حلب تستعد للغارات الروسية

” يستعد سكان حلب في مناطق المعارضة لـ”الضربة الحاسمة” التي أعلن النظام عنها بينما تستهدف الغارات الروسية المدنيين بدلاً عن تنظيم الدولة الإسلامية. “

%d8%ad%d9%84%d8%a8-%d8%aa%d8%b3%d8%aa%d8%b9%d8%af-%d9%84%d9%84%d8%ba%d8%a7%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d9%88%d8%b3%d9%8a%d8%a9
(الصورة: نزوح أطفال من قرية الحاضر إلى مخيمات جديدة هرباً من القصف الروسي - ريف حلب الجنوبي - 2015-10-21 (إسماعيل عبدالرحمن / صباح الخير سوريا))

(حلب، سوريا) “القادم أعظم والضربات ستشتد،” بهذا النوع من العبارات خاطب النظام السوري من بقي من سكان حلب الذين رفضوا مغادرة المدينة رغم القصف المستمر بالبراميل المتفجرة منذ أكثر من عامين على مناطق المعارضة.

وجاء ذلك في مناشير ألقاها الطيران السوري فوق أحياء هذه المناطق، طالب فيها سكانها بإخلاء المدينة والتوجه إلى حواجز الجيش السوري حاملين بطاقات ساقطة من الطيران كتب عليها “بطاقة أمان”، وذلك بعد أيام من دخول الطيران الروسي أجواء شمال سوريا رسمياً في تاريخ 30 أيلول (سبتمبر) وتأمين الغطاء الجوي لقوات النظام التي تحاول التقدم من الجهة الجنوبية في اتجاه حلب وتساندها ميليشيات إيرانية  وحزب الله اللبناني.

“سأحزم أغراضي في عشر دقائق وأتجه إلى المنطقة الآمنة كما طلب الأسد، لكن هلا يخبرني أين هي المنطقة الآمنة في حلب؟!”

لم يأخذ سكان حلب هذه المناشير على محمل الجد في بادئ الأمر رغم حدوث بعض حالات النزوح. “من بقي رغم البراميل لن تخيفه بعض المناشير،” يقول محروس (25 عاماً) (1) أحد سكان حي جب القبة. كما علق أبو طارق رئيس مجلس حي أقيول المحلي (2) على المناشير  ساخراً فقال: “سأحزم أغراضي في عشر دقائق وأتجه إلى المنطقة الآمنة كما طلب الأسد، لكن هلا يخبرني أين هي المنطقة الآمنة في حلب؟!”

“سأحزم أغراضي في عشر دقائق وأتجه إلى المنطقة الآمنة كما طلب الأسد، لكن هلا يخبرني أين هي المنطقة الآمنة في حلب؟!”

تهديدات نظام الأسد تعطل الحياة اليومية

“الضربة الحاسمة غداً في الساعة 12:00،” هكذا جاء في أحد المناشير التي ألقاها الطيران فوق مدينة حلب في 19 تشرين الأول (أكتوبر) 2015  من دون أن يحدد ما إذا كانت الضربة ستقع ليلاً أو نهاراً، كما طالب النظام في المناشير ذاتها السكان بالبقاء في البيوت.
لم تتأخر سمر وهي مدرّسة رياضيات في العشرينات من العمر عن درسها المقرر في نفس توقيت الضربة، إلا أن ردة فعل سكان حلب لم تكن مماثلة. “امتنع كثير من الناس عن إرسال أولادهم إلى المدارس خشية استهدافها من قبل الطيران كما جرت العادة مع كل حملة جديدة يعلن عنها النظام،” تقول سمر.

ووضع الأسواق لم يكن أفضل حالاً ففي سوق الجملة في جب القبة التي تبدو شبه خالية من الزبائن على غير عادتها يجلس أبو أحمد تاجر السكر وهو في الخمسينات من العمر أمام محله يتبادل الأحاديث مع جيرانه، ويحدث صباح الخير سوريا عن وضع السوق قائلاً: “إن من كان يشتري خمسة أكياس من السكر أصبح يفكر ملياً قبل أن يشتري كيساً واحداً وأنا قمت بإلغاء طلبيتين من السكر وبالتالي لم تعد حركة البيع مبشّرة.”
حال معظم محلات سوق الجملة كحال أبو أحمد حيث يقوم أصحابها مراراً بإلغاء طلبياتهم بسبب تخوف الزبائن من شراء أي بضاعة تزيد عن حاجتهم اليومية، ما أدى لكساد البضاعة لدى تجار الجملة، حسب أبو عبدو (37 عاماً) الذي كلفته الهيئة الشرعية في حلب بمراقبة  سوق الجملة في جب القبة.

وكذلك الحال في سوق الألبسة في سد اللوز التي باتت خالية من جموع الأطفال والنساء التي تزورها يومياً، ما دفع أصحاب المحلات إلى العمل بما لديهم من بضاعة من دون الحصول على أي بضائع جديدة رغم حلول الموسم الشتوي. “ذهبت إلى لسوق لشراء بعض الألبسة لكني لم أر شيئاً جديداً. وأخبرني صاحب أحد المحلات أنهم (البائعون) يمتنعون عن شراء أي جديد تخوفاً من الحملة التي يشنها النظام لاقتحام حلب وبسبب ارتفاع سعر الدولار،” هذا ما قالته المدرسة سمر. وشهدت فعلاً العملة الأمريكية أعلى ارتفاع لها مقابل الليرة السورية حيث وصل سعر الدولار الواحد إلى ما يزيد عن 345 ليرة سورية.

