المجرّدون من الجنسية هل تم نسيانهم من جديد؟!

%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%ac%d8%b1%d9%91%d8%af%d9%88%d9%86-%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d9%86%d8%b3%d9%8a%d8%a9-%d9%87%d9%84-%d8%aa%d9%85-%d9%86%d8%b3%d9%8a%d8%a7%d9%86%d9%87%d9%85-%d9%85%d9%86-%d8%ac

عباس علي موسى

(الموضوع أشبه بأن تموت فيبنوا لك منزلا، لن تستفيد منه)، قالها محمد أمين رمضان (مواليد 1974 ريف قامشلي) الذي حصل على الجنسية السورية قبل سبع سنوات بعد صدور المرسوم 49 القاضي بمنح الجنسية للمجرّدين منها منذ 1962، ويكمل رمضان بأسى (لقد منحوها بعد أن فاتنا كل شيء؛ الدراسة والتوظيف والحياة ووو…)، ورمضان حرِم من الجنسية كغيره من الآلاف.

بحسب الكاتب والحقوقي سلمان إبراهيم خليل في تصريحه لصباح الخير سوريا فإنّ (قضية المجرّدين من الجنسية من قضايا الانتهاكات ضدّ الإنسان السوريّ، حيث جرّد الآلاف من المواطنين الكرد من هذه المحافظة من الجنسية السوريّة جرّاء إحصاء استثنائي بحقّ مكون رئيسي من المكونات السورية).

وعلى الرغم من أنّ سوريّا كانت قد وقّعت الكثير من صكوك حقوق الإنسان والطفل، إلا أنّها في ذات الوقت غضت الطرف عن قضايا عديدة ومنها المجرّدون من الجنسية الذي تقصدت الحكومات المتعاقبة إهماله، وكما يؤكد خليل فإنّ (الحرمان من الجنسية مخالف لكلّ الشرائع السماوية والمواثيق الدولية؛ فالمادة السادسة من الإعلان العالمي لحقوق الانسان تنصّ على أنّ لكل إنسان أينما وجد الحق في أن يعترف بشخصيته القانونية، وتنص المادة الخامسة منه على أنّ لكلّ فرد حق التمتع بجنسية ما، ولايجوز حرمان شخص منجنسيته تعسفا، أوإنكار حقه في تغييرها).

وقد تركت حالة التجريد من الجنسية أثرا نفسيا كبيرا لدى هذه الفئة، وخاصة أنّهم كانوا يشعرون بالدونية في بلاد يعاني فيها حتى المواطنون انتهاكات جسيمة في شتى المجالات، حيث يقول محمود إسماعيل (مواليد 1960 ريف قامشلي): (كنتُ أخجل من إبراز بطاقتي الحمراء، لأنّ المجتمع وفي مزاح مرّ يقولون بأنّها تشبه شهادات البقر).

  • “كنتُ أخجل من إبراز بطاقتي الحمراء، لأنّ المجتمع وفي مزاح مرّ يقولون بأنّها تشبه شهادات البقر”
  • ويتم النظر إلى الموضوع منح الجنسية وكأنّها منحة لهذه الفئة من أبناء محافظة الحسكة متغاضين الحديث عن أية تعويضات ممكنة مادية أو معنوية
  • والمكتومون لا يزالون يعانون من نكران هويتهم، فلا شيء يثبت وجودهم سوى شهادة تعريف من المختار، وحتى هذه لم يعد المخاتير يمنحونها بعد صدور أوامر غير خطية بذلك
  • “أملاكنا كانت مسجلة باسم والدتي وقد توفيت، ولا أستطيع أن أنقل هذه الأملاك وأسجّلها باسمي. غدا باستطاعة النظام أن يحرمنا من هذه الأملاك”
  • “كنا صغارا تأمل والدي أنّ الأمور لن تبقى كما هي عليه حتما، وكبرنا دون أن نجد أي حلّ”

