حساء عظام الدجاج و"فلافل" على النار…منتجات الحصار في ديرالزور

” في دير الزور المحاصرة يحاول سكانها البقاء على قيد الحياة من خلال ابتكار انواع جديدة من الطعام بما توفر لديهم من المواد. “

%d8%ad%d8%b3%d8%a7%d8%a1-%d8%b9%d8%b8%d8%a7%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%af%d8%ac%d8%a7%d8%ac-%d9%88%d9%81%d9%84%d8%a7%d9%81%d9%84-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%a7%d8%b1%d9%85

 ليس اقتباساً من رواية ولا مشهداً من فيلم سينمائي عندما نتحدث عن أناس في سوريا يطلبون عظام الدجاج لإعادة طبخها بغية الحصول على مذاق الدجاج. نحن نتحدث هنا عن المحاصرين في أحياء ديرالزور.

سنتين وشهرين وتنظيم داعش يفرض حصاراً مطبقاً على قوات النظام والمدنيين على السواء في أحياء الجورة والقصور وهرابش الواقعة في مدينة ديرالزور، حصار استنزف طاقة البشر فيها على الاحتمال. ولولا مساعدات برنامج الغذاء العالمي التي تلقيها طائرات شحن روسية والتي تكفل لهم البقاء على قيد الحياة لماتوا فعلاً من الجوع. فرغم بساطة هذه المواد إلا أن الأهالي مصريين على تجاوز أزمتهم بما هو متوفر لديهم بانتظار فرج قريب.

قبل أيام قام الهلال الأحمر السوري بتجديد بطاقات توزيع المعونات الغذائية للأهالي في الأحياء المحاصرة، وتعتبر هذه المساعدات المصدر الأساسي للحصول على الطعام، إلا أنها وما يتوافر في السوق من مواد غذائية لا يكفي سوى لبقاء الأهالي أحياء في هذه المناطق.

فهذه المساعدات تقتصر على الحبوب والبقوليات، فيما يفتقد الأهالي وبشدة للبروتين الحيواني كالدجاج واللحم وكذلك الخضروات والفواكه والبهارات.
كل ذلك أدى إلى تدهور صحة المدنيين بشكل عام، الأمر الذي دفع النظام لتوزيع كميات قليلة من الفول السوداني على الأطفال في المدارس لتعويض هذه النقص وجاء ذلك بـ “هبة” من أسماء الأسد زوجة رئيس النظام بحسب ما أفصح النظام نفسه.

يروي أحد سكان المناطق المحاصرة عن شعور الألم الذي ألم به، عندما جاءت جارته إلى زوجته لتطلب منها “العظام” وقد كان من المحظوظين هو وعائلته عندما حصل على بعض القطع من الدجاج بعد أن وزع النظام السوري حصة لكل عائلة منذ عدة أشهر.

كان لحم الدجاج قد غاب عن مائدته  لمدة عام وشهرين، فيما بررت جارته طلبها لعظام الدجاج بأنها تريد طبخها من جديد بغية الحصول على “مرق الدجاج” لأطفالها الذين اشتموا رائحة الطعام لدى جيرانهم.

بررت جارته طلبها لعظام الدجاج بأنها تريد طبخها من جديد بغية الحصول على “مرق الدجاج” لأطفالها الذين اشتموا رائحة الطعام لدى جيرانهم.

وتقول سميرة وهي من سكان حي القصور رفضت الكشف عن اسمها الحقيقي، بأن المأكولات في الأحياء المحاصرة بسيطة جداً لنظراً لعدم توفر العناصر الغذائية لطهي وجبات نموذجية ولغلاء الحطب، وهي بالعادة عبارة عن حبوب وبقوليات إن توفرت كالبرغل والمعلبات الجاهزة أو الخبز فقط، وهي بمعظمها من مساعدات برنامج الغذاء العالمي، إذ أن المساعدات -ولضرورات الإنزال الجوي- لا تحتوي إلا على المواد الجافة.

