حرفيو حماة: نجلس مكتوفي الأيدي

” أشهر حرفيي مدينة حماة يبحثون عن فرص عمل أخرى في ظل الأزمة الاقتصادية. “

%d8%ad%d8%b1%d9%81%d9%8a%d9%88-%d8%ad%d9%85%d8%a7%d8%a9-%d9%86%d8%ac%d9%84%d8%b3-%d9%85%d9%83%d8%aa%d9%88%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%8a%d8%af%d9%8a
(الصورة: خان رستم باشا من الداخل - حماة - 2015-10-13 (موريس بيطارصباح الخير سوريا))
<

“وعلى باب ورشته يعرض يحيى بعض النواعير ذات القياسات المختلفة متمنياً أن يأتي أحد ويسأله عنها، وكانت آخر محاولاته الباطلة صناعة ناعورة متناهية الصغر لا يتجاوز قطرها 9 سم وارتفاعها 3 سم من أجل الدخول في موسوعة غينيس للأرقام القياسية ولكن لم يتلق عمله الشاق اهتماماً من أي جهة إعلامية.”

div>(حماة، سوريا) باتت حركة الزائرين إلى سوق المهن اليدوية شبه معدومة في مدينة حماة وأغلب المحال مقفلة ولا يفتحها أصحابها إلا نادراً، لذلك أصبح الحرفيون يبحثون عن فرص عمل أخرى.
وبعد جهد طويل استطاع النحاس منقذ (1) (39 عاماً) أن يحصل على عمل بعقد سنوي في مركز بريد بحي البعث حتى يعيل به أسرته. “عامل في مركز البريد… الحمد لله” يقول منقذ لصباح الخير سوريا والابتسامة التي يخفي وراءها ألماً كبيراً بدت ظاهرة على وجهه، ثم يمسك إزميله ومطرقته ويبدأ بالطرق على قطعة نحاسية بيده كان يعمل عليها منذ أشهر ولم تكتمل بعد. قطع نحاسية معروضة في دكانه على الرفوف يعلوها الغبار لعدم وجود من يشتريها أو حتى من ينظر إليها. “لا أريد أن أنسى حرفتي التي أحبها،” عبارة ممزوجة بدمعة باتت أكثر قرباً للنزول من عينيه.
وقبل بداية الأزمة التي شهدتها مدينة حماة منذ اندلاع الثورة في عام 2011، كانت الأمور تجري على ما يرام بالنسبة للحرفي منقذ العامل في خان رستم باشا الذي يعود تاريخه إلى العهد العثماني ويضم إحدى وثلاثين مهنة يدوية، وحرفته كانت تدر لمنقذ من المال ما يغنيه عن العمل في أي مكان آخر. وقد قامت مديرية السياحة في حماة بافتتاح خان رستم باشا في عام 2009 كسوق للحرف والمهن اليدوية في مبادرة لتشجيع النمو الاقتصادي.
“أنا شيخ كار النحاسين ليس في حماة وحدها بل حتى في سوريا،” تلك كانت جملته المشهورة التي كان يستقبل بها الزوار في دكانه. وفي الواقع تم اختيار منقذ من بين خمسة حرفيين ليشارك في المعرض العالمي للمهن اليدوية الذي أقيم في ولاية كالكوتا الهندية عام 2009. ولكن بعد عشرين عاماً قضاها في هذه المهنة يجد نفسه حائراً في مستقبل مجهول لا يعلم ما يخفيه له.
ومع تدهور الوضع الأمني في حماه  توقف قدوم الباحثين عن اقتناء التحف الشرقية، وانخفض الإقبال على شراء القطع النحاسية بسبب ارتفاع ثمنها. وبالإضافة إلى ذلك، تحتاج القطعة النحاسية بين الحين والآخر إلى عملية تبييض (أو تلميع) حتى تعود إلى سابق عهدها ولم يتبق إذاً من يزاول مهنة تبييض النحاس.
محمد (50 عاماً) أحد الموظفين الذين يعملون في مركز الاستعلام السياحي الموجود في خان رستم باشا وهو يحلل دور المهن اليدوية من وجهتي النظر المادية واللامادية. و يقول محمد: “كان الغرض من إقامة سوق للمهن اليدوية في داخل الخان الحفاظ على التراث المادي واللامادي، فمن جهة تم إعادة الحياة إلى هذه المهن التراثية من جديد ومن جهة أخرى جذب السياح وأهالي المدينة للتعرف على الخان.”
 كما لاحظ محمد من خلال تواجده في السوق أن المهن تختلف عن بعضها بما يتعلق بمدى تأثير الأزمة عليها، فأشار إلى “أن هناك مهن لم تتأثر بحركة السائحين فالمنجد والفرواتي والخطاط العربي ومقشش الكراسي ما ألون شغل مع السياح (2)، بينما الحصول على التحف التي يقدمها منقذ والآخرون يعد رفاهية لأبناء المدينة.”
النحاس منقذ ليس الوحيد الذي تأثر عمله بالاضطرابات السياسية، فعلى الجانب الآخر يقف الحرفي يحيى (51 عاماً) مكتوف اليدين وهو يعمل في نجارة النواعير، إحدى أهم الحرف والصناعات الموجودة في المدينة. “منذ ستة أشهر لم يأت إلي أحد،” بتلك العبارة استهل يحيى حديثه، “لو لم أكن موظفاً لانخرب بيتي. الحمد لله أنني لم أترك الوظيفة.”
يبدو يحيى أكثر حظاً من منقذ لأنه موظف في بلدية حماه في قسم نجارة النواعير ويعمل في هذه المهنة منذ عام 1985، وكانت حرفته تلقى رواجاً ملحوظاً بشكل خاص بعد أن تخصص في صناعة نواعير الزينة. ولكن تغيرت ظروفه في ظل انقطاع الكهرباء عن المدينة لساعات طويلة نتيجة الأزمة إلى أن وجد يحيى نفسه عاجزاً عن القيام بأي عمل ضمن ورشته.
وعلى باب ورشته يعرض يحيى بعض النواعير ذات القياسات المختلفة متمنياً أن يأتي أحد ويسأله عنها، وكانت آخر محاولاته الباطلة صناعة ناعورة متناهية الصغر لا يتجاوز قطرها 9 سم وارتفاعها 3 سم من أجل الدخول في موسوعة غينيس للأرقام القياسية ولكن لم يتلق عمله الشاق اهتماماً من أي جهة إعلامية.
ويحرص يحيى على فتح ورشته بشكل يومي لدى عودته من عمله ويمضي الساعات المتبقية في تنظيف تحفه، من هنا فكر يحيى بالهجرة مراراً إلا أنه تراجع عن هذه الفكرة في كل مرة قائلاً: “إنني نجار نواعير وإن هاجرت ماذا سأعمل؟ لن أترك منزلي وورشتي بعد أن تقدم بي العمر لأذهب وراء المجهول.”
هكذا يرفض حرفيو حماة الهجرة إلى أوروبا ويبقون في خان رستم باشا الصامت، ومع ارتفاع أصوات الآذان لصلاة المغرب، يغلق النحاس منقذ باب دكانه ويتأكد قبل إغلاقه من أن كافة القطع النحاسية التي صنعها في مكانها تماماً كما تركها آخر مرة.

تم استخدام أسماء مستعارة لحماية المصادر.
“ما ألون شغل مع السياح” عبارة بالعامية السورية ومعناها أن هذه المهن “هي مهن محلية ليس لديها أي علاقة بالسياح.”