اهتراء الحياة الاقتصادية في “روج آفا”

هل هناك اقتصاد ذو ملامح في المناطق الخاضغة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية؟ وهل تسير الحياة الاقتصادية ضمن رؤية واضحة؟ بل هل ثمّة أصلا من يسّير عجلة الاقتصاد؟

%d8%a7%d9%87%d8%aa%d8%b1%d8%a7%d8%a1-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d9%8a%d8%a7%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d9%82%d8%aa%d8%b5%d8%a7%d8%af%d9%8a%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%b1%d9%88%d8%ac-%d8%a2%d9%81%d8%a7

 

الكاتب: رستم محمود

ليس من المؤكد أنه ثمة دورة “حياة اقتصادية” اعتيادية في المناطق الخاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية، التي تتراوح وتتغير تسميتها بين فينة وأخرى. إذ ليس ثمة موارد عامة ثابتة ولا إنفاق عام دوري ومضمون، وفوقهُما لا سُلطة عامة “شرعية” واضحة. نفس الأمر فيما يتعلق بمخرجات هذه السُلطة، سواء فيما خص جهازها البيروقراطي الوظيفي، أو حتى خططها الاستثمارية والتنموية. نفس الإطار/الغُمامة تصحُ بحق الفاعلين المُباشرين في الحياة العامة الاقتصادية، سواء المستثمرين أو صِغار المُلاك والتُجار والمزارعين والعُمال أو جهات التحاكم والتشريع.
أهم دافعٍ وفاعلٍ في اضطراب الحياة الاقتصادية في تلك المنطقة، كامن في تعدد مستويات السُلطات الموجودة في نفس البيئة الاقتصادية. فإذا كانت قوات سوريا الديمقراطية وحزب الاتحاد الديمقراطي الكٌردي هُما الجهة الحاكمة عسكرياً وفعلياً في تلك المنطقة؛ فأن سُلطة الدولة/النظام/الحكومة السورية المركزية البيروقراطية والاقتصادية والشرعية والمالية ما تزال مُهيمنة في كُل تفصيل في تلك البيئة.
فوق ذلك التداخل، ثمة تأثيرات “اقتصاد الحرب”. فالقوتان المُهيمنتان، العسكرية والبيروقراطية على حدٍ سواء، لا تستشعران بأنهُما تستجلبان “الرضى العام” من خِلال تقديم الخدمات العامة بشكلٍ مُناسب أو التنمية الاقتصادية، حسبما يجري بالعادة في المُجتمعات المُستقرة والطبيعية. فهذه القوى تعرف أن الاستقرار الأمني بحده الأدنى أصبح القيمة الأعلى في تشكيل “الرضى العام”، وأن الطبقات الاجتماعية التي يُعاد بنائها على أسس اقتصادية جديدة في فترة الحرب، أنما مُستندة لمعادلات ومنطق الحرب الأهلية.
تعمل هذه الديناميكيات الثلاث على تفتيت العملية الاقتصادية من جذورها، إذ لا سوق ولا موارد ولا انفاق عام، يقابلها تنوع في شرعيات السُلطات الحاكمة، حيث تضيع مع تنوع السُلطات هذه أية إمكانية للضبط أو التشريع أو التحاكم بين المُتداخلين في الحيز الاقتصادي، وفوق ذلك ثمة اقتصاد حرب هالك لأي استقرارِ أو رؤية لأي شيء.
على أن هذه المداخل لا تُلغي الأبعاد البدائية مما هو موجود من تداول اقتصادي في تلك المنطقة، وهي تنوع لثلاث مستويات رئيسية:
1- المصالح الاقتصادية لسُلطة الإدارة الذاتية وخطابها الاقتصادي، المُتأتي من خطابها السياسي والعقائدي.

