المياه الساخنة تعود إلى حمّام أعزاز الأثري بعد خمسين عاماً

” حمام اعزاز الأثري يعود بأجواء تراثية ليصبح متنفسا لسكان اعزاز وحلا يلجا اليه النازحون الى المدينة من المناطق الأخرى. “

%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%8a%d8%a7%d9%87-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%a7%d8%ae%d9%86%d8%a9-%d8%aa%d8%b9%d9%88%d8%af-%d8%a5%d9%84%d9%89-%d8%ad%d9%85%d9%91%d8%a7%d9%85-%d8%a3%d8%b9%d8%b2%d8%a7%d8%b2-%d8%a7%d9%84
[ساحة الجلوس في حمام اعزاز- ريف حلب الشمالي -11-2-2017(احمد محلي/صباح الخير سوريا)]

(سوريا-ريف حلب الشمالي)بعد أكثر من خمسة عقود على إغلاقه عاد الحمام الوحيد في ريف حلب الشمالي إلى نشاطه السابق ليستقبل الزوار في يوم ترفيهي بامتياز تتخلله حفلات أعراس ولقاءات بين الأصحاب.

ويقع هذا الحمام في مدينة أعزاز قريبا من الحدود مع تركيا، ويعود تاريخ إنشائه إلى عام 1932، لكنه أغلق مغلقاً طوال العقود الماضية إلى أن أعيد ترميمه أواخر العام 2016.

سمعو دربالة، من أهالي مدينة أعزاز أشرف على ترميم الحمام وإعادة تأهيله. كان حبه للحمامات الأثرية التي كان يرتادها في حلب من أهم دوافعه لافتتاح حمام أعزاز. “لطالما تمنيت أن أعيد الروح إلى هذا المكان المغلق ليكون منافسا لحمامات حلب الشهيرة..وحالما توافرت لدي الإمكانيات المادية فعلتها أخيراً”.

تعود ملكية الحمام إلى عائلة الجدوع وهم من أهالي مدينة أعزاز الذين حاولوا ترميمه في الماضي إلا أن مديرية الآثار منعتهم من ذلك ثم أصدرت أمراً بإغلاقه. يقول دربالة “كانت ذريعة المديرية آنذاك أن المبنى أثري يخضع لحماية الدولة ولا يسمح لنا بالعبث به أو إجراء أي تغييرات عليه، لكنها لم تقم هي نفسها بترميمه واستثماره فبقي مغلقاً طوال هذه السنوات”.

شحة المياه في مدينة أعزاز وانقطاعها المستمر دفعت دربالة -الذي استثمر الحمّام من أصحابه- إلى حفر بئر مياه خاص بالحمام إضافة إلى إصلاحات أخرى كان عليه القيام بها. “كان ركام الحجارة والأتربة يملأ أرض الحمام، وكانت بعض الجدران منهارة، فاستغرق منا الأمر أكثر من ثلاثة أشهر من العمل حتى تم الترميم بشكل كامل”.

يقع الحمام في مركز مدينة أعزاز بالقرب من السوق القديم ويتربع على مساحة 500 متر مربع ويتألف من عدة أقسام، يتنقل الزبون من قسم إلى آخر بالترتيب.

وأصبح حمام أعزاز الأثري من الأماكن الترفيهية لسكان مناطق ريف حلب الشمالي، حيث يجتمع فيه الأصحاب وتقام فيه الأعراس في إحياء لعادة اصطحاب العريس إلى حمام السوق.

ففي المرحلة الأولى يدخل الزبون إلى بيت النار وهو أشبه بغرفة “ساونا” مصنوعة من الخشب ومغلقة بإحكام، تحوي على جهاز بخار مؤلف من سخانة عليها أحجار صوان، وعلى ساعة رملية وجهاز قياس الحرارة التي قد تصل إلى 60 درجة مئوية. ويتم زيادة البخار عن طريق سكب الماء على الحجارة الموجودة على السخانة.

