تنتظر على أبواب فروع الأمن: "هل يمكن أن يموت ابني؟"

” بعد أن زارت أم محمد معظم الأفرع الأمنية بحثاً عن ابنها المختفي، تصل في نهاية رحلتها إلى فرع الأمن الجوي وتحكي قصتها للسيدات اللواتي يشاركنها نفس المحنة.. “

%d8%aa%d9%86%d8%aa%d8%b8%d8%b1-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%a3%d8%a8%d9%88%d8%a7%d8%a8-%d9%81%d8%b1%d9%88%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%85%d9%86-%d9%87%d9%84-%d9%8a%d9%85%d9%83%d9%86-%d8%a3%d9%86

على باب فرع الأمن الجوي في منطقة القصاع في محافظة دمشق، تجلس امرأة خمسينية على حافة رصيف يبعد مئتي متر عن بوابة الفرع الرئيسة، تراقب المارة والحرس بذقونهم الطويلة وأسلحتهم التي لا تفارق أيديهم. هذه المرة لم يكن رجال الأمن يرتدون ثيابهم المدنية ونظاراتهم الشمسية ويخفون مسدساتهم تحت قمصانهم كما هي صورتهم في مخيلة السوريين قبل الحرب، بل كانوا بكامل زيّهم العسكري بعد أن صارت المدينة كلها أشبه بثكنة عسكرية.

لم تكن أم محمد تتخيل ،بعد أن ندرت حياتها لتربية طفليها، أنها يمكن أن تخسر ولديها دفعة واحدة؛ ابنها البكر الذي اعتقل على أحد حواجز حلب صيف 2014 ،وابنها الآخر الذي هاجر خارج البلاد خوفاً من أن يكون نصيبه كحظ أخيه. “هما كل ما لديّ بعد أن توفي زوجي”، تبدأ أم محمد حديثها معللةً سبب جلوسها على الرصيف طيلة النهار. وتتابع: “آتي من الساعة الثامنة صباحاً ولا أعود إلى البيت حتى الرابعة، حين أصل إلى البيت أنام في فراشي معظم الوقت. كيف لحياتي أن تستمر دون أبنائي؟”.

يخفف من عناء انتظارها لساعات طويلة، وجود أمهات كثر غيرها يتبادلن القصص ويتناقلن أخبار السجناء، وأخريات يتحدثن عن مصالحات قد تحصل وقانون عفو قد يصدر، يعزّين أنفسهن بالأمل ويقتتن عليه.

فابن هذه السيدة ليس إلا واحد من 300 ألف معتقل/ة على الأقل يقبعون في سجون نظام الأسد بحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان. وإن كانت هذه الأرقام لا تعبر بدقة عن واقع الاعتقال إذ تشمل فقط المعتقلين والمسجلين، بينما يشير ناشطون حقوقيون إلى وجود آلاف غيرهم من غير المسجلين.

تقف أم محمد بعيداً عن باب الفرع وتحاول كل يوم مرّةً أو مرّتين أن تقترب من هناك لتسأل أحد الحراس عن ابنها. تختار وجهاً جديدا لتسأله وتتعقب المراجعين الخارجين من الفرع وترجوهم أن ينقلوا رسالتها إلى الضباط الموجودين في الداخل. في يدها ورقة صغيرة كتب عليها اسم ولدها وتاريخ اعتقاله وصورة شخصية له بحجم صورة الهوية.

“أتعرض للإهانة من قبلهم والطرد من أمام باب الفرع، وأيضاً لازدراء المارة” تقول بينما كتفاها ترتجفان من البرد وفي يدها قطعة من سندويش هي الوجبة الوحيدة التي تناولتها اليوم. “هناك من يحسبني متسوّلة فيشير بيده من بعيد ألّا أقترب، أو يخرج من جيبه قطعة نقود”.

منذ أن اعتقل “محمد” ابنها البكر ، خريج كلية الهندسة الكهربائية وهي تبحث عن وسيلة لإخراجه. هو لم يكن مشتركاً في أي نشاط سياسي أو عسكري، تؤكد. “نحنا جماعة بسطاء، ما منحكي بالسياسة ولا منتدخل فيها”. وتتابع أنه اعتقل على أحد الحواجز في مدينة حلب بعد أن كان عائداً من مقابلة للحصول على عمل.

لم تنفع كل محاولاتها في العثور على مكانه. رغم أنها لم تترك فرعاً ولا سجناً في حلب إلا سألت عنه. بعض الأفرع الأمنية  كانت تطردها فوراً، فيما تكتفي أفرع  أخرى بـ طمأنتها بأن ولدها ليس موجوداً لديهم، دون إعطائها أي معلومات قد تدلها على مكان “محمد”.

“آتي من الساعة الثامنة صباحاً ولا أعود إلى البيت حتى الرابعة، حين أصل إلى البيت أنام في فراشي معظم الوقت. كيف لحياتي أن تستمر دون أبنائي؟”

تشرح للنساء الأخريات الجالسات قربها الشرك الذي أوقعها به بعض المحتالين، مستغلين لهفتها لمعرفة أي خيط يوصلها لمكان محمد،  وكيف سلبوها مالها بوعود زائفة. “دفعت مليون ليرة لأحد الرجال ادعى أنه يعمل في شعبة المخابرات العامة فأخذ النقود ثم هددني في اليوم التالي إن اتصلت برقمه مجدداً” رجل آخر قال لها أن هناك تشابه في اسمه مع أحد المطلوبين وأنهم سيخرجونه قريباً “بس هاد كلو طلع كذب” تضيف.

