سيارات الإدخال بالقامشلي : تحقيق لحلم المواطن أم كابوس مؤجل

%d8%b3%d9%8a%d8%a7%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%af%d8%ae%d8%a7%d9%84-%d8%a8%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%a7%d9%85%d8%b4%d9%84%d9%8a-%d8%aa%d8%ad%d9%82%d9%8a%d9%82-%d9%84%d8%ad%d9%84%d9%85-%d8%a7

حمزة همكي

كان كاوا سعيداً بشرائه سيارة “إدخال” جديدة قبل أن يستيقظ صباحاً ويفتح باب منزله بمدينة القامشلي/ قامشلو شمال شرقي سوريا ويتفاجأ بعدم وجودها أمام المنزل.

يعيش الرجل الاربعيني في جمعاية وهو حيٌ يقع في المدخل الشرقي للمدينة وهو من ضمن الأحياء التي تسيطر عليها الإدارة الذاتية الكردية التي أعلنتها مجموعة أحزاب تحت مسمى (حركة المجتمع الديمقراطي) بقيادة حزب الاتحاد الديمقراطي بداية العام 2014.

بعد سيطرة الوحدات الكردية على مدينة تل أبيض الحدودية مع تركيا صيف 2015 واستقرار الوضع الأمني فيها بدأت عمليات تجارية تنشط في معبر المدينة شملت بصورة أساسية دخول سيارات مستعملة أوروبياً وازداد هذا النشاط بوتيرة عالية إلى الوقت الراهن وفق موظفين يعملون في هيئة المواصلات التابعة للإدارة.

لكن تجاراً في المدينة يقولون إن دخول تلك السيارات كان قبل سيطرة الوحدات على المعبر فالدخول قد بدأ بعد سيطرة فصائل من المعارضة المسلحة على المعبر في العام 2012 واستمر أيام سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) على المعبر بداية 2014 أيضاً. إلا أن النشاط في المعبر ازداد بعد سيطرة الوحدات الكردية عليه في العام التالي.

بدى كاوا عبدي حزيناً حينما وصلنا إلى منزله وقد اجتمع بعضٌ من جيرانه حوله “ليخففوا عنه قليلاً” جراء سرقة سيارته التي اشتراها منذ أقل من أسبوع.

وقال في حديث لـ “صباح الخير سوريا”: “قمت بشراء سيارتي منذ أيام قليلة بمبلغ 15.300 ألف دولار أمريكي، السيارة كانت من نوع هونداي H100 شحن”.وأضاف متنهداً: “تعب كل هذه السنوات ذهب أدراج الرياح”.

بعد ازدياد عدد تلك السيارات في مناطق الإدارة الذاتية بدأت هيئة المواصلات بتنظيم إجراءاتها من حيث التسجيل ومنح اللوحات بهدف “الاحترازات الأمنية” وفق حسن محمد مدير المواصلات في إقليم الجزيرة.

كان حسن محمد يناقش مشكلة أحد الأهالي حول الإجراءات القانونية بخصوص سيارته عندما دخلنا مكتبه في مركز المواصلات في المنطقة الصناعية القديمة في القامشلي، هذا المركز الذي كان موظفو النظام السوري يديرونه قبل العام 2014 قبل سيطرة الوحدات الكردية عليه في العام ذاته.

يقول السيد حسن محمد لصباح الخير سوريا: “لم تتدخل الإدارة الذاتية بكيفية دخول هذه السيارات ومن يقوم بإدخالها إلى مناطقنا ولم تفرض قيوداً على العملية بل وجدت في ذلك تحقيقاً لحلم المواطن في امتلاك سيارة بثمن أقل كلفة من السيارات النظامية”.

و يضيف: “عندما ازداد عدد هذه السيارات قمنا بمحاولة السيطرة على الوضع والقيام بإجراءات قانونية حفاظاً على أمن وسلامة المنطقة كي لا تحدث في المستقبل مشاكل على خلفية عدم امتلاكها أوراقاً ثبوتية وما إلى ذلك”.

لكن كاوا يرى أن سيارته ذهبت دون رجعة لأن سارقو سيارات الإدخال يعرفون “من أين تؤكل الكتف” فهم يعلمون جيداً أن الرقابة على هذه السيارات صعبة بالنسبة لأجهزة أمن الإدارة الذاتية على حد وصفه. ويقول أحد جيرانه: “ياما راحت سيارات”.

يقول بعض التجار في مدينة القامشلي إن “بعض ممتهني السرقة لديهم طرق معينة لتغيير الأرقام الموجودة على أمكنة محددة في جسم السيارة ويتفقون مع موظفين من المواصلات ويمضون في تزوير الأوراق”. وهو الأمر الذي نفاه مدير المواصلات قائلاً: “لدينا خبراء في فحص السيارات وأية عملية تزوير يتم اكتشافه فوراً،ويتم حجز السيارة”.