بعدها ينتقل الزبون إلى غرف الحمّامات الفردية التي تحتوي على أجران حجرية وطاسات نحاسية وصنابير مياه ساخنة. وبعد الساونا والحمام الفردي يتوجه الزبون إلى قسم التدليك والتكييس حيث يقوم المكيس (ابو عبدو) بتدليك جسم الزبون بليفة الحمام المعروفة في حلب وريفها. وتختتم مراحل الحمام في ساحة الجلوس العربية، حيث يستطيع الزبون الاستراحة فيها وتناول الطعام واحتساء المشروبات.

يعمل دربالة على استحضار كل طقوس الحمام العربي في هذا المكان. “اشترينا بعض القباقيب (الأحذية) الخشبية وصنعنا بعضها لأن الكمية لم تكن كافية، واشترينا طاسات نحاسية وأجران حجرية كي تكون المعدّات متناسقة مع طبيعة المكان الأثرية”.

وأصبح حمام أعزاز الأثري من الأماكن الترفيهية لسكان مناطق ريف حلب الشمالي، حيث يجتمع فيه الأصحاب وتقام فيه الأعراس في إحياء لعادة اصطحاب العريس إلى حمام السوق.

كما يقوم الأصحاب بالذهاب إلى الحمام من أجل نسيان الأوضاع الأمنية والمعيشية الصعبة بحسب سيف الحمصي احد مرتادي الحمام الذي يقول: “نحن نأتي إلى الحمام كل فترة من أجل كسر روتين الحياة اليومية هنا والترفيه عن أنفسنا، كما نجد فيه فسحة من الراحة والاسترخاء التي تذكرنا بالأيام الجميلة الماضية”.

و حمام أعزاز الأثري هو الوحيد الموجود في مناطق ريف حلب الشمالي، وهو جزء من المدينة القديمة في أعزاز والتي تتألف من السوق القديمة وقلعة أعزاز والمسجلة ضمن التراث العالمي.

وتشير أحاديث العائلة التي تملك المبنى إلى أن رجلاً من حلب يدعى أبو بكري بناه على الطريقة العثمانية بقبة كبيرة تتوسط سقفه وقباب أخرى صغيرة تحيط بها و ساحة جلوس واسعة تتوسطها بحرة وكان يضم في الماضي قسم للرجال وقسم للنساء تم دمجهما الآن ليصبحوا قسما واحداً للرجال فقط.

ويشهد الحمام إقبالاً كبيرًا من السكان المحليين إضافة إلى القادمين من العراق وريف حلب الشرقي حيث تعتبر مدينة أعزاز مركز نزوح لقربها من معبر “بوابة السلامة” على الحدود التركية السورية. وبحسب دربالة فإن “النازحين هم من أبرز مرتادي الحمام إذ لا يكاد يمر يوم دون قدوم العشرات منهم”.

محمد أورغلي من مدينة تلعفر العراقية نزح وعائلته إلى مدينة أعزاز، وتوجه إلى مركز الإيواء في المدينة ووجد في الحمام حلاً لأحد مشاكل المركز. “مركز الإيواء في أعزاز لا يحوي حمامات للرجال فوجدنا فصرنا نستحم هنا في حمام أعزاز الأثري”.

وتفتقر المناطق التي تسيطر عليها المعارضة السورية في الشمال السوري إلى مرافق سياحية ومرافق للاصطياف نظراً للوضع الأمني.

وكانت تتعرض سابقا لقصف طائرات النظام والسيارات المفخخة من تنظيم داعش ما جعلها في حالة توتر دائم منعت أصحاب الأموال من الإستثمار فيها. وبحسب باسل حمدان من الإدارة المالية التابعة للمجلس المحلي لمدينة أعزاز فإن “الكثير من رؤوس الأموال تفضل العمل في التجارة العاجلة أي التي تمكن صاحبها من سحب أمواله بشكل سريع عند وقوع أي حدث”.

ويبدو حمدان نفسه سعيدا بإعادة افتتاح الحمام الأثري ويرى أن “على رؤوس الأموال المحلية الاستثمار في السياحة والترفيه وكافة المجالات الأخرى كي يعود الأهالي إلى ممارسة حياتهم على نحو طبيعي”.