الوثائق والحلول الأوربية لسوريا: السراب الدائم

حتى لو جرى توافق أو عدم توافق دولي وإقليمي على هذه الوثيقة، فأن القوى المُتصارعة على الأرض سيكون لها تحفظات كثيرة على مضمونها الذي يبدو وكأنها يسعى لل”المُناصفة” أكثر مما يسعى للتوافق.

%d8%a7%d9%84%d9%88%d8%ab%d8%a7%d8%a6%d9%82-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%ad%d9%84%d9%88%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%88%d8%b1%d8%a8%d9%8a%d8%a9-%d9%84%d8%b3%d9%88%d8%b1%d9%8a%d8%a7-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%b1

رستم محمود

اقترح المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية ورقة جديدة حول سوريا، تُطالب بتقليص صلاحيات السلطة المركزية في دمشق، مقابل تعزيز المجالس المحلية وسُلطات الأقاليم، معتبراً بأن هذا المفهوم عن سوريا سيعزز الحلول السياسية التي قد تحفظ وقف إطلاق النار.

المجلس الأوروبي سمى تقريره ب” لإنهاء حرب: دور أوروبا في إحلال السلام في سوريا”، وحسب مُقتطفات نشرتها جريدة الشرق الأوسط، فأن الورقة تذهب للمجادلة ب”قبول شهوة النظام لطموحات سياسية، وشرعية الحكومة المركزية على جميع أرجاء الأراضي السورية مقابل الموافقة على اتفاقات لنقل السلطات إلى مستويات محلية، بما في ذلك الترتيبات الأمنية داخل المناطق المتبقية تحت سيطرة المعارضة. قد يشعر النظام بالثقة، وقد يطمح نحو تحقيق غزو شامل لمناطق نفوذ المعارضة. لكنه سيواجه عقبات، منها واقع مناطق النفوذ المتنوعة المدعومة من دول أجنبية، ما يعني أنه يتحتم عليه القبول بنصر أقل”.

جاءت هذه الورقة الأوربية كتتمة للوثيقة الأوربية حول سوريا، التي “سُربت” نهاية العام الماضي، والتي خُطت من قِبل مسؤولة الشؤون الخارجية الأوروبية فيدريكا موغيريني، وناقشتها خلال جولتها الإقليمية وقتئذ، وسلمت نُسخة منها لرئاسة الائتلاف السوري المُعارض، وكان يُمكن تصنيفها كأول محاولة من قِبل القوى العالمية لإيجاد مسار جديد في المسألة السورية، خارج الخطاب الفوقي الداعي إلى وقف العُنف وبناء حوار داخلي سوري برعاية أُممية، ودون أن يصل لأية نتيجة.

الوثيقة الأوربية تلك كانت ترى “الحل السوري يكمنُ “في إقامة نظام سياسي يخضع للمُساءلة، ويقوم على اللامركزية، مع ربط المُساهمة الأوربية في عملية إعادة الإعمار بـ”بدء تنفيذ الانتقال السياسي” وخلقِ ضماناتٍ أو حصصاً مناسبة لتمثيل النساء والأقليات في المجتمع السوري السُلطة والعملية السياسية مُستقبلاً، أقليات مثل الأكراد والعلويين والمسيحيين.

الفاصل الواضح بين أن تكون هذه الوثيقة مثل غيرها من الوثائق الانشائية الكثيرة، التي طُرحت من قِبل مراكز البحوث والمؤسسات المعرفية والمُستشارين السياسيين، أو أن تكون وثيقة سياسية متينة، يُنبى عليها ومعها سياق سياسي سوري وإقليمي جديد، مبني على أربعة عوامل، مُساهمة ومُتفاعلة فيما بينها، يسعى كُل عامل منها لدفع هذه الوثيقة بأحد الاتجاهين القُطبيين المذكورين.

***

تبدو جدية القوى الدولية أهم عاملٍ في هذا المنحى، وبالذات موقف الإدارة الأمريكية الجديدة. فإذا كان الرئيس الأمريكي المُنتخب دونالد ترامب ينتقد سلفه أوباما على سوء إدارته للنفوذ الأمريكي في القضايا الدولية، فأنه بالمقابل يخلق لوحة ضبابية حول مزيجٍ من الانخراط الكثيف المناهض للحركات الأصولية في منطقتنا، مع رغبة جمة في خلق توافق سياسي مع القوى المُناهضة للسياسة الأمريكية في سوريا، بالذات روسيا والنِظام السوري.

