حاجتها للمال كانت أكبر من عادات المجتمع

” بعد مقتل زوجها الضابط في جيش النظام السوري واستيلاء والد زوجها على ممتلكاته وتعويضه لم تجد سعاد امامها إلا العمل في كشك لتأمين حياتها وحياة اطفالها. “

%d8%ad%d8%a7%d8%ac%d8%aa%d9%87%d8%a7-%d9%84%d9%84%d9%85%d8%a7%d9%84-%d9%83%d8%a7%d9%86%d8%aa-%d8%a3%d9%83%d8%a8%d8%b1-%d9%85%d9%86-%d8%b9%d8%a7%d8%af%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%ac%d8%aa%d9%85
[أحد من الأكشاك في منطقة الكراجات القديمة - اللاذقية - 2016-9-16 (صباح الخير سوريا)].
(اللاذقية، سوريا) تقف سعاد ذات الـ34 عاما بثيابها السوداء داخل كشكها المتواضع في حي السابع من نيسان في اللاذقية، تبيع الدخان لأحد المارة وهي تحمل بيدها فنجان قهوتها الممتلئ.  كانت تلك السيدة الشقراء تثير إنتباهي كلما مررت بجانب كشكها، إلى أن جاء يوم وإقتربت منها لأشتري علبة دخان.
عندما طلبت منها نوع الدخان الخاص بي قالت لي: “الله لا يوفقن ما تركو شي ما غلوه إلا البني آدم،” زاد فضولي لأعرفها أكثر فأخذت أتكلم معها. أحسست أنها بحاجة لشخص غريب ربما لا تعلم إسمه حتى  لكي تخبره عن حياتها، فالحزن الذي يسكن عيونها يوحي بأن لهذه المرأة قصة مؤلمة جداً.
سعاد خريجة كلية التجارة والإقتصاد من جامعة تشرين، هي أم لصبيين وفتاة وأرملة ضابط في الجيش النظامي. قُتِلَ زوجها في محافظة ريف دمشق منذ أكثر من سنتين في اشتباكات مع قوات المعارضة. بعد مقتله لم يرض والداه بالتنازل لها ولأولادها عن التعويض الذي تقدمه وزارة الدفاع لقتلى الجيش، إذ تمنح وزارة الدفاع السورية لقتلاها مبالغاً تبدأ من 300 ألف ليرة سورية للفصائل المقاتلة إلى جانب الجيش  وتصل لمليون ليرة للمجندين النظاميين، بينما تتجاوز المليون في حال كان القتيل ضابطاً.
تكمل حديثها وهي تحاول إخفاء دموعها وتتعمد إختلاق أعمال مفاجئة كترتيب كاسات القهوة أو تنظيف آلة الإسبريسو كي لا أتمكن من رؤيتها تبكي وهي تشرح لي أن والد زوجها لم يتنازل لها عن الوصاية على الأطفال الثلاثة كونهم تحت السن القانوني؛ وحسب القانون السوري، بعد وفاة الأب تذهب وصاية الأولاد تحت سن الـ18 عاما وأملاكه للجد، يليه العم الأكبر؛ لذلك يُعتَبر جدّهم أمام القانون والشرع وصياً عليهم ومسؤولاً عن كافة مصاريفهم واحتياجاتهم، لكنه بالمقابل نسي أنهم أولاد إبنه المتوفي وكان كل همه الإستيلاء على أموال والدهم وممتلكاته بحجة، على حد تعبير سعاد، “أنّي غريبة عن العائلة وقد أتزوج وهو يعلم أنني لن أتزوج ولن أتخلى عن أطفالي.” الأمر الذي حرمها من ملكية منزل زوجها وسيارته، فاضطرت للخروج مع أولادها الثلاثة واستئجار منزل صغير من غرفتين في حي الدعتور الشعبي في محافظة اللاذقية.
