سباق مع الزمن

” قصة شخصية عن تحديات السفر من مناطق النظام السوري إلى تركيا قبل أربعة أيام من موعد تنفيذ قرار الحكومة التركية الذي يُلزم السوريين بالحصول على تأشيرة للدخول إلى الأراضي التركية بحراً أو جواً.  “

%d8%b3%d8%a8%d8%a7%d9%82-%d9%85%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%b2%d9%85%d9%86
(الصورة: بداية جديدة اضطرارية، هبوط الطائرة في مطار أضنة - تركيا - 2016-1-7 (رامز البنيصباح الخير سوريا)).
<

“فأتذكر أني انطلقت من حلب منذ أربعة أيام لأصل إلى مدينة تبعد عن بيتي ساعة ونصف أو ربما أقل في السيارة في الأحوال العادية.”

div data-carousel-extra='{"blog_id":1,"permalink":"http:\/\/www.goodmorningsyria.org\/%d8%b3%d8%a8%d8%a7%d9%82-%d9%85%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%b2%d9%85%d9%86\/"}' id='gallery-1' class='gallery galleryid-1929 gallery-columns-3 gallery-size-thumbnail'>
(أضنة، تركيا – الخميس 7 كانون الثاني (يناير) 2016 عند الساعة 11:45 مساءً) وأخيراً وصلت إلى مطار أضنة بعد ثلاثة أيام من السفر. مطر كثيف جداً وبرد شديد…
أسمع صوت موظف شركة السفريات: “يا شباب، يجب الإسراع بالحصول على ختم الدخول قدر المستطاع. باقي ربع ساعة ويتوقف إدخال السوريين إلى الأراضي التركية حتى صدور تعليمات قانون الفيزا الجديد (1).”
مطار أضنة الصغير أشبه بكراج انطلاق البولمان في دمشق، فلا تجد فيه إلا سوريين ومن جميع المدن. أعداد كبيرة من الأطفال والنساء والشباب الهارب من سحب الاحتياط… تشكيلة كبيرة من مختلف أطياف الشعب السوري ربما لا تجدها في أي مكان داخل سوريا حالياً.
بعد ختم الدخول تجد أكواماً من حقائب السوريين وصلت قبل وصول أصحابها الذين ما زالوا عالقين في فوضى مطار بيروت. الحمد لله أن الحظ أسعفني ووصلت حقيبتي.
وخارج صالة المطار ترى المئات من السوريين أيضاً يقفون تحت المطر في انتظار وصول عوائلهم أو أصدقائهم. ينتشون عند وصول أي طائرة، يقفون متجمعين ومتلهفين. مزيج غريب من مشاعر الفرح والبكاء واليأس من الوصول، حيث كانت هذه الرحلة الأخيرة للسورين بدون فيزا.
ركبت التكسي ووضعت رأسي على المقعد وقلت للسائق: “إلى غازي عنتاب لو سمحت،” واستسلمت للنوم.
(حلب، سوريا – الاثنين 4 كانون الثاني عند الساعة 7 صباحاً) انطلق البولمان بنا نحو مدينة حماة من كراج الحجز المؤقت عبر طريق خناصر – أثرية، وهو المنفذ الوحيد لنا من مدينة  حلب (مناطق النظام) نحو العالم الخارجي. سيستغرق الطريق حوالى خمس ساعات في حال كانت الأمور بخير، وسأبحث عن فندق أقضي فيه ليلتي الأخيرة في سوريا قبل التوجه إلى لبنان يوم غد على اعتبار أنه لا يوجد حركة طيران بين سوريا وتركيا في ظل التأزم السياسي بين البلدين، فطائرتي إلى تركيا تقلع من مطار بيروت مساء الأربعاء. كم أتمنى أن تتيسر الأمور وأصل في الوقت المناسب.
عند الساعة الواحدة ظهراً تقريباً وصلت إلى مدينة حماة وانطلق بي التكسي نحو فندق القاهرة في ساحة العاصي.
(كراج بيروت، حماة، سوريا – الثلاثاء 5 كانون الثاني عند الساعة 9 صباحاً) السماء صافية والطقس شديد البرد بعد يوم ماطر. وعلى مدخل الكراج متاريس من الرمل وصورة كبيرة لبشار الأسد تلخص سنين من الوضع السوري. عدد كبير من السيارات وعدد أكبر من البشر والكل متجه نحو بيروت، أو بالأحرى نحو تركيا.
“أكثر من 50 سيارة انطلقت أمس إلى بيروت ومثلها أو أكثر ربما ستنطلق اليوم أيضاً، “هذا ما قاله لنا السائق ونحن واقفون في طابور “تفييش” (2) الهويات قبل الخروج من الكراج، فبدأت أتخيل الأعداد الهائلة والهجرة الجماعية من باقي المدن السورية، من حمص ودمشق واللاذقية وغيرها.
وصلت تكلفة الراكب إلى حدود 20 ألف ليرة (ما يعادل 50 دولار، وهوضعف الكلفة في الأيام العادية). وفرصة كهذه لا تأتي للسائقين كل يوم، فالمضطر إلى السفر مستعد ليدفع حتى لو وصل المبلغ إلى 100 ألف (250 دولار).
