داعش… كابوس الطفولة في الرقّة

” محمود البالغ من العمر أحد عشر عاما كان من بين الاطفال السبعة الذين تم اعتقالهم من قبل تنظيم داعش، وأطلق سراحه في اليوم التالي لثبوت براءته من تهمة “اللواط“> “

%d8%af%d8%a7%d8%b9%d8%b4-%d9%83%d8%a7%d8%a8%d9%88%d8%b3-%d8%a7%d9%84%d8%b7%d9%81%d9%88%d9%84%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d9%82%d9%91%d8%a9
[عناصر من تنظيم داعش ينفذون حكم الرمي من بناء عالي (شاهق) بحق شاب من مدينة الرقة بتهمة "اللواط"-الرقة ]

الرقة – سوريا: جلد، أم بتر لليد، أم رمي من علو شاهق؟ بهذه العبارات يتهامس المدنيون في مدينة الرقة لدى استفسارهم سراً، عن مصير أحد المعتقلين لدى تنظيم الدولة الإسلامية الذي بات يعرف بـ بتنظيم “داعش” في إشارة إلى رغبة المدنيين والنشطاء المجتمعيين بتجريده من كل ما يمت للإسلام بصلة.

فمنذ سيطرة التنظيم على مدينة الرقة بشكل كامل مطلع عام 2014 أمعن في إحكام سيطرته على كل مفاصل الحياة فيها عن طريق القوة والترهيب ونشر الذعر في صفوف المدنيين.

وبحسب الناشطة فدوى البدوي، من أهالي الرقة مقيمة في أورفا حالياً، فإن “داعش لا يميز بين طفل أو امرأة أو رجل كبير أو صغير السن، جميعهم سواء ويمكن لداعش أن يتفنن بتعذيبهم لأتفه الأسباب بهدف إحكام قبضته الحديدية على مدينتنا”.

ووفقاً لفدوى فإن آخر حادثة اعتقال وتعذيب تم رصدها كانت الأسبوع الفائت عندما قام داعش بمداهمة سبعة منازل في أحد أحياء المدينة واعتقال طفل من كل منزل. وعندما تمت عملية المداهمة لم يستطع أحد من أهالي الأطفال الامتناع من تسليم ابنه ولا حتى أُعطي الحق بمعرفة سبب الاعتقالات تلك “فقط يقومون بسحب الأطفال مخبرين أولياء أمورهم بأنَّ هناك تهم قد وُجّهت إليهم وسيتم التحقيق معهم لبضع ساعات أو أيام وفي حال عدم ثبوت التهم سيتم إطلاق سراحهم. أمّا في حال تأكيدها فسيتعرض الولد للقصاص”.

محمود يبلغ من العمر أحد عشر عاماً كان من ضمن أطفال الحي الذين تم اعتقالهم وأُطلق سراحه في اليوم التالي لثبوت براءته من التهمة المنسوبة إليه، وقد كانت بحسب ما روى بعد خروجه بثلاثة أيام: “اللواط”.

يَذكُر والد الطفل محمود أن ابنه تعرّض لصدمة نفسية حادة من شدة الخوف فهو لم يعتد الابتعاد عن أهله تحت أي ظرف من الظروف فكيف وقد قضى تلك الليلة في إحدى الزنزانات التابعة لداعش وتم التحقيق معه من قبل اولئك “الوحوش” كما وصفهم.

أزمة محمود النفسية بدأت “فعليا” منذ لحظة الافراج عنه من أقبية التعذيب التابعة لداعش، فهو لم يعد يخرج من المنزل ويرفض اللعب مع اصدقائه في الشارع خوفا من حلم يراوده ويرويه لوالدته بشكل يومي “عناصر التنظيم عم يرموني من برج عالي كتير”

“لم أفهم ماذا يجري” يتحدث محمود بصوت مبحوح ويسرد تفاصيل ما حدث معه في أقبية داعش المخيفة بحسب وصفه. “رمونا في غرفةٍ واحدة وأخبرونا أنهُ لو كنّا نمارس (اللواط) فلن يرحمونا وسيلقون بنا من مكان مرتفع. لقد شاهدتُ فيديو مرةً لرجل رموه من سطح أحد الأبنية العالية لذلك كنتُ خائف منهم مع أني لم أفهم ما معنى تلك الكلمة فسألتُ السجان وأنا أبكي: (شيخي شنو يعني لواط)، فنظر لي بغضب وقال: تريد أن تتغابى لتفلت بفعلتك؟ عندما تُعرض على المحقق ستعرف معنى الكلمة”.

