المدينة التي أعلنت موتها قبل سن البلوغ

” جولة في مدينة اختفت ملامحها وراء اليافطات المعلقة التي تعلن وقوع شبابها ” الشهداء “.  “

%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%af%d9%8a%d9%86%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%8a-%d8%a3%d8%b9%d9%84%d9%86%d8%aa-%d9%85%d9%88%d8%aa%d9%87%d8%a7-%d9%82%d8%a8%d9%84-%d8%b3%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d9%84%d9%88%d8%ba
(الصورة: تغطي يافطات "الشهداء" المدينة بالكامل - سور حديقة الطلائع - شارع العريض - طرطوس - 2014-3-2 (غنوة يوسفصباح الخير سوريا)).

(طرطوس، سوريا) أصبح كل شيء مختلفاً في طرطوس، فتلك المدينة التي تستفيق كل يوم على ما لا يقل عن عشرة “شهداء”، غدت وأبناؤها يافطات معلقة، مأساة أمام عينيك لا تفارقك حتى ولو حاولت أن تبعد نظرك، فما من زاوية أو مفترق طريق واحد لا ترى فيه يافطات تعلن عن وقوع “شهيد” جديد.

كان قد مر وقت طويل قبل أن قررت المشي  في شوارع مدينتي، فمن الضاحية إلى الغمقة الشرقية والغربية وشارع العريض، كان من نصيبي أن يرافقني الصدمة والذهول طوال الطريق، فكل شيء تحول. لم ألاحظ  قبلاً هذا الكم الهائل من اليافطات المعلقة على واجهات المحلات ومداخل الأبنية وعلى الأرصفة وعلى إشارات المرور والهواتف العمومية وحتى على الأشجار وأسوار الحدائق. لم يعد هناك مكان تضع فيه إعلاناً لأنه سرعان ما سيختفي خلف صور “الشهداء”.
توقفت أتنفس وأسأل نفسي: “متى حدث كل هذا؟ متى عُلقت كل هذه الصور؟ كيف أصبح فضاء المدينة أفقاً تقطعه خيوط وأشرطة تصل الأبنية ببعضها لتتدلى منها صور ʼالشهداءʻ؟” مدينة غابت ملامحها خلف أرواح أبنائها النائمين.
من حيث لا أدري، بدأت أتمعن في وجوههم بحثاً عن صديق، عن زميل، عن شاب كنت أعرفه يوماً ما… وها هي أول يافطة لأحد زملائي في المدرسة، وها هو وجه آخر مألوف ربما كان لبائع الكعك الذي كان يمر كل صباح أمام مكان عملي، أو الشاب الذي يعمل في محل الحلويات. لم أستطع التذكر.
أكمل الطريق مطرقة رأسي، أسمع صدى إطلاق الرصاص وأعرف أنه تشييع لـ”شهيد”، ما يعني أن صورة جديدة ستضاف.
تابعت سيري مضطربة. توقفت قليلاً عند بائع سندويش أتمعن في صورة ملصقة على زجاج محله، وفجأة سمعته يقول: “كان يريد أن يصبح رساماً، إلا أن  القدر كان أسرع ورسم له طريقاً آخر.” ثم غاب في عتمة الدكان من دون أن يترك لي مجالاً لأتلفظ بكلمات العزاء، فاستدرت وبدأت أخطو خطوات متسارعة وكأني أهرب من  قدر كان قد تشبث بمدينتي وبدأ برسمها.
بائع القهوة الذي احتل جزءاً من مفترق طريق كان فرصة لتتدارك روحي نفسها وقلبي نبضه، كان رجلاً ستينياً بشوشاً، أدرك اضطرابي فقدم لي كرسياً وجلست لألملم شتاتي. إمرأة في ربيع عمرها تقطع الشارع باتجاهي متشحة بالسواد وشاردة النظرات، رأسها متواطئ مع جاذبية الأرض تجر بتثاقل عربة طفل رضيع وإلى جانبها شاب صغير لم يكمل الرابعة عشر من عمره. يمسكها الشاب عن تجاوز الشارع لتمر سيارة مسرعة، يسارع لرفع العربة على عتبة الطريق المرتفعة ثم يلتقط يد والدته ليساعدها بدورها، يلتفت حوله ثم يلتفت صوب والدته مطمئناً إياها أنه موجود هناك بجوارها. يتابعان الطريق متجاوزين بائع القهوة ونظراتي تلاحقهما. رفعت نفسي عن الكرسي ومشيت.
من الشوارع الضيقة المتراكمة إلى الشوارع الواسعة المرتبة اتخذت طريقي عائدة، والصور التي أنبأتني بموت كل هؤلاء ومنهم أصدقائي بدأت تتلاشى شيئاً فشيئاً، شارع الحمراء العريض بأرصفته والفاخر بأبنيته كان صامتاً، فقد وجد قاطنوه لأبنائهم ملاذاً من نوع آخر خارج البلاد: ملاذاً يبقي أبناءهم أحياء، لكن الثمن غربة قد تطول.
أغلقت الباب ورائي وجلست. هاتفي يرن معلناً إشعاراً فيسبوكياً، أفتحه وأقرأ نبأ “استشهاد” جديد. أدركت حينها أن مدينتي أصبحت خيمة عزاء تنصب، شاباً ضاق به إطار الصورة، رصاصاً يعلو في الجو معلناً قدوم جثمان آخر، نساءً غادرتهن الألوان، أطفالاً بلا آباء، أمهات يزرعن وروداً في أحذية أبنائهن، جوازات سفر وحقيبة جديدة تتهيأ للرحيل.