في العام 2011 تم إصدار المرسوم 49 والقاضي بـ “منح” الجنسية السورية لـ “أجانب حسكة” وكان توقيت إصداره مصدر شكّ وريبة لدى الشارع، حيث كان الحراك المدني السوريّ قد بدأ منذ آذار من ذات العام أي قبل أقل من شهر من إصدار المرسوم، في محاولة لتحييد الشارع الكردي عن الحراك المدني، ويرى الكاتب والحقوقي سلمان إبراهيم خليل أنّها (خطوة إيجابية، لكنها ناقصة فهي لم تُشر إلى هؤلاء الأجانب بأنّهم مواطنون أصليون وأعيدت لهم جنسيتهم).

إنّ إعادة الجنسية إلى الأجانب طرح موضوعا ملحّا لم يتم التطرّق إليه خلال الحديث عن “منح” الجنسية لهؤلاء وهو موضوع التعويضات المادية والمعنوية، حيث أنّهم حرموا من حقّ الانتفاع بالأراضي الزراعية منذ تجريدهم من الجنسية في محافظة عمادها الأساسيّ هو الزراعة، ويتم النظر إلى الموضوع وكأنّها منحة لهذه الفئة من أبناء محافظة الحسكة متغاضين الحديث عن أية تعويضات ممكنة مادية أو معنوية، وبالإمكان استشفاف مدى الضرر الذي لحق بالأجانب السوريين وضرورة التعويض عنه من خلال نصوص عديدة في المنظومة القانونية السورية، وهو ما أشارت إليه المحامية نالين عبدو في تصريح لها لصباح الخير سوريا، حيث تقول: (المادة 164 من القانون المدني السوري تنص على أنّ كلّ من ارتكب ضررا يلزِم من ارتكبه بالتعويض، والمادة 9 من قانون مجلس الدولة السوري رقم 55 لعام 1959 تنص على أنّه يفصل مجلس الدولة بهيئة قضاء إداري دون غيره في طلبات التعويض عن القرارات المنصوص عليها في المادة 8 من القانون نفسه اذا رفعت إليه بصفة أصلية أو تبعية).

ومع أنّ المرسوم أعفى كلّ متمّم للثامنة عشرة من التجنيد بتاريخ صدور مرسوم التجنيس، ومع أنّه أمر منطقي، إلا أنّ المحامية عبدو تؤكّد أنّه (لا يرقى إلى حداعتباره تعويضا لآلاف الأسر التي عانت العوز والشتات وضنك العيش).

بعد صدور المرسوم 49 لم يمض شهر حتى كان الآلاف ممن تقدّموا بمعاملاتهم قد حصلوا على الجنسية، ومع أنّ بلاغا وزاريا قد صدر بعد هذا المرسوم قضى بتسيير معاملات المكتومين أيضا، إلا أنّ الأمر بدا أكثر صعوبة، فقد واجه المكتومون صعوبات جمة وعراقيل حالت دون حصولهم على الجنسية حتى اللحظة بعد مضي أكثر من ست سنوات على صدور المرسوم، وكانت أحد الذرائع هي أنّ الأوراق قد احترقت في دير الزور أثناء اندلاع الصراع هناك، وهناك عراقيل من قبيل استكمال الأوراق أو العمل عليها من جديد وهو أمر دفع بالبعض من فقدان الأمل والجلوس في البيت إلى أن يأتي الفرج.

هذا ما حصل مع سعد محمد (مواليد قامشلي 1980): (عانيت كثيرا من كثرة التعديلات التي طلبوها وكانوا يلغون أوراقي في كلّ مرة، والسياسية طلبت أكثر من مرة التحقيقات السياسية وسألوني عن جميع أقاربي وفي كل مرة كانوا يعدلون أو يطلبون شيئا، وفي أحد المرات قالوا إنّ الأوراق كلها ملغية فتقدمنا بالطلب من جديد وعملنا أضابير جديدة وأنا أتابع الموضوع من حينها، ولا جدوى حتى اللحظة).