كما شهدت أسعار المواد الغذائية والخضار تحديداً ارتفاعاً كبيراً بسبب انقطاع الطرق جراء الاشتباكات والغارات الجوية المستمرة، لذلك لم تعد ألوان الخضار والفواكه تزين سوق الشعار التي تعافت سريعاً من المجزرة التي ارتكبها طيران النظام فيها عندما استهدفها بصاروخ فراغي أسفر عن مقتل 20 شخصاً وجرح العشرات في أيلول الماضي.

القصف الروسي يستهدف المدنيين بدلاً من مناطق تنظيم الدولة

سببت الحملة العسكرية التي شنتها قوات النظام بغطاء جوي روسي نزوح أكثر من 70000 من سكان قرى الريف الجنوبي (معظمهم من قرية الحاضر) إلى مخيمات أقيمت على عجل في الأراضي الزراعية المجاورة لقراهم لا يتوفر فيها أدنى متطلبات الحياة، كما يزيد حلول فصل الشتاء وطبيعة الريف الجنوبي الصحراوية من صعوبة الحياة في الخيام، إضافةً إلى مخاوف السكان من ضرورة النزوح من جديد. “ربما سنضطر قريباً إلى هجر هذه المخيمات أيضاً فقد يتبعنا الطيران الروسي إلى هنا إذا ما تقدمت العمليات العسكرية باتجاهنا،” حسب تعبير أبو ناصر أحد النازحين عن قرية الحاضر وهو في الأربعينات من عمره.

فالقصف الروسي لم يختلف عما كان يفعله طيران النظام على حد قول الناشط الإعلامي عبد الرحمن إسماعيل (33 عاماً). “عندما بدأت الضربة الروسية كنا نتوقع أهدفاً أكثر دقة تستهدف داعش إلا أنه تبين أن الأسلحة التي يستخدمها الروس غير دقيقة وتستهدف المدنيين بشكل خاص وبعض فصائل المعارضة (كمقر حركة نور الدين الزنكي أحد أهم الفصائل التي تقاتل تنظيم الدولة الإسلامية في الريف الشمالي، ومقر مجلس المحافظة التابع لحكومة الائتلاف السوري المعارض المؤقتة في دير جمال)،” هذا ما أكده لـصباح الخير سوريا عبد الرحمن إسماعيل.
وما أثار استغراب الناشط هو ما جاء في أحد المناشير المذكورة الذي أمر النظام فيه سكان حلب بالتوجه شرقاً، وقال إسماعيل “إن المناطق الشرقية الواقعة تحت سيطرة داعش وصفها النظام بالآمنة ما يعني أن الضربات الروسية لن تستهدف داعش.”

وكانت السلطات الروسية قد أعلنت عن بدء عملية عسكرية في شمال سوريا في آخر أيلول (سبتمبر) 2015 تهدف إلى القضاء على تنظيم الدولة الإسلامية، بينما صرح في ما بعد وزير الدفاع الأمريكي ووزير الخارجية الفرنسي بأن الضربات الروسية لا تستهدف مواقع التنظيم. وحسب مصدر سوري في منظمة “مراسون بلا حدود” رفض الكشف عن اسمه  في لقائه مع صباح الخير سوريا، إن المختصين في تحليل الفيديوهات تأكدوا من أن معظم المناطق الظاهرة في المشاهد التي يبثها الإعلام الروسي من أجل إثبات استهداف مواقع أتباع أبو بكر البغدادي هي مناطق سيطرة المعارضة في حلب وإدلب، وتبين ذلك بعد مقارنة طبيعة الأرض الظاهرة في هذه المشاهد مع طبيعة الأراضي السورية.

لقد مضى ما يقارب الشهر على الحملة الروسية على شمال سوريا وتمكنت قوات المعارضة من صد معظم محاولات النظام للتقدم باتجاه مدينة حلب مستفيدةً من صواريخ التاو التي زودت بها، كما استطاعت تدمير أكثر من 20 دبابة ومدرعة للنظام الذي لم يحقق حتى الآن أي تقدم استراتيجي مهم.
والنتيجة الأبرز للتدخل الروسي كانت قتل المزيد من السوريين وتشريدهم وزيادة المخيمات وسيطرة تنظيم الدولة الإسلامية على طريق خناصر الذي يُعتبر المنفذ الوحيد لمناطق سيطرة النظام في حلب، وبالتالي محاصرة المدنيين المتواجدين فيها ليشمل أثر تدخل موسكو جميع سكان المدينة بغض النظر عن المنطقة أو التوجه السياسي وإن كان بنسب متفاوتة.

تم استخدام أسماء مستعارة لحماية المصادر.
بعد انسحاب الجيش السوري من هذه المناطق شكلت المعارضة العديد من المؤسسات الإدارية بما فيها ما يسمى بالـ”مجالس المحلية”.