من دون التحقق من المصادر ومن دون أن تولي أهمية للمراجعة الموضوعية للنص وتكتفي بالرقابة التي غالباً ما تكون مقتصرة على بعض الكلمات كتلك التي تثير النعرات الطائفية وهكذا.
إذا ما اعتبرنا أنّ معظم الذين دخلوا معترك الكتابة والنشرلا بدّ وأن يكونوا قد نشروا بأحد وسائل الإعلام اللبنانية سواء أكانت مطبوعة أم إلكترونية، فإن اختلاف آلية تعامل هذه الوسائل مع المواد التي يرسلها الكاتب للنشر، وجهل الكاتب بها، أدت أحياناً لحدوث شرخ في تقبل هذا الشخص للوسيلة ككل .
إن وسائل الإعلام اللبنانية ورغم انتمائها لتيارات سياسية مختلفة، وتنوعها ما بين موقع وجريدة ومحطة، أتاحت بدورها إمكانية تشكل النص أحادي التوجه، إذ لايمكن نشر القصص أو المواد إلا إذا كانت تتماهى مع سياسة الجريدة أو الموقع، فمثلاً الجرائد اليومية في لبنان: النهار، السفير، الأخبار، المستقبل، البلد، الجمهورية… إلخ، تتبنى فكراً محدداً تابع لسياسة معينة وأيديولوجية معينة، كما في محطات التلفاز (MTV, OTV, LBCI، الجديد، المنار، وتلفزيون لبنان)، كذلك ظل الأمر مع انتشار بعض المواقع الإخبارية الالكترونية ( جريدة المدن، الوكالة الوطنية للإعلام، موقع النشرة، ليبانون فايلز، موقع ناو)، حيث بقيت النظرة السائدة أن هناك أجندات وتبعيات سياسية تفرض نمطاً محدداً من التعامل مع محتوى النصوص.
إضافة إلى ذلك، شكلّ ظهور بعض المواقع الكترونية والجرائد التي فتحت أبوابها للتجارب الشبابية الجديدة، نشوء حركة ثقافية ذات فكر متجدد، إلا أن التبعية التي تسمى الشللية حالت دون وصول بعض المواقع لهدفها بأن يكون صوتها مسموعا من قبل الجميع.
وكمثال على ذلك، نجد جريدة العربي الجديد، ذات الانتشار الأوسع بين الكتاب الشباب، كمنصة مفتوحة للجميع، بما تحتويه من ملاحق ثقافية وتخصصية في مجالات أدبية وعلمية وتراثية، نجد أنّها لعبت لاحقاً دوراً في قلة الإنصاف في التعامل مع النصوص، عبر قيامها ببعض التعديلات دون الرجوع للكتاب، أو تقصيرها في الاستجابة للاستفسارات وتجاهلها، وتغييب سياسة العمل والنشر وتحديد البدل، كما حدث مع أغلب الكتاب في مواقع أخرى.
في إحدى التجارب الأخيرة التي كان البعض منا ضحيتها في لبنان، كان لإغلاق جريدة السفير وقعاً على كثير من الكتاب حيث لم يعد هناك مكان يثقون فيه بنشر ما لديهم، كما تم إغلاق عدة زوايا في عدة جرائد ومواقع، ومما زاد الأمر سوءاً توقف التعاطي مع النص الأدبي بشكل جدي لدى الجهات الناشرة، فقد يقف النص في إيميلات المواقع شهوراً دون وجود رد أو توضيح أو اعتذار، وكذلك عدم وضع أساسيات للتعامل، والبدل المادي، وآلية النشر، كل هذه العوامل حالت دون استمرار الكثير من الكتاب الشباب في النشر، لتنحصر المساهمات المقبولة بكتاب محددين معروفين بالاسم، ومتنقلين بين جميع المواقع الالكترونية.

بين الكاتب والمحرر:

إذا ما اعتبرنا أنّ مهمة الكاتب توفير المادة التي ستذهب للمحرر، وأدرجنا جميع تصنيفات العمل الصحفي تحت مسمى كاتب (صحفي – كاتب رأي – قاص – شاعر – ناقد …الخ)، فإن مهمته الأساسية هي تقديم محتوى يليق بعقلية المتلقي وعدم الاستسهال في طرح القضايا أو المواضيع والأفكار، وأن تكون مصداقيته سمة أعماله ليحدث أثراً بين الجمهور، ويراعي شهرته ومسيرته نحو بلوغ هدفه، سواءً الشهرة أو تطوير الذات. أما المحرر، الذي نعني به هنا كل من يعمل في مجال التحرير (رئيس تحرير، مساعد، مدقق … الخ)، فإن مهمته تأتي بعد مرحلة الكتابة زمنياً، حيث يلعب دور المشرف على شكل المادة وكيفية صدورها وتنقيحها والتأكد من خلوها من الأخطاء.

