تحت حكم الأرقام

” صارت الأرقام تتحكم في حياة السوريين اليومية في زمن الحرب.  “

%d8%aa%d8%ad%d8%aa-%d8%ad%d9%83%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b1%d9%82%d8%a7%d9%85
(الصورة: مجموعة من الصيادين - كورنيش اللاذقية الجنوبي - 2013-06-29 (CC BY-SA 3.0Ahmad.aea.99)).
<

“لا تحاول معاكسة ابنة الجيران فأنت تعلم أنها معجبة بك أيضاً لكن لا قدرة لك على الدخول في علاقة معها. تتذكر بائع اليانصيب والألف ليرة، وتسمع أمّك تتحدث في الهاتف: ʼمية ألف ما عاد تكفينا بالشهر.ʻ هي أيضاً مصابة بلعنة الأرقام.”

div>(اللاذقية، سوريا) وأنت جالس في المقهى تحاول الكتابة أوالدراسة أو أي فعل يلهيك عن الموت البطيء في بلاد تسرق أسباب فرحك كلّها، يمرّ قربك بائع يانصيب تعيس وبائس، فيخطر في بالك: “كيف لهذا البائس أن يبيعني أملاً؟ لِمَ لا؟ سأجرّب وسأشتري ورقة يانصيب علّني أربح الجائزة الكبرى، فأشتري بيتاً وسيّارة وأفتح مشروعاً صغيراً أعمل فيه مع أصدقائي.” وفي اللحظة التي تنادي فيها للبائع الذي يحمل بين يديه ما قد يكون مفتاح أحلامك كلها، تتذكر أنك جالس في المقهى منذ ساعتين وأنك تناولت فنجاني قهوة سعر واحدهما 175 ليرة وكل ما تملكه ألف ليرة، فيغصّ قلبك وتعتذر من بائع اليانصيب وتحبس دمعتك، وأنت تراه يخرج من الباب وبين يديه بضع أوراق جعلتَ من أرقامها مسرحاً لتخيلاتك وأحلامك. تحسد الأرقام فيها فكيف لها أن تقرر مستقبلك؟
تفتح “الفيسبوك” وتحاول جاهداً تخطّي الصفحات الإخبارية لأن حالتك النفسية لا تسمح لك اليوم بقراءة خبر عن أعداد القتلى من الأطفال والمدنيين أو عن عدد الطائرات الحربية التي شاركت في الغارات. يسألك “الفيسبوك”: “بِمَ تفكّر؟” فتكتب “ألف ليرة”. لن يعرف أحد بالطبع قصدك وتجلس لتعدّ الإعجابات التي ستحصل عليها. ثم تتذكر صديقاً قديماً لطالما تهيأ لك أنه يعيش في النصف الآخر من الكرة الأرضية رغم أن ما يفصلك عنه ثلاث ساعات من اللاذقية إلى حلب، فتسلّم عليه على الدردشة وتسأله عن أخباره، فيجيبك ضاحكاً: “خايف إحكي معك أوسخلك جوالك، من 15 يوم ما تحممت.” تصيبك الدهشة، فأنت من حلم منذ قليل ببيت وسيارة وعمل صغير، جالس في المقهى منذ الصباح تعاكس الفتيات وتحتسي القهوة وتدخّن السجائر، وصديقك الذي رفض الخروج من حلب و يسهر مساءً على أصوات البراميل والانفجارات لا يحلم بأكثر من مجرد حمّام لا فرق عنده إن كان ساخناً أو بارداً. خمسة عشر يوماً، الأرقام مجدداً. يمنعك خجلك من إكمال الحديث، فتغلق اللابتوب وتؤكد لنفسك: “لا بأس سأعتذر منه في ما بعد وسأخبره أن الإنترنت قد انقطع.”
تحاول تخطّي كل الصدمات التي تلقيتها منذ الصباح باستراق السمع إلى أحاديث الجالسين بقربك في المقهى. شاب يمسك يد فتاة ويطيل النظر في عينيها، فتقول في نفسك: “قليل من الحب كفيل بتغيير المزاج،” وتتنصت أكثر وتسمع الشاب يقول: “لا أملك سوى 1800 دولار، سأحاول أن توصلني إلى ألمانيا،” فتبكي الفتاة قائلةً: “الله يلعن هالحرب والعسكرية وهالبلد.” ثم يضمّها الشاب لإخفاء دموعه وتندم أنت على سماع هذا الحديث، وتعود لتراقب صورتك في شاشة اللابتوب المتّسخة وتتذكّر كيف ودّعت أصدقاءك من الواحد إلى الآخر وتقول: “الله يلعن ألمانيا.”
تلاحقك لعنة الأرقام أينما ذهبت، فعلى الطاولة الأخرى شابان يتناقشان في ارتفاع سعر الدولار ووضع الليرة وتأثيرهما على سعر فنجان القهوة.
تيأس من الوضع وتعود إلى المنزل، لا كهرباء هناك، تقنين ضمن التقنين. ثم تتذكر أن الساعة قاربت الرابعة وأن ابنة الجيران الجميلة ستعود من الجامعة الآن، فتقف على الشرفة تدخّن سيجارة المنتصر وهي تمر أمامك. لا تحاول معاكستها فأنت تعلم أنها معجبة بك أيضاً لكن لا قدرة لك على الدخول في علاقة معها. تتذكر بائع اليانصيب والألف ليرة، وتسمع أمّك تتحدث في الهاتف: “مية ألف ما عاد تكفينا بالشهر.” هي أيضاً مصابة بلعنة الأرقام.
تحاول النوم لكن أرقاماً كثيرة تمر في ذهنك: أعداد القتلى والجرحى، أعداد القذائف التي ضربت الأحياء المجاورة، أعداد المهاجرين. تأخذ قلمك وترسم على الحائط قفصاً كلّما طوقتك الأرقام تحرّر منه حلماً.