تحمر وجنتا محمود قليلاً ثم يتابع حديثه مشيراً أنه عَرِف معنى تِلكَ التُهمة. وأكّد، وكأنه يدافع عن نفسه أمام محقق من جديد: “والله أنا ورفقاتي بريئين من هالتهمة” ولفت إلى أنه اكتشف من خلال التحقيق أن أحد أبناء الحي لفّق تلك التهمة لهم على خلفية شجار نَشَب بينهم قبل عدّة أيام.
وبحسب أبو محمود فإنه يكفي أن يقول فتى واحد لأحد عناصر التنظيم المقيمين في الحي أنّ أصدقاءهُ فلان وفلان، معدداً أسماءهم، يقومون بفعل تلك “الفاحشة” ليشكل بذلك اتهام يستدعي اعتقال سبعة أطفال أكبرهم لم يتجاوز عمره الثالثة عشر عاماً.

“جلدوني على ظهري ستة وعشرين جلدة” يقول محمود. يتوقف قليلاً عن الحديث، يلهو بياقة قميصه قليلاً، ثم يتابع مستدركاً “كان هاد آخر رقم بسمعو قبل ما يغمى عليي من شدّة الألم”. ولم تشفع دموع محمود وتضرعاته للجلاد ليتوقف عن ضربه، فبحسب محمود لا أحد من عناصر التنظيم كان يبدو أنه تأثر لسماع صرخاته أو استجاب لتوسلاته طلباً للرحمة.

لم يعترف أحد من أصدقاء محمود بتهمة “اللواط” على الرغم من آلام الجلد التي تعرضوا لها لأنهم وبحسب فادي، صديق محمود وأحد الأطفال السبعة الذين تم اعتقالهم، كانوا مصرين أنهم لن يعترفوا بشيء لم يفعلوه.

يروي فادي الذي لم يتجاوز الحادية عشر من العمر أيضاً، أنه عندما كان يصرخ تحت التعذيب وهو يجهش بالبكاء “والله يا شيخي ما ساوينا شي هذا (خ) كذّاب”, فكان رد العنصر أن يقوم بصفعه”. وقعني ع الأرض وسكتني” يقول فادي. ثم يضيف بصوت منتصر “ومع ذلك لم أعترف بشيء لم أفعله”.
في اليوم التالي من حادثة اعتقال الفتيان السبعة والتحقيق معهم، تم عرضهم على القاضي الشرعي المكلف بمتابعة قضيتهم والذي أمر بإخلاء سبيلهم لعدم ثبوت التهمة عليهم.

تؤكد الناشطة فدوى أن حادثة اعتقال الفتيان السبعة ليست إلا واحدة من عشرات حوادث الاعتقال التعسفي التي ارتكبها التنظيم بحق الأطفال، فضلاً عن المدنيين.

فمنذ منتصف عام 2014 بعد أن أحكمت داعش من قبضتها على السلطة في المدينة بدأت عناصر “الحسبة” تجول الشوارع بحثاً عن متهمين محتملين “بتهم مخالفة مبادئ الشريعة الاسلامية” وفي حال اشتباههم بأي شخص لأي سبب كان، يحق لهم سحبه إلى مقر الحسبة والتحقيق معه تحت الضغط والتعذيب ولا يستثنى من ذلك طفل أو امرأة.

تضيف فدوى “رصدنا بالبداية حالات جلد للإناث في الشوارع، في حال مخالفة الحجاب الشرعي للفتيات فوق عمر العشر سنوات، وتغيرت العقوبة لاحقاً فأصبحت داعش تكتفي بحجز الفتاة المخالفة للحجاب الشرعي في مقر الحسبة وتجلد وليّ أمرها الذي يمكن أن يكون أبيها أو أخيها بالإضافة إلى غرامة مالية يدفعها ولي الأمر”.

وذكرت حادثة اخرى حدثت منذ شهر تقريباً وهي حجز وجلد طفل قريب لها عمره 13عاماً، كانت تهمته اللعب في الشارع وقت الصلاة.

لا ينتهي الأمر عند هذا الحد، فلا يكفي أن يحكم القاضي، شيخ من التنظيم، على المتهم بالإفراج لتنتهي أزمة الطفل المحتجز.

بالنسبة لوالدة محمود فمعاناة ابنها بدأت منذ لحظة الإفراج عنه فهو لم يعد يخرج من المنزل ويرفض اللعب في الشارع مع أصدقائه خوفاً من حلم يراوده ويرويه لوالدته بشكل يومي “عناصر التنظيم عم يرموني من برج عالٍ”.

يذكر أن مدينة الرقة تقع شمال سوريا على الضفة الشرقية لنهر الفرات على بعد 160 كم شرق مدينة حلب وانخفض عدد سكانها بعد سيطرة تنظيم الدولة الاسلامية عليها من 600 ألف نسمة إلى أقل من 300 ألف تقريباً وهي تفرض حصاراً مشدداً على مداخل المدينة لمنع ما تبقى من المدنيين فيها من مغادرتها بدواعي “حرمة الذهاب إلى مناطق الكفار”.