جامع طرز السيارات القديمة

” قصة مجموعة فريدة ومنسية. “

%d8%ac%d8%a7%d9%85%d8%b9-%d8%b7%d8%b1%d8%b2-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%8a%d8%a7%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%af%d9%8a%d9%85%d8%a9
(الصورة: أبو عمر بين قطع السيارات القديمة – حلب - 2015-11-11 (محمود عبدالرحمن صباح الخير سوريا))
(حلب، سوريا) ما زال محمد محيي الدين أنيس الملقب بـ”أبو عمر” (67 عاماً) يحتفظ بسياراته ذات الطراز القديم بعدما أمضى عمره يلاحق المزادات ليدفع كل ما يملك لشراء إحداها كلما سنحت له الفرصة، فهو يرى أن المال لا قيمة له أمام القيمة التاريخية والفنية التي تحملها هذه السيارت، ويصر على ذلك بالقول “إن المال ما مالت له النفس.”
عندما تدخل بيت أبو عمر تشعر كأنك في زمن آخر، فهو يفضل الأساليب القديمة للحياة، حيث  يجفف الخضار ويحب تناول الشاي المغلي على الحطب في حديقة بيته محاطاً بأكوام من قطع السيارات.
يملك أبو عمر عشرين سيارة من الطراز القديم، سبع منها في حي الشهباء الخاضع لسيطرة النظام، إضافةً إلى ثلاث عشرة سيارة في حي الشعار الواقع في نطاق سيطرة المعارضة، ويركن هذه الأخيرة داخل حديقته وأمام بيته القديم الذي يعود بناؤه إلى ثلاثينيات القرن الماضي، لتشكل مع أكوام الخردة وقطع الغيار مكاناً أشبه بمتحف للسيارات. وما زال ينتظر أبو عمر أن يجد من ينقذ مجموعته الثمينة من الدمار من دون أن يضطر إلى بيعها، فيتمكن من إعادة تجميعها وإصلاحها.
ويربط السيد أنيس معظم هذه السيارت بمراحل تاريخية سورية وعالمية، كسيارة كاديلاك 1974 التي اشتراها علي وطفة قائد الأركان في الجيش السوري آنذاك، ثم توارثها عنه الرؤساء الذين توالوا على الحكم بعده مع الانقلابات المتلاحقة إلى أن انضمت إلى مجموعة أبو عمر الفريدة.
ويتفاخر الجامع أيضاً بسيارة بويك 1951 التي كانت لأديب الشيشكلي الذي قاد الانقلاب الثالث في سوريا في تاريخ 19 كانون الأول (ديسمبر) 1949، ثم أصبح رئيساً للبلاد لمدة ستة أشهر بين عامي 1953 و1954 حتى استقالته تحت ضغط المظاهرات الشعبية ومغادرته سوريا كلاجئ سياسي.
كما تتضمن مجموعة أبو عمر نسخة طبق الأصل عن سيارة مرسيدس لأدولف هتلر الذي أحبه الجامع لدرجة أنه سمى أحد أولاده عبدالله هتلر، ويشرح أبو عمر لصباح الخير سوريا “أن الكتب والأفلام التي صدرت مؤخراً تحاول تشويه صورة هتلر.”
وتعرضت سيارات السيد أنيس لأضرار بالغة نتيجة قصف النظام للمنطقة التي يقيم فيها بالبراميل المتفجرة، وأدت إحدى غارات الطيران بالرشاش الحربي إلى تدمير زجاج عدة سيارات، أما زجاج السيارات القديمة التي كان يحتفظ بها في مستودعه فقد أتت عليه إحدى قذائف الهاون.
أما السيارات السبع الأخريات فمركونة أمام بيته في حي الشهباء الخاضع لسيطرة النظام، وقد تعرضت إحداها لأضرار بالغة نتيجة قيام أحد ضباط جيش النظام بتعليقها من سقفها بالرافعة لإبعادها عن الطريق، الأمر الذي يصفه أبو عمر بالهمجية إذ يشبه الضابط بمقاتلي المغول والتتار الذين دمروا كل شيء من دون أن يدركوا قيمته في تاريخ العالم الإسلامي.
ويعامل الجامع سياراته بلطف ويغازلهن كنساء، فلكل سيارة بنظره أسنان وشفتان وعينان وفخذان أحياناً، لذلك تراه يداعب أحد أضواء السيارات المكسورة ويقول متحسراً: “لقد قلعوا عينك لكن أسنانك مازالت جميلة.”
لكن يرفض أبو عمر استبدال القطع التالفة بقطع حديثة، فهو يعتبر ذلك تزويراً للتاريخ وتشويهاً للذوق الرفيع الذي يميز تصميم هذه السيارات، فتختلف السيارات الحديثة عن القديمة حسب رأيه بواقع أن “مصممي هذه السيارات كانوا فنانين بحق فكل سيارة كانت أشبه بامرأة، أما السيارات الحديثة فليست إلا كومة حديد.” وينتقد أبو عمر بشدة أولئك الذين يستبدلون القطع التالفة من سياراتهم القديمة بقطع حديثة معتبراً أنهم لا يدركون قيمة ما يملكون.
كذلك رفض الجامع مراراً عروضاً لشراء سياراته سواء من سكان حلب أو من دول الخليج والدول الأوروبية، فأوضح سبب رفضه بالذكر: “أن الهنود الحمر الذين رفضوا بيع أرضهم كانوا يعللون ذلك قائلين: ’نحن نستعير الأرض من أبنائنا ونزرعها،ʿ وأنا مثلهم أستعير هذه السيارات من أبنائي.”
مضى على السيارات القديمة المركونة في الشارع من الوقت ما يكفي لجعلها جزءاً أساسياً من الحي، وبالتالي اعتاد الناس مشاهدة هذه السيارات كلما مروا بالحي، كما اعتاد بعض الأطفال أن يمضوا وقتهم يلعبون عليها، ويقول أبو عمر مخاطباً طفلاً يزوره بين الحين والآخر: “طالما أن جيلك يدعمني لن أشيخ.”