 أن هذا المزيج الغامض يبدو وكأنه سينفي تماماً أية إمكانية لأن ترى مشاريع كالوثيقة الأوربية النور، لأنها أساساً قائمة على التوافق بين القوى المحلية الفعلية المُتصارعة على الأرض، بينما لم تبدر من الإدارة الأمريكية أية اشارات حتى حول اعترافها بوجود مثل تلك القوى في جبهة المُعارضة السورية. فحتى التنظيمات السورية المُسلحة الأكثر اعتدالاً، التي كانت تتلقى دعماً عسكرية أمريكياً نسبياً، فأن الإدارة الجديدة تُصرح بأنها ستوقف أي شكلٍ من ذلك الدعم. بمعنى ما فأن هذه القراءة تبدو مُناسبة جداً لما تراه روسيا والنِظام السوري، اللذان يُصران على وجود طرفين فحسب في المعادلة السورية، النِظام السوري الذي يُمثل الدولة والشرعية، القوى المُسلحة المُتطابقة فيما بينها، التي تراها فقط كقوى “إرهابية”.

ثمة مدخلان غير قليلان يُمكن أن يُخففا من قُدر هذه القراءة “التشاؤمية”. يتعلق الأول بمدى تأثير تشكيلة الشخصيات البارزة في الإدارة الأمريكية على خطاب وخيارات الرئيس المُنتخب، وقُدرتها على “إفهام” الرئيس بأن هذا المنحى سيؤثر على المصالح بعيدة المدى للولايات المُتحدة، على نفوذها وثقة حُلفائها المحليين بها. العُنصر الآخر يتعلق بردة فعل الدول الإقليمية، وبالذات دول الخليج العربي، ومدى قُدرتها وقرارها بالخروج من مظلة التحفظات الأمريكية لدعمها لقوى المُعارضة السورية، والتي فيما لو حدثت، فأن استسلاماً قريباً للقوى المُسلحة المُعارضة السورية لن يكون متوقعاً، وبالتالي فأن روسيا والنِظام السوري لن ترتاح لقدرة آلتهما العسكرية على فعل كُل شيء، وبالتالي سيدفع لأن ترى المشاريع التوافقية التي كالوثيقة الأوربية حظاً أوفر.

***

على أنه حتى لو جرى توافق أو عدم توافق دولي وإقليمي على هذه الوثيقة، فأن القوى المُتصارعة على الأرض سيكون لها تحفظات كثيرة على مضمونها الذي يبدو وكأنها يسعى لل”المُناصفة” أكثر مما يسعى للتوافق.

بُنية الوثيقة/المشروع قائمة على مخيلة ترى في سوريا مجموعتين سُكانيتين، واحدة تمُثل الأغلبية العربية السُنية، وأخرى تجمع الأقليات الأثنية والطائفية والدينية، ومعهم المنتمون للخيارات الاجتماعية والسياسية المدنية؛ وتسعى لأن تقول بأن التوافق يجب أن يقوم على خلق نِظام سياسي مُستقبلي يوازن ويناصف الجماعتين المذكورتين.

الغريب أن ذلك لا يُرضي تماماً كِلا القوتين السياسيتين والعسكريتين التي تُمثل نسبياً كِلا الطرفين.

فالنظام السوري مازال يُمني نفسه بالقُدرة على الهيمنة العسكرية على كامل البِلاد، بمُساعدة الدول الحليفة والميليشيات الإقليمية، وأن يخلق نِظاماً سياسياً مُطابقاً لما كان في سوريا لقُرابة نصف قرن. يكون النِظام بتشكيلته مركزاً له، ويمنح بعض العطايا السياسية والشكلية لباقي طبقات وتشكيلات المُجتمع السوري، الذين يجب أن تبقى اشكال سُلطتهم على الدوام ممنوحة من قِبل النِظام، وأن يكون هذا الأخير قادراً على سحبها وتعكيرها وتغيرها دوماً، شيء مُطابقٌ لما كان يفعله عبر الجبهة الوطنية التقدمية والبرلمان السوري لنصف قرن.

يعتقد النِظام السوري بأن ذلك مُمكن أكثر من أي وقتٍ مضى من عُمر الثورة السورية، لذا فأن أية التفاتة لمثل الوثيقة الأوربية، قد تمنح القوى المُعارضة مزيداً من الطاقة للاستمرار في مُقاومتها، التي يتوقع أن تنهار عقب مواجهتها لخيارات الإدارة الأمريكية الجديدة.

المُعارضون السوريون، خصوصاً الإسلاميون منهم، يبدون أكثر قابلية لمناقشة الوثيقة الأوربية، لكن من مبدأ الاستخدام المرحلي لها. فهم يستشعرون المزيد من الضعف في حالة توازنهم مع النِظام السوري، ويعتقدون بأن المزيد من وضع النِظام السوري تحت المظلات الدولية سيُضعف موقفه الذي يستقوي باحتكاره للشرعية في سوريا. لكن ضمناً فأن أي منهم لا يقبل بالطروحات غير المركزية والتي يُمكن أن تُحاصص السُلطة المُستقبلية في البلاد، لأنهم في العُمق يؤمنون بأن الأغلبية السُكانية للعرب السُنة السوريين، يُمكن ويجب أن تنعكس كأغلبية سياسية حاكمة للبلاد مُستقبلاً، أما بشكلٍ كُلي، أو بنسبية غالبة ومُطابقة لهذه الأغلبية السُكانية.