(معبر الدبوسية، الحدود السورية اللبنانية – اليوم نفسه عند الساعة 2:30 ظهراً) عند الحاجز الأخير على الحدود السورية (بعد حوالى أربعين حاجزاً على الطريق) يقف العسكري ليأخذ ألف ليرة سورية (25 دولار) من كل شاب كرشوة بدل التفييش لسحب الاحتياط قائلاً: “يا خسارة الرجال، لوين رايحين وتاركين البلد؟”
ومن هذه النقطة تبدأ معاناة جديدة وهي السماح للسوريين بالدخول إلى الأرضي اللبنانية، فينتظر العديد من السيارات عسكرياً لبنانياً بلا أي رتبة ليسمح لها بالدخول. “والله يا أخي جايين من حمص وصرلنا يومين، راحت علينا الطيارة بس بدنا نفوت وبعدها مندبر حالنا،” هذا ما قاله لي أول شخص قابلته على الحدود، وكم كانت بشرى لي!
وبعد ثلاث ساعات فقط من الوقوف، سُمح لنا وحدنا بالمرور لأن مسافرة معنا في نفس السيارة كانت تعرف أحد ضباط الأمن اللبناني، فأصبحنا محط أنظار كل الناس الذين بدأوا يحللون إمكانية انتمائنا  لجماعة أو لأخرى. لكن كل ما سبق لم يكن يهمني قدر فرحتي بدخول لبنان.
(البور، بيروت، لبنان – يوم الثلاثاء نفسه عند الساعة 7:50 مساءً) لا أصدق نفسي، فأصدقائي الذين انطلقوا معي أو سبقوني بيوم ما زالوا عالقين عند معبر الدبوسية.
أتصل سريعاً بشركة الطيران لأتأكد من حجزي ليوم غد ومن ترتيبات الذهاب إلى المطار، لكن أتفاجأ بالرد الآتي: “نعتذر أستاذ، الطيارة تم تأجيلها ليوم الخميس عند الساعة السادسة مساءً لأسباب فنية.” إلا أن يوماً واحداً إضافياً في بيروت لن يشكل مشكلة عظيمة لي بعد أن عبرت الحدود، فكل ما أفكر به الآن هو الوصول إلى الأراضي التركية قبل الثامن من شهر كانون الثاني.
(مطار بيروت الدولي، لبنان – الخميس 7 كانون الثاني عند الساعة 2:00 ظهراً)  يمكن أن تطلق على هذا المكان أي تسمية سوى مطار:فوضى، لا وجود لأي عمال نظافة ولا حتى موظفي المطار. لا تجد إلا أعداداً هائلة من السوريين في انتظار “الهوب هوب” (3)… عفواً، الطائرة إلى أضنة أو إسطنبول.
فتقف وتنتظر لساعات حتى تدخل قاعة المغادرة من أجل وزن الحقائب، وعند الوزن حدّث ولا حرج، فيجب أن تؤدي دور المسافر ورجل الشرطة ومسؤول التنظيم وأحياناً عامل النظافة. ما من اعتبار للأرقام أو مواعيد الرحلات، فمن يصل أولاً إلى نافذة وزن الحقائب يصعد على أول طائرة متجهة إلى تركيا. ونتيجة للوزن الزائد تبقى الحقائب مرمية على الأرض في المطار بعدما منع أصحابها من حملها من دون دفع تكاليف إضافية غير محتملة.
وبعد تأجيل موعد رحلتي للمرة الثانية، ها هي الآن تستعد للإقلاع في تمام الساعة العاشرة والربع مساءً. “يرجى من السادة الركاب الالتزام بعدم سرقة ستر النجاة وإلا سنضطر آسفين لإعادة من تضبط معه سترة مسروقة إلى بيروت،” كم هو مضحك ومبكٍ هذا النداء لكابتن الطائرة قبل الهبوط في أضنة كتحذير بعد انتشار عادة سرقة ستر النجاة من الطائرة توفيراً لدفع ثمنها للمهرب في مدينة أزمير حيث تُنظم معظم الرحلات إلى أوروبا.
(غازي عنتاب، تركيا – الجمعة 8 كانون الثاني عند الساعة 4:30 فجراً) أفتح عيني لأرى أول شاخصة مرورية: “حلب 130 كلم”، وأنظر في ساعتي، اليوم هو الجمعة، فأتذكر أني انطلقت من حلب منذ أربعة أيام لأصل إلى مدينة تبعد عن بيتي ساعة ونصف أو ربما أقل في السيارة في الأحوال العادية. أسترجع شريط ذكريات الأيام الماضية وأبتسم حامداً ربي على وصولي بسلام، وأقتنع تماماً بنظرية كروية الأرض.

كانت وزارة الخارجية التركية قد أعلنت الثلاثاء 29 ديسمبر/كانون الأول الماضي فرض تأشيرة للسوريين لدخول الأراضي التركية، ودخل القرار حيز التنفيذ يوم 8 كانون الثاني (يناير) 2016، كما أكدت السلطات التركية أن تأشيرة الدخول هذه لن تنطبق على القادمين من الحدود السورية البرية، موضحة أنه “سيكون بالإمكان الحصول على هذه التأشيرات من السفارات والقنصليات العامة التابعة للجمهورية التركية”. ومن الجدير بالذكر أن سكان المناطق الوسطى والجنوبية لا يستطيعون الوصول إلى المعابر الحدودية وبالتالي يضطرون إلى السفر بحراً أو جواً.
“الفيش” مصطلح للأمن السوري وهو مكان وجود الكمبيوتر على الحاجز.
“الهوب هوب” باص قديم و بطيء يُستخدم للنقل بين القرى في الريف السوري وسُمي هكذا نسبة إلى كلمة عامية تدل على كثرة التوقف.