النازحون في إدلب: هربنا من النار إلى الصقيع

” خرجت فاطمة وعائلتها من حلب المحاصرة بحثا عن الامان والدفء لكنها لم تجد ما كانت تحلم به. “

%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%a7%d8%b2%d8%ad%d9%88%d9%86-%d9%81%d9%8a-%d8%a5%d8%af%d9%84%d8%a8-%d9%87%d8%b1%d8%a8%d9%86%d8%a7-%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%a7%d8%b1-%d8%a5%d9%84%d9%89-%d8%a7%d9%84%d8%b5
[نازحين من حلب في المخيمات-ادلب-24-12-2016(احمد رحال/صباح الخير سوريا)]

لم يخطر في بال الطفلة فاطمة أنها ستجد الصقيع ينتظرها وعائلتها بعد خلاصهم من جحيم النار في أحياء حلب الشرقية. كانت فاطمة (11 عاماً) تظن أن منزلاً كمنزل أبويها ينتظرها في إدلب، وأنه “سيكون دافئاً آمناً جميلاً ولا تطاله الصواريخ والقنابل”، كانت تصفه وهي مغمضة عينيها وكأنها في حلم.

بعد سيطرة قوات المعارضة السورية على مركز محافظة إدلب في آذار من عام 2015، أصبحت مدينة إدلب في شمالي سوريا (جنوب غرب مدينة حلب) وجهة إجبارية للمهجرين من المدن والبلدات السورية كالهامة وقدسيا وداريّا والزبداني ومضايا، وأخيراً حلب، وفق اتفاقات الإجلاء التي تفرضها قوات النظام على الأهالي، مقابل فك الحصار وإيقاف القصف.

بعد وصول فاطمة وعائلتها إلى إدلب، لم تجد إلا خيمة بلاستيكية تميل بها الرياح وتغمرها الثلوج، خيمة محاطة بأدخنة النار التي أشعلها رفاق النزوح في ساحات المخيم الجديد، حتى لا تدفنهم الثلوج المُكوّمة.

تسأل فاطمة أبويها عن المدرسة مستعجلة الذهاب إليها، بينما ترفض أختها الصغرى ياسمين (7 سنوات) هذا الحال الجديد. تقول ياسمين:” هون برد كتير..حلب أحلى، بدي ارجع على حلب”.

بعد وصول فاطمة وعائلتها إلى إدلب، لم تجد إلا خيمة بلاستيكية تميل بها الرياح وتغمرها الثلوج، خيمة محاطة بأدخنة النار التي أشعلها رفاق النزوح في ساحات المخيم الجديد، حتى لا تدفنهم الثلوج المُكوّمة.

ويشتكي أغلب من نزحوا إلى إدلب مؤخراً من شحة الوقود ومواد التدفئة، فقد شهدت مناطق شمالي سوريا انخفاضا حادا في درجات الحرارة وعواصف ثلجية دفعت الأهالي إلى الاستعانة بالوسائل التقليدية كالخشب وحرق بقايا مواد بلاستيكية للتدفئة والطهو.

ولم تتمكن معظم العائلات المهجّرة من تأمين سكن يناسب حاجتها في ظل غلاء الأسعار وارتفاع أجرة البيوت. إذ وصلت أجرة المنزل المؤلف من غرفة واحدة ومنتفعاتها إلى ما يزيد عن 50 ألف ليرة سورية (حوالي 230 دولار أمريكي) و75 ألف (350 دولار أمريكي) في حال كان المنزل مكون من غرفتين، وهذا ما شكل أزمة حقيقية للأسر الحلبية المُهجرة.

تقول السيدة أم مهند والدة فاطمة وياسمين: “أعطتنا المنظمات الاغاثية العاملة هنا بطانيات  شتوية للأطفال، وفرشاً للنوم، لكن الخيام هنا شديدة البرودة، ولا تصلح للسكن في هذا الصقيع ووسط أطنان الثلوج”. تبكي أم مهند بحرقة: “وين نروح بحالنا..ايش نعمل يا الله”.

خرج من أحياء حلب الشرقية أكثر من 44 ألف مُهجر، توزع القسم الأكبر منهم على مدن وقرى ريف إدلب، ما جعل المنظمات والجمعيات الإغاثية المحلية والدولية الناشطة في إدلب، أمام مهمة صعبة وتحديات كبيرة، لمساعدة الأعداد الكبيرة الهاربة من الحصار.

وكما يُعاني الناس، تعاني المنظمات نفسها من شح الإمكانات قياساً  مع حجم الأزمة بعد أن أصبحت إدلب “منفىً كبيراً للنازحين” كما تصفه  أم مهند.

“محمد كركص” أحد العاملين في منظمة “كرم” الإغاثية يقول: “قمنا بحملة كبيرة استهدفت معظم النازحين في المخيمات والذين أقاموا عند أقاربهم، ووزعنا عليهم أغطية شتوية وسلال غذائية، ومجموعة من الأدوية الضرورية لأمراض الأطفال، واستأجرنا مجموعة منازل لبعض العائلات التي تعاني من أحول مادية صعبة، بالإضافة إلى توزيع مبالغ مالية كإعانة بسيطة لمساعدة المحتاجين”. لكنه  يستدرك بالقول: “هذا مع الأسف لا يكفي”.

فرغم كل الجهود المبذولة، تتفق الهيئات والمنظمات الإغاثية على أن تأثير هذه النشاطات يبقى محدوداً، ويتابع كركص “يجب أن تتوفر حلول جدية وعلى مستوى دولي لحل مشكلة الرعاية الصحية، وكذلك أزمة السكن التي تعد المشكلة الأكثر إلحاحاً في الوقت الحالي”.

وتتخوف المنظمات والجمعيات المعنية بشؤون اللاجئين والنازحين من إصرار النظام على عملياته العسكرية في منطقة وادي بردى، حيث أفاد ناشطون محليون بريف دمشق، أن النظام عرض على أهالي منطقتي عين الفيجة ووادي بردى الخروج باتجاه مدينة إدلب، على غرار الاتفاقات السابقة، وهذا ما شأنه أن يفاقم المشكلة الإنسانية في محافظة إدلب ويهدد بحصول كارثة إنسانية قد تُزهق فيها أرواح كثيرة.