***

 العامل الثالث يتعلق بالخصائص الجغرافية والديموغرافية السورية، التي تبدو بالغة التعقيد، ومُخالفة تماماً للعُرف التقليدي للدول التي يُتقاسم فيها الحُكم في منطقتنا، بالذات لُبنان والعراق، حيث الجماعات المركزية الثلاث مُتناسباً ديمُغرافياً فيما بينها، سواء الموارنة والسُنة والشيعة في لُبنان، أو الشيعة والسُنة والكُرد في العراق. ومن حيث أن هذه الجماعات الثلاثة يتطابق فيها القوتان الديموغرافية والسياسية.

في سوريا ثمة جماعة أغلبية واضحة تماماً، تُشكل حوالي ثلاثة أرباع السُكان، لكنها بالمقابل “قزمة سياسياً”، لعامل مركزي بتعلق بتحطيم النِظام السياسي لها لقُرابة نصف قرن، وأغراء الطبقات الأكثر تعليماً ويُسراً منها بالولاء والتحالف معه، ولسيطرة التيارات الإسلامية بأكثر اشكالها سلفية على حضورها وتعبيرها السياسي.

بهذا المنحى، فإذا كان ثمة خلل جوهري عدم التوازن الديموغرافي بين المكونات السورية، فأنه بالمقابل ثمة خلل سياسي بينمُهما، وبين الخللين يصعُبُ تماماً خلق التوازن المُفترض في الوثيقة الأوربية.

كما أن هذه اللامركزية السياسية السورية المُفترضة تلقى رفضاً جوهرياً من قِبل تُركيا، التي تراه مساً بأمنها القومي، ومن كِلا المسألتين الجوهريتين بالنسبة لها، الكُردية والعلوية. والتأثير التُركي لا يتأتى فقط من دور تُركيا الإقليمي والدولي في إعاقة تنفيذ مثل هذه الوثيقة، بل من مدى هيمنتها على طيف واسع من المعارضين السوريين، الذين قد يُعكرون هكذا توافق.

آخر العناصر في الديموغرافية السورية يتعلق بمدى تداخل المُجتمعات السورية، الذي لا يشبه تماماً نظيراته اللبنانية والعراقية، التي تظهر وكأنها مُستندة على بيئات جُغرافية واضحة المعالم لكُل طائفة او قومية، تصل في الحالة العراقية إلى مستوى المُحافظات والأقاليم المنفصمة تماماً عن بعضها. في سوريا –خلا أمثلة قليلة ونسبية- فأن الجماعات المكونة تتداخل فيما بينها على مستوى المُدن والأحياء والعلاقات الاجتماعية، وفصمها بهذه الطريقة يحتاج إلى “جهدٍ” يتجاوز المُتاركة الرهيبة التي حدثت خلال سنوات الحرب المريرة.

***

هل مجموع ذلك يعني بأن الوثيقة الأوربية ليس لها حظ بأن ترى النور في المسار السوري!. من حيث المبدأ والمنظور، نعم.

لكن بالمُقابل فأن المسألة السورية لا يُمكن لها أن تغير من مسارها العنيف والرتيب الذي تتخذه مُنذ ستة سنوات تقريباً، سوى بمثل هذه الوثيقة الاوربية. وأن مزيجاً من الظروف والخيارات الشبيهة بمضامين هذه الوثيقة قد تضبط مسار المسألة السورية، لكن مع بعض التحفظات والاضافات التي يُمكن تلخيصها بما يلي.

يجب أن تكون هذه التساؤلات أكثر وضوحاً، بالذات في تحديد شكل نِظام الحُكم المتوقع والواجب مُستقبلاً، فالمركزية السورية غير مُتأتية من البُنية الإدارية كما في الحالة المصرية، بل من هوية النِظام الحاكم، كمان في النِظام التُركية. لذا فأن التركيز على هوية النِظام الحاكم سيُفكك المركزية دون شك.

الأمر الآخر يتعلق بالقوى الإقليمية، بالذات إيران وتُركيا والعربية السعودية التي تتعامل مع سوريا على مبدأ “القطعة الواحدة”، التي أما تكون ضمن نفوذهم أو ضدهم تاماً. قُدرة القوى الدولية على تفكيك ذلك، بالمزيد من الضغط والإغراء، هي اللبنة الأساسية لإخضاع الفعلين السوريين لخيارات قد لا تُرضي “أحلامهم”.

أخيراً فأن المزيد من الوعي بالهواجس الرئيسية للجماعات السورية، السُنية والعلوية والكُردية والمسيحية، المُختلفة تماماً فيما بينها لأكثر من سببٍ، هو الأداة المرنة لخلق مزيجٍ من الحلول السورية التي لا تُطبق في رؤيتها بين جميع المكونات السورية.