المعابر الحدودية مع لبنان: "ممكن"، "مستحيل" أو "حسب الضابط"

” كيف يتعامل السوريين مع التقلب والغموض المستمرين في  اجراءات المعابر الحدودية بين سوريا ولبنان والتي تخضع غالبا لمزاجية الضابط المناوب. “

%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%a7%d8%a8%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%af%d9%88%d8%af%d9%8a%d8%a9-%d9%85%d8%b9-%d9%84%d8%a8%d9%86%d8%a7%d9%86-%d9%85%d9%85%d9%83%d9%86%d8%8c-%d9%85%d8%b3
[معبر العريضة -الحدود السورية اللبنانية- 2016-5-12 - (غنوة يوسف/صباح الخير سوريا)].

أمتار قليلة تفصل الدركي اللبناني عن العسكري السوري. تصطف السيارات ذات اللوحات السورية في منتصف المنطقة وعشرات المسافرين يقفون خارجها متكئين على الأبواب المفتوحة، شاردين في أوراق يقلبونها مراراً وتكراراً.

تسأل سيدة سورية قادمة من طرطوس سائق سيارة الأجرة المرافق لها: “هل نسيت أي وثيقة؟ هويتي، بطاقتي النقابية، تأشيرة خروجي؟ هل سيطلب منّي أوراق أخرى؟”. يهز الأخير رأسه حائراً. “اتكلي على الله يا أختي”.

تقطع تشتتها إشارة الدركي لها بالدخول. تخطو خطوة إلى الأمام وفي يدها مصنف رمادي اللّون. تفتحه قبل أن تصل إلى موظف الهجرة اللبناني وكأنها تستعد للإجابة على أسئلته قبل أن يبدأ بطرحها: المكان، رقم الهاتف، العمل، الأيام، إلى أين؟ لماذا؟.

بالنسبة لهذه السيدة التي اعتادت الذهاب إلى لبنان لزيارة أقاربها المهجّرين هناك، فإن قرار الحكومة اللبنانية بإنهاء “سياسة الباب المفتوح” أمام السوريين جعل حياتها أكثر صعوبة، وهو قرار دخل حيز التطبيق في شهر كانون الثاني للعام 2015. فالجانب اللبناني يخشى من زيادة عدد النازحين السوريين المقيمين على أراضيه بعد أن فاق عددهم المليون و200 ألف نازح فضلا عن آلاف السوريين المقيمين في لبنان غير المسجلين لدى المنظمات الأممية.

“فرض القرار علينا شروطاً كثيرة لدخول لبنان” تقول، فقد صنّف السوريين إلى ست فئات محدداً لكل واحدة منها نوع إقامة محدد بحسب الأوراق الثبوتية التي بمقدورهم أن يبرزوها.

فمن يملك بطاقة نقابة كما هو حال هذه السيدة التي تعمل معلّمة في مدرسة إبتدائية يمنح إقامة شهر، ومن بحوزته حجز فندقي يمنح إقامة طيلة مدة الحجز، ومن لديه مراجعة طبية يمنح ثمانية وأربعون ساعة وهكذا.

إلا أن تطبيق القرار على الأرض كان مغايراً ويختلف من معبر لبناني إلى آخر وفق قواعد وقوانين “غير مكتوبة” يجهلها السوريين وحتى اللبنانيون أنفسهم.

من لحظة صعودنا إلى السيارة كنا لا ننفك نعيد على بعضنا ترتيب الحديث والأفكار التي يجب أن نقولها للضابط اللبناني.

فهذا المعبر مثلاً حيث كانت السيدة تقف، وهو معبر العريضة الواصل بين مدينتي طرابلس اللبنانية وطرطوس السورية، يعدّ من أكثر المعابر صعوبة في الاجتياز.

تقول السيدة الأربعينية وعلامات الاستياء والإرهاق واضحة على وجهها: “أفاجأ في كل مرة بورقة ثبوتية جديدة عليّ تقديمها لا تكون بالحسبان وغير مذكورة ضمن القرار. فحتى لو كانت كل أوراقي صحيحة فهذا لايمنع السلطات الحدودية اللبنانية من اختراع أسباب جديدة لمنعي من الدخول”.

وتضيف: “عندما أبرزت لموظف الهجرة اللبناني بطاقتي النقابية، طلب مني صورة عن موافقة جهتي الإدارية مبرراً موقفه بادعاء أنني ربما خرجت من سوريا بشكل غير نظامي”.

