اللاجئون السوريون في لبنان….جيل كامل بلا تعليم

بدأت أزمة تعليم اللاجئين السوريين تتفاقم  في لبنان، مع  تزايد وتضخم  أعداد السوريين النازحين إليه، الذين قدرتهم الحكومة اللبنانية بمليون ونصف نازح سوري، في بلد إجمالي تعداد سكانه 4،4 مليون نسمة وتبدو خطط الدولة اللبنانية لاستيعاب أزمة تعليم اللاجئين مثالية على الورق، إلا أن الحقائق على أرض الواقع تقول عكس ذلك تماماً.

%d8%a7%d9%84%d9%84%d8%a7%d8%ac%d8%a6%d9%88%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%88%d8%b1%d9%8a%d9%88%d9%86-%d9%81%d9%8a-%d9%84%d8%a8%d9%86%d8%a7%d9%86-%d8%ac%d9%8a%d9%84-%d9%83%d8%a7%d9%85%d9%84-%d8%a8
اطفال سوروين يستمعون الى مدرسهم في مخيم الزعتري في الأردن-17-3-2016 -اليونيسيف

يعيش الآلاف من اللاجئين السوريين في لبنان تحت خط الفقر، في ظروف إنسانية صعبة غير ملائمة للعيش. وذلك ما جعل أغلب السوريين لا يتعاملون مع لبنان سوى كمحطة مؤقتة للانتظار، ريثما يتمكنون من السفر إلى بلد آخر، يعيش فيه اللاجئ حياةً مقبولة، أو إلى أن تتغير الظروف السياسية والاجتماعية في سوريا، ليتمكنوا من العودة إلى وطنهم؛ ولكن في محطة الانتظار هذه يضيع الكثير من الوقت، ويكبر أطفال اللاجئين السوريين محرومين من أبسط حقوق الطفولة، كالاستقرار والتعليم.

بدأت أزمة تعليم اللاجئين السوريين تتفاقم  في لبنان، مع  تزايد وتضخم  أعداد السوريين النازحين إليه، الذين قدرتهم الحكومة اللبنانية بمليون ونصف نازح سوري، في بلد إجمالي تعداد سكانه 4،4 مليون نسمة، وأما أعداد الأطفال الذين من المفترض بأنهم يكملون المرحلة الدراسية، فتبقى غير دقيقة، حيث سجلت المفوضية العامة للأمم المتحدة 495910  طفلاً سورياً ينتمون إلى المرحلة العمرية ما بين الثلاث سنوات إلى ثمان عشرة سنة في عام2015، إلا أن هذا العدد يرصد فقط اللاجئين السوريين المسجلون لدى الأمم، فهناك العديد من الأسر التي لم تسجل أوراقها لدى المفوضية، إضافةً إلى أن هذه الرقم في تزايد وخاصة بأن المفوضية أغلقت باب التسجيل فيها منذ عام 2015.

وسط تلك الأرقام المخيفة، أخذت الحكومة اللبنانية تعمل على حل تلك الأزمة، مع بداية سنة 2014، وبادرت وزارة التربية والتعليم اللبنانية، بدعم من المانحين الدوليين، لإطلاق استراتيجية جديدة تنص على  توفير التعليم لجميع الأطفال في لبنان(RACE)، بهدف مساعدة ما يقارب 470 ألف لاجئ سوري وطفل لبناني للتسجيل في المدارس الحكومية في لبنان خلال مدة زمنية تمتد من بداية عام 2014 إلى نهاية عام 2016. ومع نهاية عام 2016 أطلقت الحكومة اللبنانية (RACE II،  الذي يهدف لتسجيل 440 ألف طفل سوري في المدارس الحكومية خلال مدة زمنية تمتد حتى 2021.

وقدمت وزارة التربية والتعليم تسهيلات عديدة لتسجيل أطفال اللاجئين في المدارس الحكومية، حيث سمحت بتسجيل الطلاب الذين لا يملكون إقامات نظامية في لبنان، وأعفت أيضاً اللاجئتين السوريين من رسوم التسجيل، وأجبرت 238 مدرسة حكومية على العمل بدوام إضافي مسائي، لتوفير التعليم الرسمي للسوريين.

قوانين العمل التي حددت فيها الحكومة اللبنانية مهن السوريين في لبنان، بالفلاحة وأعمال البناء، متناغمة تماماً مع المستوى التعليمي الذي يتوقف عنده دعم اللاجئين السوريين عن التعليم

وتبدو خطط الدولة اللبنانية لاستيعاب أزمة تعليم اللاجئين مثالية على الورق، إلا أن الحقائق على أرض الواقع تقول عكس ذلك تماماً، فالقوانين التي فرضتها الحكومة اللبنانية على مؤسساتها التعليمية لا تطبق في معظم الأوقات، وبحسب تقرير صادر عن “هيومن رايتس ووتش”، يوليو 2016، بعنوان يكبرون بلا تعليم، فإن عدد كبير من العائلات السورية قاموا بالمبادرة إلى أقرب المدارس الحكومية لتسجيل أطفالهم، إلا أن تلك المدارس ردتهم خائبين بحج مختلفة؛ فمنهم من تحج باكتظاظ صفوفه بالتلاميذ، ومنهم من طلب منهم أوراق قانونية وإقامات نظامية وبث الرعب في قلوبهم خوفاً من أي مساءلة قانونية، ومنهم من طلب رسوماً للتسجيل، كما أن عدداً كبير من اللاجئين يمتنعون عن إرسال أطفالهم للمدارس خوفا من العبور على إحدى نقاط التفتيش الأمنية في طريقهم إلى المدرسة وتوقيفهم  لعدم امتلاكهم لإقامات نظامية.