لتدخل بعدها في دوامة جديدة من “الأمل الكاذب” عندما تخيلت أن ابنها قد يكون في سجن صيدنايا  بناءً على كلام أحد الشباب الخارجين من المعتقل عندما أشفق على حالها ودلها على مكان سجن ،ربما، يكون ابنها قد اقتيد إليه نظراً لطول الفترة التي انقطعت فيها أخباره” معظم الذين مضت فترة طويلة على اعتقالهم ينقلونهم إلى سجن صيدنايا في دمشق، وبهذه الحال، يمكنك توكيل محامية لإخراجه من هناك” قال لها.

تقرر أم محمد بيع منزلها حيث تقيم في حي ميسلون في حلب، لتتمكن من توكيل المحامية ودفع تكاليف الطريق. تقول “منذ أن تزوجت وأنا أقطن هذا البيت. قمت بطلائه مرات عديدة مع زوجي، صنعت الستائر بنفسي، طرزت بالمخرز وجوه الشراشف والطاولات، لكني اضطررت لبيعه”.

فتحزم بعض أمتعتها وتصر نقودها متوجهةً نحو دمشق لتضيع في متاهات الطريق الطويل، فهي لم يخطر لها يوماً أن تسافر خارج حدود مدينتها، استأجرت بيتاً في أشرفية صحنايا بمبلغ خمسين ألف شهرياً. “لم أكن أريد أكثر من غرفة ولكن إيجار البيوت في العاصمة كان قد تضاعف خلال السنوات الأخيرة” تقول.

لم تجد أم محمد ابنها في سجن صيدنايا ،والمحامية أكدت لها عدم وجود ابنها في السجن. “كان الحديث قاسياً عليّ.. إذن أين يمكن أن أجد ابني؟”. تستأنف حديثها قائلة “المحامية قالت إن من المحتمل أن يكون موجوداً في أحد الأفرع الأمنية في المدينة ووعدت بمساعدتي”.

منذ ثلاث أشهر تتنقل هذه السيدة بين الأفرع الأمنية في العاصمة دمشق إلى أن وصلت إلى فرع القصاع حيث تجلس مع نساء أخريات تخبرهنّ قصتها.

“لا أستطيع البقاء بمفردي في البيت، الجدران تطبق على صدري كلما خطر في بالي أن محمد يتعذب، دائما ما أراه في منامي حزينا، ربما يقول لي أننا تركناه، أصحو دوماً على كابوس موته، هل يمكن أن يموت؟” تقول لهنّ.

بالقرب من أم محمد تجلس السيدة هدى على الرصيف لا تعرف كيف تواسيها وتخفف من ألمها، فلم يكن حالها بأفضل من حال أم محمد ، فقد تم اعتقال ابنها من حي الأشرفية في مدينة حلب بعد مداهمة الجنود لمنزلها في الشهر العاشر من عام 2015

” 13/10  لا أنسى هذا التاريخ أبداً، واذكر وجه ابني عبد الباسط جيداً ونظراته إلي كأنه يودعني عندما كانوا يضربونه ويجرونه على الدرج”

لم تنفع محاولات هدى في معرفة سبب اعتقالهم لولدها الذي كان يملك محلاً لصناعة الحلويات في الحي نفسه، فعبد الباسط في الخامسة والعشرين من عمره يعاني من شلل في القدم اليسرى وهو معفى من خدمة العلم ولم يزر المناطق الشرقية.

أحد الأشخاص “الواصلين” بحسب تعبيرها ،أي من يتمتعون بعلاقات قوية مع عناصر الأمن، طلب من هدى مليوني ليرة لإخراجه من السجن ولكنها لا تملك هذا المبلغ فقد أكلت الحرب كل مدخراتها وباعت مصاغها الذهبي لتستطيع العيش مع أطفالها الثلاثة.

بعد إظهار الشكوى وضيق الحال قبل الشخص “الواصل” أخيراً بمبلغ مليون ليرة بشرط دفع 100 ألف ليرة مقدماً وباقي المبلغ عند خروج عبد الباسط “بعت العدة الموجودة في محل الحلويات وقام زوجي باقتراض بعض النقود. وبعد دفعنا مبلغ المئة ألف لذلك الرجل قال لنا إن عبد الباسط تم ترحيله إلى دمشق ولا نستطيع إخراجه ولم يُعد لنا النقود” تقول.

محاولات كثيرة قامت بها هدى وزوجها للتأكد من مكان ولدها ولكن دون جدوى، فقررت الذهاب إلى دمشق بمفردها خشية على زوجها من اعتقال تعسفي آخر. تضيف موضحة “من الممكن أن يشفقوا على حالي، وكوني امرأة فالطريق أسهل علي من قدوم زوجي بصحبتي”

منذ أسبوع وهي تراجع الأفرع الأمنية في دمشق التي تستدل عليها من سائقي التاكسي، دون أن يكترث أحد لسماع قصتها ومساعدتها، كل الأماكن التي زارتها قاموا بطردها وتحذيرها من عدم العودة وفي أحسن الأحوال اكتفوا بالقول” ليس لدينا هذا الاسم”

اوصلها سائق التاكسي هذه المرة إلى فرع الأمن الجوي في منطقة القصاع ومنذ الصباح وهي تحاول الوصول إلى داخل الفرع دون جدوى، اكتفت بالجلوس إلى جانب ام محمد تحكي قصتها هي الأخرى وتنتظر خيط أمل لمعرفة شيء عن ولدها.