وبين مقايضة “الاستقرار الأمني” في مقابل أي تنمية اقتصادية منشودة،  يتم تسيير الواقع الاقتصادي للناس الذين وجدوا أنفسهم محكومين تحت سطوة آليات اقتصادية مجحفة تترك كثيرا منهم نهبا لآلة الحرب الدائرة.

مصدر الصورة: موقع www.hawarnews.com

2- الموارد المتأتية من توزيع بعض العائدات بين النِظام السوري وهذه السُلطة. تُشكل تحويلات المُغتربين أهم محركات هذه الموارد في الحياة الاقتصادية.

3- الزراعة والعمليات التبادلية البينية، ومع باقي المناطق السورية وإقليم كُردستان العراق (المنفذ الخارجي الوحيد لهذه المنطقة مع خارج سوريا).

تسعى سُلطة حزب الاتحاد الديمقراطي لأن تستخدم المدخلين الثاني والثالث ليكون مطاوعاً للمدخل الأول. وهو في قرارة نفسه يُدرك استحالة ذلك، إلا بشكلٍ نسبي للغاية، وأن سعيه في هذا الاتجاه ليس سوى أداة لاستمرار الاهتراء الاقتصادي.
أولاً ثمة استحالة لأن تُحقق هذه السُلطة مصالحها المالية من هكذا اقتصاد شحيح للغاية، فجميع الموارد المرئية لا تستطيع أن تُغطي أي شيء من مجهوده الحربي أو حتى البيروقراطي. وأنه لولا التدفقات المالية التي يُرسلها النِظام السوري لشبكة موظفيه، فأن هذه الإدارة لا تستطيع أن تُقدم خدامات عامة بأي شكل.
على نفس المستوى فأنها تُدرك بأن أي تطلع لرفد الحياة الاقتصادية بسياسات “اشتراكية” ذات اقتصاد موجه ومُخطط كما في عقيدته السياسية، ليس لها أي حظ. فكمية الموارد غير كافية لتشييد أية مؤسسات ضخمة ومركزية قائدة لمثل هكذا اقتصاد. كما أن الاهتراء الاقتصادي لا يسمح لها بتقديم ضمانات واشكالٍ من الريعية الاقتصادية لأية طبقة مُجتمعية. اساسا الاقتصاد الاشتراكي هذان غير متوفران، لذا فأن الايدلوجية الاقتصادية/السياسية لحزب الاتحاد الديمقراطية لا تغدو إلا كونها نوعاً من الخطاب الاقتصادي الفوقي، الذي ليس له أية دلالة على أرض الواقع.
أخيراً فأن هذه السُلطة تُدرك بأن البُنية التحتية والمُجتمعية للاقتصاد في منطقة حُكمها عائدة تقليدياً لأنماط من الإنتاج بالغة البدائية. فهي اما زراعية غير متطورة، او مستهلكة غير قادرة على تجديد دورة حياتها. ومجموع الموارد الباطنية كالنفط والغاز، تحتاج إلى دورة شاسعة من شرعية الدولة وبيروقراطية الإدارة وسُلطتها، وهو ما لا تمله أبداً.
لذا فأن التيسير الواقعي واليومي للحياة الاقتصادية قائم على ثلاث آليات متواطئ عليها فيما بين اللاعبين كُلهم في تلك المنطقة.
1- ترك شؤون الحياة الاقتصادية العامة للأفراد لمواردهم الخاصة، التي تشكل الزراعة وعائدات المهاجرين جوهرها، وتنال الطبقات غير القادرة على تأمين ذلك اعلى درجات السحق الاقتصادي، حيث تبتلعهم آلة الحرب في أغلب الأحيان.

2- التوافق على تقديم خدمات عامة بالحد الأدنى، بحيث لا تكون مكلفة. دون أية رؤية تنموية أو اقتصادية.

3- الاستفادة من اقتصاد الحرب عبر تصعيد طبقة جديدة من المُستفيدين، الذين غالباً ما يكونون شُركاء لمُتنفذين في السلطة.