شكلّ ظهور مواقع الكترونية وجرائد فتحت الأبواب للتجارب الشبابية، نشوء حركة ثقافية ذات فكر متجدد، إلا أن التبعية التي تسمى الشللية حالت دون وصول بعض” “المواقع لهدفها بأن يكون للجميع.

 

إن ما يغيب حقيقة في يومنا هذا، هو الدور الجاد للمحررين، حيث لا متابعة للأعمال كما يجب، فمن واجب المحرر تقديم الملاحظات والأفكار المتعلقة بالنص المراد نشره وعرضها على الكاتب لتطوير أفكاره، كما يجب عليه مساعدة الكاتب في مرحلة ما على اختيار المحتوى الأنسب لمواده، حيث لا يمكن للكاتب لعب هذا الدور بمفرده، فهو بحاجة لنظرة أبعد تساعده في تطوير وتعديل الأفكار، ليصل إلى المحتوى الأنسب.

 

تجارب كُتاب

يقول عبود سمعو (كاتب وشاعر من مدينة منبج لديه مجموعة شعرية بعنوان “البريد التاسع”):
“”في العام 2009 كنت في السابعة عشرة من عمري، قادماً من مكتب سفريات القدس في مدينة منبج، متجهاً إلى مكتب مدرس اللغة العربية، لأهديه نسخة من مجلة “عبر العالم” الفنية التي كانت تصدر في لبنان آنذاك، أذكر تماماً كيف تسمرتْ عيناه فوق صور العرائس والفنانات وهو يبتسم :”يا ابني وين قصيدتك بهالزحمة “،
“معليش يا ابني الواحد يبلش بمجلات العرايس وبعدين يوصل للنهار والقدس العربي” .
كانت هذه تجربتي الخجولة الأولى ثم تلتها تجارب خجولة أخرى، في الجماهير الحلبية، ومجلة الوردة والمشاهير .
في أيلول 2014، هارباً من ورشة برج “سما بيروت” اتصلت بالأستاذ عقل العويط الذي لم أكن قد التقيته من قبل، حصلت على هاتفه الشخصي من استعلامات جريدة النهار، طلب أن أجهز نصوصي وأذهب إلى مكتب الجريدة بعد الساعة الثانية .
كان اسم النهار يسبب لنا ارتباكاً جميلاً، ورهبة خفية، وسيظل بالرغم من إغلاقه النافذة شبه الوحيدة التي كنا نختلس النظر منها إلى الحرية .
استقبلني الأستاذ عقل بابتسامته الجميلة مرحّباً بي، ومبدياً أسفه لما جرى في سوريا .
“مرحبا بك ياعبود، ستعامل معاملة أي كاتب هو جزء من ملحق النهار، وإن كان نصك يستحق النشر تأكد من أنه سينشر “.
كان التعامل مع ملحق النهار مريحاً جداً، وكانت الجريدة آنذاك تمر بضائقة مالية إلى يومنا هذا، لم تكن المستحقات المالية بالنسبة لنا شيئاً مهمّاً، بقدر ما كانت المرونة في التعامل .
لقد كانت تجربة رائعة ومهمّة .
بعد إقفال ملحق النهار، كان علينا البحث عن نافذة أخرى، حينها كان موقع “ألترا صوت” الإلكتروني قد افتتح، لنرمي ثقل ذاكرتنا وآلامنا وآمالنا هناك، وقد حظينا بمساحة من الأمل، في القسم الثقافي الذي يديره الشاعر رائد وحش .
وليس هناك بدل مالي للنصوص المنشورة .
من المشكلات التي يعانيها الكاتب في بعض المنابر، بأنه ليس هناك من خطاب واضح بين الكاتب والمنبر، فمثلاً مرة أرسلت نصاً إلى أحد المواقع ولم يكن هناك جواب بالنشر أو عدمه، لأكثر من شهرين فأرسلت معتذراً عن نشر النص، نشرت النص في مكان آخر بعد انتظار أسبوعين، ومن ثم تفاجأت بنشر النص في الموقع الأول، انزعج المحرر حينها لأني قدمت النص إلى جهة أخرى، وأن النص المرسل يخص الجهة المرسل إليها، طلبت منه أن يراجع بريده الإلكتروني، وبأني قمت بسحب النص بعد شهرين من انتظار جواب .
هذا الموقع يدفع بدل مالي لكل مادة، وغير محددة القيمة للأسف، وبعد أكثر من سنة، خاطبنا الموقع من اجل الحصول على استكتابات حددت ب600$ تقريبا إلا أن هذا المبلغ حول إلى شخص آخر لا نعرفه وإلى الآن لم نحصل على استكتاباتنا .””

