الموظفون الحكوميون: أي مصير ينتظرهم؟

تعدّ الوظائف الحكومية موردا أساسياً للكثير من العوائل في محافظة الحسكة. ومع أنّ الرواتب التي يتقاضاها الموظفون لا تتجاوز قيمتها المئة دولار أمريكي إلا أنّها تشكل حدا أدنى من الضمانة لهم.

%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%b8%d9%81%d9%88%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d9%83%d9%88%d9%85%d9%8a%d9%88%d9%86-%d8%a3%d9%8a-%d9%85%d8%b5%d9%8a%d8%b1-%d9%8a%d9%86%d8%aa%d8%b8%d8%b1%d9%87%d9%85%d8%9f
الارشادية الزراعية في القامشلي-الحسكة-2/7/2017-[(صباح الخير سوريا/عباس علي موسى)]

تعدّ الوظائف الحكومية موردا أساسياً للكثير من العوائل في محافظة الحسكة. ومع أنّ الرواتب التي يتقاضاها الموظفون لا تتجاوز قيمتها المئة دولار أمريكي إلا أنّها تشكل حدا أدنى من الضمانة لهم.

وتشير دراسة للمحلل الاقتصادي محمد شفيق شاهرلي بعنوان “لماذا يفضل السوريون العمل بالقطاع العام أكثر؟ “

إلى أنّ الموظف في القطاع الخاص يعمل دون أي ضمانات مستقبلية، في حين أن القطاع العام يؤمن للموظفين الاستمرارية في العمل مع الكثير من الضمانات كالتأمين الصحي والراتب التقاعدي، وغير ذلك من الحوافز والبدلات.

لكن الحكومة السورية ومع اندلاع الاحتجاجات وتوقف عجلة الاقتصاد وانخفاض قيمة الليرة السورية قامت بالتضييق على الموظفين في الحسكة ومحافظات أخرى بحسب تصريحات عدد منهم. فكانت قرارات سوق الموظفين الشباب إلى الخدمة الإلزامية أو إلى الخدمة الاحتياطية، أو مطالبتهم بجلب ورقة من التجنيد تثبت إعفاءهم من الخدمة، وهو ما حدا بالكثيرين منهم إلى ترك الوظيفة والهجرة إلى خارج البلاد.

فلقد عمد النظام إلى إعلان ما يُسمّى بـ “فصائل الحماية الذاتية” في مختلف المحافظات السورية ومنها الحسكة في العام 2016 برعاية حزب البعث، لتكون في الخطوط الخلفية لقواته، عناصرها من الموظفين في المؤسسات بحسب ما صرّح محافظ الحسكة محمد الزعّال لجريدة الوطن “المقربة من النظام” عقب تخريج الدفعة الأولى من هذه القوات.

يقول المهندس محمد سعد (35 عاما) من مدينة الحسكة وكان موظّفا في قطاع الزراعة: “لقد تركت الوظيفة بعد ستة أعوام، وذلك بعد أن كان اسمي مدرجاً في قوائم المطلوبين للاحتياط”.

ملاحقات أمنية

يعتمد أبناء محافظة الحسكة على الزراعة، لذا فإن عدد الموظفين أقل مما هو عليه المحافظات السورية الأخرى. ففي قطاع التربية مثلا بلغ عدد الموظفين 24 ألف فقط في العام 2012، وقد ترك الكثير منهم الوظيفة في السنوات الأخيرة خوفاً من السوق إلى الخدمة الإلزامية أو بسبب الملاحقة الأمنية.

يقول حسين زيدو (48 عاما): “عملت في سلك التعليم لمدة 11 عاما، وفي نهايات العام 2011 تم فصلي من السلك التدريسي لأسباب أمنية”. وحال زيدو هو حال كثيرين في القطاعات الأخرى والذين فصلوا لخروجهم في مظاهرات أو لممارساتهم لأنشطة سياسية.

ويضيف زيدو في هذا السياق أنّ موظفين كثر طلبوا ما يُسمّى بـ “التقاعد المبكّر” نتيجة الضغوط والمضايقات الأمنية التي يتعرّضون لها.

ويقدر عدد السوريين من هم تحت خط الفقر بحوالي 85% من السكان وفق تقديرات الأمم المتحدة

في الثاني من شهر أيار الماضي تم الإعلان عن استقبال أوراق لتثبيت عقود الموظفين. ومن أصل ألفي موظف عقود في قطاع التربية قدم حوالي 780 فقط أوراقه لتثبيت عقده بحسب ما صرح أحد الموظفين في مديرية التربية طلب عدم الكشف عن اسمه. ويعود السبب كما أكّد لنا المصدر إلى تخوّف الشباب خاصة من السوق إلى الخدمة أو الاحتياط، أو دورات الدفاع الذاتي، حيث أنّهم وفي حال رفضهم، يُحرمون من العقد ولن يتم تثبيتهم أيضاً. كما أنّ دائرة الشؤون الاجتماعية بحسب المصدر نفسه لم تكن تمنح وثيقة قيد العمل أو تتأخر في منحها ما حرم البعض من فرصة التقديم.