ورغم أن ختم الهجرة السوري كان واضحاً إلا أنه رفض الاستماع إليها بحسب قولها. وتتابع “اضطررت للانتظار ريثما أحصل على الصورة من دائرة الهجرة السورية. نظر إليّ الموظف شزراً وختم أربعة أيام فقط رغم أن القرار  يسمح لي بالدخول شهراً كاملاً”.

يواجه السوريين صعوبات كثيرة خاصة بعد فرض العقوبات على الحكومة السورية. فإغلاق السفارات والقنصليات لمعظم الدول في دمشق يضطرهم للسفر إلى لبنان ليتمكنوا من انجاز معاملات دراسة أو سفر أو إقامة بالخارج.

ريم (23 عاماً) ليست إلا واحدة من آلاف السوريين الذين عانوا كثيرا من أجل الوصول إلى السفارة الألمانية في بيروت. هي في السنة الأخيرة من دراستها للهندسة المعلوماتية ولأنها لا تملك بطاقة نقابة فإن فرصتها في متابعة الدراسة في الخارج ضاعت عليها بحسب وصفها. “تأخرت عن الخروج من لبنان لمدة ست ساعات فمنعوني من الدخول مجدداً لمدة سنة كاملة وهو ما كلفني الكثير”.

لا يتوقف الأمر عند ذلك الحد. تتابع هبة (25 عاماً) التي كانت تقف هي الأخرى على المعبر. “باعتباري فتاة يتقصدون أحياناً قول كلمات محرجة أو نابية أمامي. أشعر بالكثير من الذل رغم أنني لا اسافر الى لبنان كلاجئة وإنما لأقضي عملي وأعود”.

معظم السوريين يفضلون معبر المصنع بدلاً عن هذا المعبر، ويتوجهون إليه عن طريق منطقة جديدة يابوس السورية القريبة من دمشق، باعتباره أكبر المعابر وأيسرها في التعامل، فمن خلاله تستطيع الدخول إلى لبنان طالما بحوزتك أوراق ثبوتية.

لكنه بالنسبة للسوريين القادمين من محافظات بعيدة عن العاصمة دمشق يسبب عناءً مضاعفاً في السفر واجتياز نقاط التفتيش فضلا عن المصاريف الإضافية.

يقول زياد، طبيب الأسنان السوري، إن العبور من نقطة المصنع تخضع لمزاجية الضابط اللبناني المسؤول. “توجهت إلى معبر المصنع مع زميلتي وكلانا كان بحوزته حجز فندقي ودعوة  لحضور ورشة عمل بحث علمي. الضابط سمح لصديقتي بالمرور بينما أبقاني أنا خارجاً دون أن يذكر حتى ولو سبب واحد. كان يردد قائلا: لم يعجبني مظهرك”.

ويتابع زياد: “اضطررت إلى أن أنتظر خمس ساعات حتى تنتهي مناوبة الضابط لأعيد المحاولة مرة أخرى والتي تكللت بالنجاح”.

ليس معبر الدبوسية (العبودية من الجانب اللبناني) بأسهل ولا بأصعب، بل يقف على الحياد من المعبرين رغم المعاملة الجيدة التي يعامل بها السوريين بحسب وصف العديد منهم. إلا أنه “لابد لك من هندام أنيق وأسلوب وحتى ستراتيجية للحديث” بحسب مريم (34 عاماً).

تخبرنا هذه السيدة التي تعمل موظفة في جمعية تنموية عن تجربتها فتقول: “اخترت أنا وزملائي معبر الدبوسية باعتباره أفضل من العريضة رغم أنه أبعد. ومن لحظة صعودنا إلى السيارة كنا لا ننفك نعيد على بعضنا ترتيب الحديث والأفكار التي يجب أن نقولها للضابط اللبناني”. وأضافت “كل ذلك لا يعني أننا سندخل الى لبنان بسهولة، فالأمر يتوقف على الضابط الموجود ومزاجيته”.

المشترك بين هذه المعابر الثلاث بحسب سوريين قابلناهم خلال إعداد هذا التقرير، أن المسافر  يحتاج في كل مرة للقيام “باستطلاع رأي” يشمل جميع أصدقائه ومعارفه الذين سافروا مؤخراً، بل حتى سائقي السيارات. وتقول مريم” “الجواب عموما يكون على النحو التالي: الدبوسية حسب الضابط، العريضة مستحيل، المصنع ممكن لكن يتوقف على ما لديك من ثبوتيات!”.