 

في تجربة أخرى لكاتب لم يشأ ذكر اسمه:

“في عام 2015 بدأت مع موقع “دحنون” واستمرت التجربة إلى اليوم، حيث كان التعامل جيداً، وكان هناك تبادل في الآراء وتزويدي بنقاط القوة والضعف، حتى أطور أسلوبي قدر المستطاع.
بعد سنة أرسلت للعربي الجديد أول نص بعد حصولي على ايميل الجريدة من أحد الأصدقاء، لم يأت رد، لكنهم نشروا النص، ثم فجأة وبعد عدة نصوص توقفت الزاوية دون اعلامنا بذلك، وكما لم يتم تبيان أي سياسة تخص المستحقات وآلية النشر، وبعد شهور من انتظار المستحق قبضت بدلاً للمواد على غير المتعارف عليه في سياسة الموقع مع كتاب آخرين.
أما مع ملحق بناء السلام كان التعامل جيداً وكان كلّ شيء موضحاً في الايميل المرسل إلي للكتابة معهم، كانت تجربة جيدة.
في القدس العربي تم طلب مواد مني، من قبل المحرر الذي استلم المواد وكان جيداً في التعامل، إلا أنه حين ترك الجريدة لم يتم النشر، ولم يتم التواصل مجدداً.
في شباب السفير كان التعامل ممتازاً، كانت الردود تأتي على كل تساؤل، كما كان يتم توضيح نقاط النشر وعدمه والمناسب، نُشرت مادتي، ولكن إغلاق الجريدة حال دون الاستمرار، إلا أن التجربة كانت جيدة جداً.
في ملحق جيل كان التجاوب وهمياً بشكل ما، أي أننا مرحبين بك وأرسل المواد، لكن لا يتم النشر ولا يتم الإبلاغ لماذا لم يتم، وكان التعامل أقرب للاستهتار وعدم تأدية الدور على أكمل وجه.”
تجربة شخصية:

بدأت رحلتي في عالم النشر عام 2015، وكانت مع موقع “دحنون” هذا الموقع كان واضحاً في سياسة التعامل، حين يتم الموافقة على نشر النص يتم إبلاغ الكاتب كما يتم إبلاغه بالرفض في حال لم يكن على مستوى المواد المنشور وسياسة الموقع، وتم تزويدي حينها بالملاحظات والأفكار وعدلت على أساسها النص.
ثم بدأت تجربتي مع جريد العربي الجديد، كان هناك راحة في إرسال أكثر من نص خلال الاسبوع وكانت تنشر دون إخباري أو لا تنشر، كما لم يتم إبلاغي بالبدل المستحق لكلّ مادة منشورة، فتم القبض مرتين، كنت أكتب في زاوية “حكواتي”، والتي حين أغلقت لم يتم ابلاغنا بأنها أغلقت فكان لدينا نصوص هناك ولم يتم البت بأمرها، وبعد شهور من المراسلات لاستلام المستحقات اكتشفت أنهم خفضوا بدل المادة (والتي لم يتم الإفصاح عن البدل السابق)، وأن مستحقاتي بلغت 120$ بدل مادتين، وأنا كنت منظر بدل أكثر من خمسة عشر مادة.
أتت بعدها تجربتي مع ملحق “شباب السفير” وكان التعامل جيداً، حيث كان هناك نوع من التفاعل بيننا لتعديل وتطوير النصوص لتخرج بأبهى شكل ممكن، استمرت التجربة عدة شهور، انتهت بإغلاق الجريدة.
ثم قمنا بإنشاء موقع خاص بنا، وجعلناه مخصصاً للجميع ونعمل على أن يكون أشبه بورشة ابداعية نتبادل فيها الخبرات والتجارب، ولنساعد في نشر نصوص جيدة لدى كثير من الكتاب الذين لم يكن لديهم تجربة سابقة مع النشر، أو لم يتم التعامل مع نصوصهم بشكل جيد وحقيقي من المحررين.