هل زاد عدد الموظفين أم نقص؟

في العام 2014 كشف رئيس مجلس الوزراء السابق وائل الحلقي أنّ عدد العاملين في القطاع العام وصل إلى 2.5 مليون عامل، فيما بلغ عدد الموظفين المدنيين في العام 2011 ما يقارب مليوناً و360 ألفاً بحسب الأرقام الصادرة عن المكتب المركزي للإحصاء. وبين تصريح الحلقي وأرقام مكتب الإحصاء ثمة زيادة ملحوظة في أعداد الموظفين تنوف عن المليون ومئة ألف موظف.

ويفسّر المحلل الاقتصادي جهاد اليازجي هذا الارتفاع في الأرقام بقوله “يمكن أن يكون هناك تفسير للأمر، وهو أن الحكومة قد أدرجت القوات المسلحة ضمن أرقامها المذكورة تلك”.

بينما يرى الكاتب هشام علي أنّ “حكومة النظام تلجأ بالفعل إلى توظيف الكثير من الموظفين بعقود مؤقتة والبعض بعقود الدائمة لتوحي للرأي العام بانخفاض نسبة البطالة التي تقارب الـ 60 بالمئة حالياً في حين كانت تبلغ حوالي 15 بالمئة قبل سبعة أعوام”.

نشرب الشاي والقهوة

يخضع المربع الأمني في مركز محافظة حسكة ومركز مدينة قامشلي إلى سيطرة النظام فيما تسيّر الإدارة الذاتية الديمقراطية المعلنة في 2014 الأمور الإدارية والخدمية في المحافظة ولها موظفون وهيئات إدارية.

هذا الواقع حدا بالكثير من المديريات والمكاتب إلى التوقف عن العمل. ففي قطاع التربية مثلاً، وبعد إصدار الإدارة الذاتية مناهج جديدة أوقفت وزارة التربية السورية التدريس في بعض المدارس. إلا أن المعلمين ما زالوا يحصلون على مرتباتهم “لكي يوصل النظام رسالة مفادها أنّه يحكم على الأرض” بحسب الموظف السابق حسين زيدو.

وتتكدّس المكاتب الإدارية التابعة لحكومة النظام بالموظفين، ففي إرشادية القامشلي الزراعية تقول المهندسة سوز يونس “إنّنا لا نعمل هنا بل نجلس ونثرثر ونحتسي القهوة والشاي!”.

وفي مدن أخرى مثل ديريك وعامودا حيث لم يعد يوجد مكاتب أو هيئات إدارية حكومية تم نقل الموظفين إلى مدن القامشلي والحسكة أو الأرياف التي لا تزال خاضعة لسيطرة النظام دون أن يكون لديهم أية مهمات فعلية في مقارّ عملهم الجديدة.

فوبيا قطع الراتب

تلجأ مؤسسات النظام إلى طلب بصمة الإبهام عند قبض الراتب، وتطلب من الرجال ورقة من شعبة التجنيد كل شهرين أو ثلاثة للتأكد من أنهم غير مطلوبين للخدمة الاحتياطية أو لمعسكرات “الدفاع الذاتي”.

غير أن معظمهم مازال متمسكاً بوظيفته رغم هذه التشديدات الأمنية ورغم شحّة المرتبات، بل إن بعض المطلوبين لدورات الدفاع الذاتي يدفع رشى تفوق حجم مرتبه بأضعاف لتسوية وضعه والبقاء في وظيفته.

ويقدر عدد السوريين من هم تحت خط الفقر بحوالي 85% من السكان وفق تقديرات الأمم المتحدة، والمعتمدة على معيار خط الفقر العالمي المحدد بـ 1.9 دولار يوميا للفرد.  

ويعدّ الموظفون الحكوميون الذين يتقاضون حوالي 70 دولارا من أكثر الفئات غبناً، إذ يضطر معظمهم إلى العمل بدوامين أو بعملين حتى يستطيع أن يؤمن لقمة عيشه، وبعضهم يعتمد كلياً على حوالات تأتيه من الخارج، إذ أنّ محافظة الحسكة شهدت موجات هجرة كبيرة في العقود الماضية.

وبحسب “جمعية الاقتصاديين الكرد في سوريا “ فإنّ “الحوالات الخارجية تأتي من الأقرباء المقيمين في دول الجوار، في تركيا وكردستان العراق، أو من أوروبا، وهو ما يعين المواطنين في مصاريفهم التي تبلغ أكثر من 350 دولاراً شهرياً وسطياً”.

وتقول الموظفة سوز يونس إن الموظفين الحكوميين على قلّتهم في محافظة حسكة غير مستقرين تماما، “يجهلون مستقبلهم، يشغلهم الخوف الدائم من توقف الراتب أو فقدان الوظيفة ويبقى مستقبلهم كمستقبل الكثير من القطاعات في سوريا مرهوناً بالحالة السورية عامةً”.

عباس علي موسى