والمكتومون لا يزالون يعانون من نكران هويتهم، فلا شيء يثبت وجودهم سوى شهادة تعريف من المختار، وحتى هذه لم يعد المخاتير يمنحونها بعد صدور أوامر غير خطية بذلك، وتعدّ مشكلة التملّك من المشكلات الكثيرة التي لا تزال تؤرّقهم حتى اللحظة في ظلّ عدم تسوية أمورهم القانونية وتسيير معاملاتهم للحصول على الجنسية، حيث يضطر هؤلاء إلى تسجيل ممتلكاتهم على أسماء أقربائهم أو أصدقائهم، ولا يخلو الأمر من وجود مشكلات تحدث بين هؤلاء والتهديد بالاحتفاظ بهذه الممتلكات لأنّها قانونيا باسم مالك غير حقيقي، وفي حالات كون الأب مكتوما والأم مواطنة تلجأ العائلات إلى تسجيل ممتلكاتها بأسمائهن، لكن في حالة كاميران محمد (مواليد قامشلي 1979)، يبدو الموضوع مشكلة كبيرة: (أملاكنا كانت مسجلة باسم والدتي وقد توفيت، ولا أستطيع أن أنقل هذه الأملاك وأسجّلها باسمي. غدا باستطاعة النظام أن يحرمنا من هذه الأملاك لأنّها غير مسجّلة باسمنا قانونيا، وسنبقى حينها في الشوارع).

ويبدو الهروب واللجوء إلى البلدان الأوربية حلا نهائيا ووحيدا لدى البعض منهم، فنوبار مثلا (مواليد قامشلي 1985) يقول: (حين كنا صغارا تأمل والدي أنّ الأمور لن تبقى كما هي عليه حتما، وكبرنا دون أن نجد أي حلّ، والآن أنظر إلى ولدي وهو لا يزال في عامه الثاني وأتذكر كلام والدي، لذا لا أريد أن أقول ذات الكلام، والآن أفكر جديا في السفر إلى الخارج ليحصل ابني على جنسية أوربية على الأقلّ).

ويبدو أنّ هاجس الحصول على الجنسية سيبقى طالما لا توجد خطوات جادة في طريق تسيير معاملات المكتومين وعرقلتها باستمرار طيلة أكثر من ست سنوات، ومع أنّ المستقبل والدراسة والآمال قد مضى بها القطار إلا أنّ هؤلاء يأملون غدا أفضل لأبنائهم، فمثلا عبد الرحمن علي (مسرحي من مواليد 1980 قامشلي) هو أحد هؤلاء الضحايا فيقول: (قررت أن أكمل دراستي، لكن للأسف بعد اجتياز البكالوريا لم أستطع أن أكمل الجامعة لأنني مكتوم، وهذا الجرح ظلّ يرافقني، لذا لا أريده لأولادي أيضا، فالدراسة حق أساسي من حقوق الإنسان، وأحيانا ما كنت دمشق أقف قبالة معهد الفنون المسرحية وكانت تنتابني مشاعر غريبة، وتذرف دموعي دون قصد، فالحياة لا تعاش إلا مرة واحدة).

يعتقد الكثيرون أنّ قضية المجردين من الجنسية قد حلّت بعد المرسوم 49 ويعتقدون أنّ هؤلاء حصلوا على الجنسية وصاروا مثلهم مثل المواطنين السوريين الآخرين، لكن الأمر ليس كذلك، فالأجانب الذين حصلوا على الجنسية لم يُشر المرسوم إلى أية تعويضات ممكنة الآن أو لاحقا سواء مادية أو معنوية في ظلّ حرمان طال لعشرات السنين حرموا من خلالها من الانتفاع بالأراضي الزراعية والدراسة وكافة الحقوق المدنية، بالإضافة إلى أنّ فئة المكتومين لم تحصل على الجنسية بعد، وهم تكبّدوا العناء والوقت وفقدان الأمل الكثير في تعقّب أوراق لم تثمر بعد عن الحصول على الجنسية.