تكمل لي سعاد الحديث وهي تشير بيدها إلى صورة تجمع زوجها وأطفالها ضمن إطار خشبي جميل كانت قد وضعتها على الطاولة، وتقول: “حسن نجح للصف السادس أما أريج فتحب كتابة القصص  القصيرة وهي في الصف الرابع ومحمد الشقي ما زال في الصف الأول،” ثم يختنق صوتها وتكمل: “أولادي بحاجة للذهاب إلى لمدرسة ولمصاريف تعليمهم وحياتهم التي لم أستطع توفيرها (بعد أن قُتل زوجي).”
لم أخفِ  دهشتي من جرأة قرار سعاد على العمل في هذا الكشك فسألتها: “لماذا  اخترتِ هذا العمل؟” فجاوبتني قائلة: “على الرغم من أن الكثير من زوجات الشهداء حصلن على وظائف حكومية بعد وفاة أزواجهن إلا أنني عندما طالبت بالحصول على الوظيفة رد علي مكتب الشهداء في اللاذقية بقوله إن ‘نص الشعب صار شهيد لم يعد هناك وظائف شاغرة للجميع’ حتى سمعت صدفة أنه يحق لي ترخيص كشك صغير باسم زوجي. في بداية الأمر لم أتحمس للفكرة كثيراً فهي غير مقبولة في مجتمعنا وليس من المعتاد أن تعمل امرأة في هكذا عمل لكن حاجتي للعمل وللمال كانت أكبر من هذه العادات والمعتقدات.”
سعاد واحدة من بين أكثر من 17 ألف أرملة خلفتها الحرب السورية، حسب إحصائيات الأمم المتحدة، من دون عمل ولا مال، تتحمل مسؤولية تربية أطفالها وتعليمهم، وهي لم تكن الوحيدة التي تعرضت للإقصاء من قبل أهل زوجها، كثيرات هن السوريات اللواتي أُخرِجن من بيوتهن وسُرِقت تعويضات أبنائهن بعد وفاة أزواجهن، الأمر الذي دفع الكثير منهن لخلق طرق غير تقليدية للحصول على العمل من دون أيّ مساعدة من الحكومة أو الجمعيات التي تُعنى بشؤون قتلى وجرحى الجيش السوري.
 سألت السيدة وهي ترشف شفة القهوة كيف تأقلمت مع العمل في هذا الكشك، ردت بصوت مخنوق: “لو منشيل التموين ع جنب و جماعة الدفاع الوطني كنت بخير،” اإستغربت من جوابها وسألتها: “لم قد يزعجك هؤلاء وأنت زوجة ‘شهيد’؟”، ترد سعاد بأن موظفي التموين لهم كل شهر 15000 ليرة كرشوة، أما جماعة الدفاع الوطني فقد تقدم 4 منهم بطلب الزواج منها، وتضحك: “زوجي مات بالحرب شو مجنونة لإرجع وإتزوج عسكري مرة تانية!”
في قلب سعاد حقد كبير على الحرب التي أخذت زوجها وجعلتها تكابد مشقة العمل وحمل مسؤولية أطفالها الكاملة، وعلى الدولة التي لم تتحمل مسؤوليتها تجاه المقاتلين في الجيش ولم تعتن بعائلاتهم بعد وفاتهم على عكس ما يدّعونه في الإعلام والبرامج التلفزيونية التي تتغنى بحربهم وتضحيات “شهدائهم”.
تعود سعاد لعملها تسخن ترامس القهوة والميلو والكابتشينو وتعيد ترتيب علب الدخان وتمسح الرفوف أما أنا فآخذ علبة السجائر واكمل طريقي.

 

“على الرغم من أن الكثير من زوجات الشهداء حصلن على وظائف حكومية بعد وفاة أزواجهن إلا أنني عندما طالبت بالحصول على الوظيفة رد علي مكتب الشهداء في اللاذقية بقوله إن ‘نص الشعب صار شهيد لم يعد هناك وظائف شاغرة للجميع.’