يروي هؤلاء التجار قصصاً حدثت معهم أو مع تجار آخرين حول حالات لسيارات اشتراها بعضهم من مناطق منبج  وتبين أثناء القيام بفحصها وتسجيلها أنها سيارات نظامية أزيلت لوحاتها وتم بيعها على أنها مستعملة أوروبياً.

ويوضح عبد الغني حجي أحمد سيتي وهو تاجر سيارات أن هناك حالات كهذه حدثت بالفعل وأنه “وقع في بعضها”. حيث قام بشراء سيارة من أحد الأهالي تبين فيما بعد أن السيارة نظامية ومقيدة لدى النظام في السابق تم سرقتها في مناطق تعاني الحرب.

يبدي سيتي الذي يملك معرضاً للسيارات في منطقة قناة السويس في القامشلي امتعاضه من وضع سيارات الإدخال ويقول لـ “صباح الخير سوريا”: “الموضوع  تلفه شكوك كثيرة حيث أن الذين يقومون بإرسال هذه السيارات إلى مناطق الجزيرة وبيعها للتجار هنا أو إلى المواطنين لا يملكون وثائق رسمية ولا يظهرون بياناتهم التجارية لنا مثل الوثيقة التجارية وهل هو مسجل في غرفة التجارة أم لا أم أنه مخلص جمركي أو مستورد. فقط يقوم هؤلاء بإظهار صورة لبطاقاتهم الشخصية”.

ويضيف: “العملية عبارة عن سوق سوداء وليس هناك مصداقية سوى أننا نتعامل تجارياً بناءً على الأوراق الجمركية التابعة للإدارة الذاتية المصحوبة مع السيارة”.

من جهة أخرى لم يعترف النظام السوري الذي يسيطر على المربعين الأمنيين في مدينتي الحسكة والقامشلي إلى الآن بهذه السيارات لكنه يغض النظر عن الوضع القائم فلم يحدث إلى الآن أن احتجزت شرطة المرور التابعة للنظام سيارة تحمل لوحة للإدارة الذاتية وفق مدير المواصلات حسن محمد. لكن مواطنين يتخوفون من مستقبل سياراتهم فضلاً عن عدم الجرأة من دخول مناطق سيطرة النظام بهذه السيارات خوفاً من حجزها.

يطالب عباس سلطان خضر وهو من أهالي منطقة تل حميس جنوبي القامشلي ـ صادفناه في معرض سيتي ـ الإدارة الذاتية بإيجاد حل مرضٍ ويقول: “بعت أغنامي مقابل أن أشتري سيارة. الناس تريد من الإدارة الذاتية حلّ مسألة سيارات الإدخال مع النظام”. يضيف: “إما أن يتم إيقاف العمل بتجارتها أو يكون هناك ضمانات للمواطن بعدم حجز النظام لسياراتهم في المستقبل”.

إلا أن مدير المواصلات يرى أن المنطقة تعاني الحرب و”نحن في ثورة” ومن المحتمل أن نخسر الكثير في هكذا وضع. مشدداً: “الإدارة الذاتية سمحت بدخول هذه السيارات بناء على رغبة المواطن في امتلاك سيارة ولا يوجد أي ضمان في الوقت الراهن لكن في المستقبل كل الخيارات مطروحة بالنسبة للحلول أو المشاكل”.

مؤخراً سمحت بلدية الشعب التابعة للإدارة الذاتية في المدينة بعمل بعض تلك السيارات في الكراجات مثلها مثل السيارات النظامية التي تحمل لوحات حكومية تنقل الركاب على خط القامشلي ـ المالكية/ ديرك.

لكن تعاني هذه السيارات من عدم وجود بطاقة تأمين (سيكورتا) على حياة السائق أو الركاب كما السيارات النظامية العمومية.

أصدرت قوات الأمن الداخلي (الأسايش) في 13 كانون الأول/ ديسمبر من العام المنصرم، توضيحاً أعلنت فيه قبضها على شخص بتهمة سرقة سيارة إدخال “تويوتا/ هاي لوكس”، في بلدة معبدة/ كركي لكي الملاصقة لمدينة رميلان النفطية. وذلك بعد بلاغ تلقته من أحد المواطنين بسرقة سيارته وفق التوضيح.

وكما مصير تلك المناطق ، لا يبدو واضحاً مصير سيارات الإدخال هذه، وما إذا كان سيتم التعامل معها كما السيارات النظامية مستقبلاً؟، لكن الواضح أن حالة كاوا الذي خسر تعب سنوات من عمره بعد سرقة سيارته، قد تتكرر إلى حين إيجاد حل جذري للقضية السورية برمتها.