أما ما هو متوافر بكميات قليلة بحسب سميرة، فهو مادة رب البندورة التي يوزعها الهلال الاحمر بالإضافة إلى مادة البهارات، لكنها تباع بأسعار مرتفعة جداً عن طريق التجار الذين يأتون بها إلى المناطق المحاصرة عن طريق الجو، أو عن طريق قلة من المسافرين يجلبونها لذويهم ويبيعوها بدورهم. ويصل سعر أي نوع من البهارات إلى 250 ليرة سورية لكل عشر غرامات.

من الوجبات الجديدة التي ظهرت عقب اشتداد وطأة ظروف الحصار في أحياء الجورة والقصور ما يسمى بـ”شوربة الطحين” وهي عبارة عن طحين يتم تسخينه مع الزيت ثم يضاف إليه الماء والملح وهي بحسب تعبير سميرة “وجبة غنية بالنسبة للمحاصرين ومن يستطيع طبخها حالياً في منزله فهو  من المحظوظين”.

التغيرات وصلت لوجبة الفلافل الشعبية، إذ يقوم الأهالي وأصحاب المطاعم الشعبية باستبدال مادة الحمص التي تعتبر مكون أساسي للفلافل بالفاصولياء اليابسة نظراً لندرة الحمص، فيتركون الفاصولياء لساعات في الماء ثم يقومون بطحنها بشكل يدوي وإضافتها إلى البرغل لصنع الفلافل.

ومما تجدر الإشارة له أن الفلافل حالياً تصنع في المناطق المحاصرة بطريقة الشوي على النار مباشرة بدون زيت نباتي خلافاً للطريقة القديمة نظراً لعدم توفر الزيت.

ولا يقل سعر كيلو اللحم في الأحياء المحاصرة عن 30 ألف ليرة سورية، وهو لا يناسب الوضع المادي للأهالي، تقول سميرة: بأن الأهالي يقومون بصنع الكبة من البرغل والفاصولياء والمعلبات، عسى أن يحصلوا على مذاق الكبة الحقيقة التي يجب أن يتوافر فيها اللحم. وتضيف “تنتشر عادة طبخ العظام مرة أو مرات إذا توفرت ربما في الأحياء المحاصرة للحصول على نكهة اللحم”.

يزرع الأهالي البصل والبقدونس في الأحياء المحاصرة ولكنها يتوافران بأسعار عالية، حيث يقومون بخلط البرغل معهما ويصنعون أقراصاً منها، وهي وجبة لا تتوافر إلا لقلة من الناس على الرغم من بساطتها، وتقول سميرة إن “الفاصولياء هي أكثر المواد توافراً في الأحياء المحاصرة، إلا أن مادة “دبس البندورة” على الرغم من توافرها إلا أنها غالية جداً وهو ما يدفع الأهالي لطبخها بقليل منه، وفي أغلب الأحيان تطبخ بالماء فقط”.

فيما ينتشر في الأحياء المحاصرة باعة جوالين يبيعون الخبز اليابس، يقلى بالزيت و يضاف إليه الملح وبعض البهار، ويباع للأطفال على وجه الخصوص على شكل حلوى، مما يعكس الحالة المريعة التي وصلت إليها المدنيين طول فترة الحصار.

يُذكر أنه ومنذ سنتين وشهرين لم يدخل الغاز المنزلي إلى الأحياء المحاصرة، مما جعل الأهالي يضطرون إلى طهي طعامهم على الحطب لأجل ذلك. ولا يقل سعر الكيلو الواحد من الحطب عن 250 ليرة سورية، تقول سيدة أخرى رفضت الكشف عن اسمها تقطن في حي الجورة المحاصر وتضيف: “أمام غلاء سعر الحطب قام الأهالي بحرق النوافذ الخشبية والأحذية والملابس القديمة والأثاث من أجل طهي طعامهم اليومي”.

ربما لو طال الحصار أكثر سوف نشاهد وجبات أخرى يخترعها المحاصرون أو لرأينا وسائل تدفئة أو طبخ جديدة يقومون باختراعها، إلا أن ذلك لا ينفي بطبيعة الحال الخطر الداهم الذي يتهدد أكثر من مئة ألف محاصر في هذه الأحياء.. خطر الموت جوعاً.