أما من حالفهم الحظ في تسجيل أولادهم في المدارس اللبنانية الحكومية، فعانى أولادهم من صعوبات عديدة في دراسة المنهج الجديد المختلف كلياً عن المنهج المتبع في سوريا، حيث يعتمد المنهج على اللغة الانكليزية والفرنسية بشكل كامل في كل المواد المعطاة، ومعظم السوريين ليس لديهم أي أسس علمية تساعدهم على فهم هذه المناهج، وليس لدى أسرهم القدرة المادية لإعطائهم حصص تقوية باللغات الأجنبية؛ والمشكلة الثانية أن تلك الصفوف المفتوحة لاستقبال الأطفال السوريين، تهتم فقط بإعطاء منهج المرحلة الابتدائية، فأعلى صفوفها هو الخامس أو السادس الابتدائي.

ويبدو أن الهدف من إهمال المرحلة العمرية الأكبر، هو تعليم الطفل السوري بعض الأساسيات في الكتابة والقراءة والحساب لا أكثر، دون التفكير جدياً بإتمام مراحل تعليمه كافةً وصولاً إلى الجامعة، فليس هناك مشروع حقيقي للعمل على بناء جيل سوري متعلم؛ ولنكن واقعين، فإن أغلب الأطفال واليافعين من الفئة العمرية 13-18 سوف يتجهون إلى سوق العمل، وإلى تعلم مهنة ما، فالعائق المادي سوف يحول بينهم وبين  إتمام تعليمهم، حيث تقارب تكلفة تسجيل طالب واحد بأرخص المدارس اللبنانية الخاصة في لبنان ألف دولار أمريكي للعام الواحد، بالإضافة لمصاريف التنقلات والقرطاسية والكتب وما إلى ذلك؛ وهذه المبالغ  يعجز عن تأمينها أغلب السوريين في لبنان، ليبقى التعليم حكراً على السوريين الذين يملكون المال ويتحملون أعباء المدارس الخاصة.

ومن ناحية أخرى، يبدو أن قوانين العمل التي حددت فيها الحكومة اللبنانية مهن السوريين في لبنان، بالفلاحة وأعمال البناء، متناغمة تماماً مع المستوى التعليمي الذي يتوقف عنده دعم اللاجئين السوريين عن التعليم؛ وكأن القوانين تتضافر لتنشأ جيلاً جديداً كاملاً من العمال!

وفي منظمات  المجتمع المدني، الوضع ليس أقل سوءاً من الناحية التعليمية، ولكنه أكثر أماناً من الناحية الأمنية، حيث يستطيع  جميع السوريين تسجيل أبنائهم مجاناً ودون أي وثائق، إلا أن الحكومة اللبنانية منعت تلك المنظمات من تدريس منهجها فيها، ومن إعطاء أي شهادة رسمية أو وثيقة دراسية لطلابها، لتلعب تلك المنظمة دور محو أمية الأطفال لا أكثر، دون إفادته بشكل جدي للالتحاق في ما بعد بمدارس حكومية نظامية؛ حيث تعطي تلك المنظمة مزيج من المنهج السوري والمنهج اللبناني، فيضيع الطالب بين أساتذته السوريين وأساتذته اللبنانيين، وكلٌ يعطيه على هواه، دون الاتفاق على توحيد منهج معين لكل المنظمات؛ وذلك تسبب بشرخ بالمعلومات التي يدرسها الطلاب، فتشعر بأن جميع المدارس التابعة للمنظمات في جميع صفوفها ومراحلها، تقدم للأطفال بعض المعلومات الأساسية لمحو الأمية، ولا تسعى بشكل حقيقي لتأهيل طلابها للدراسات العليا.

فالخوف من الجهل والأمية هو العامل المشترك الذي يحرك كل هذه المناهج، المتحفظة والمتخوفة من بناء ثقافة عليا ترتقي بعقل اليافعين السوريين، وكأن هذه البرامج كلها تسير مترافقة لتبقي الوضع على ما هو عليه، فتبقى أزمة التعليم الخاصة باللاجئين السوريين كما هي، ويكبر هؤلاء الأطفال ليشاركوا آبائهم بأعمال الزراعة والبناء؛ مما يجعل التساؤل مشروع عن أهمية هذه البرامج، العاجزة عن الاستمرارية، وإن كانت هذه البرامج تتخطى بأهميتها تطبيقات الهواتف الذكية، التي أنتجت لتعليم اللاجئين السوريين في المخيمات أساسيات اللغة العربية والحساب، كتطبيق “عنتورة والحرف”، الذي أطلق العام الماضي.

 نور عويتي