صاحب البارودة الخشبية

” قصة عن شخص مميز لم يستوعب عسكرة مجتمعه إلى أن ذهبت بابتساماته الدائمة. “

%d8%b5%d8%a7%d8%ad%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%a7%d8%b1%d9%88%d8%af%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d8%b4%d8%a8%d9%8a%d8%a9
(الصورة: قاسم حاملاً بارودته الخشبية في شوارع تل تمر- الحسكة - 2016-3-7 (حسين زيدوصباح الخير سوريا)).
(تل تمر، الحسكة، سوريا) بلغ قاسم (1) سن العشرين ولم تطأ قدماه يوماً أرضاً خارج بلدته الصغيرة تل تمر. وكان خلال تجواله في شوارع البلدة دائم المرح لكن عديم الكلام، ليس تكبّراً منه بل لأنه لا يستطيع الكلام جراء إعاقة عقلية، لذلك لقّبه أهالي البلدة بأسماء عديدة كالأبله والمسكين والأخرس وصاحب البارودة الخشبية.
ولم يكترث قاسم يوماً للأحداث التي تجري في بلدته الصغيرة، بل كان يحتضن دميته بشكل دائم ويتجوّل في رحاب البلدة غير مبالٍ بالخطر الذي يحدق بها. أما عندما بدأت الأحداث العسكرية تتسلّل إلى داخل شوارع بلدته كبقية المدن والبلدات والقرى في البلاد، فبات يهتم بالأمر قدر استيعابه، وعوضاً عن اللعبة صار يحمل بارودة خشبية صنعها له نجار البلدة، فيضعها على كتفه ويتجوّل في الشوارع معتزاً بنفسه بين الناس.
ثم بدأت تل تمر تتعرض لهجمات متتالية وتشهد تسلّل سيارات مفخخة إلى داخلها. إلا أن صاحب البارودة الخشبية لم يتقيّد يوماً بإنذار الخطر، ولم يتعرّف على لوائح الحواجز الأمنية للقوات المتواجدة في البلدة التي تشير إلى وجود نقطة تفتيش فالقراءة عصيّة عليه، ولم يكن يخضع حتى للتفتيش عند وصوله إلى الحاجز الأمني لأنّ جميع عناصر الحاجز في الشارع المؤدي إلى منزل والده يعرفونه عن قرب ويغضّون الطرف عنه أثناء مروره.
وفي مساء 10 كانون الأول (ديسيمبر) 2015، ضرب البلدة تفجير هائل بسيارة مفخخة، ما دفع بالجميع إلى الهرولة نحو مركز سوق البلدة حيث التفجير. وكانت خيوط الشمس الأخيرة قد تلاشت لتوّها، وساهم غبار التفجير ودخانه بتعتيم أجواء البلدة وأحاطاها بهالة سوداء.
ووقف قاسم حيث تجمّع الأهالي في وسط السوق، واختلط صراخ الجرحى بعويل المفجوعين وبكاء النسوة لتشكل تلك الأصوات كلّها ليلة لن تُمحى من ذاكرة أهلها أبداً.
ونظر قاسم حوله إلى أشلاء أبناء بلدته المرمية هنا وهناك، والدكاكين التي تناثرت بضاعتها، والمباني التي تهاوت على الأرض، فتغيّرت ملامح وجهه المرحة، وباتت علامات الحزن لأول مرة واضحة عليه، ثم تابع السير حاملاً بارودته الخشبية فوق كتفه يتفحّص الدمار بتعجب.
وقدم جميع أهالي البلدة يبحثون عن المفقودين بين حطام المباني حتى كاد السوق لا يسعهم وبات الازدحام يعيق عملية التنقيب بين الركام. ووسط البحث عن المفقودين لم يعد يهتم أحد بالبضاعة المتناثرة في الشارع رغم غلائها في أيام الحرب، وامتلأ الشارع بعلب وأكياس من المواد الغذائية التي ما زال بعضها مغلفاً. ومرّ بها قاسم ورفسها بقدميه بضربات قوية ومتتالية.
ومن ثم مشى نحو الأمام حتى وصل إلى دكان النجار الذي صنع بارودته الخشبية، فتوقّف لبرهة ونظر إلى دكانه ودكاكين أخرى من بينها دكان الحلوى المجاور لمحل الألعاب الذي كان صاحبه قد أهداه الدمية التي اعتاد احتضانها قبل البارودة. وكان قاسم في كل جولة له يتوقف عند البائع ليتناول قطعة حلوى.
وجلس قاسم على جذع شجرة خارج دكان النجار إذ لم يجرؤ أن يدخل أيًّا من الدكاكين المعتمة، وانتظرَ لبُرهة حتى وصل أهالي البلدة. فما إن دخل أحدهم أحد الدكاكين حتى صرخ لرؤيته جثة بائع الحلوى، فحمل الجميع الجثة وأخرجوها من ظلمة الدكان.
وعندما رأى قاسم الجثة نهض وصرخ لأول مرة بصوت عالٍ، وضرب ببندقيته الخشبية حطام الأبنية لتتحطم هي الأخرى. وعاد وجلس باكيًا، ثم تناول حجرة وحطّم بها بقايا بندقيته إلى أجزاء صغيرة شبيهة بحطام أبنية بلدته الصغيرة في هذا المساء. من ثمّ حمل دمية كانت مرمية هناك وتابع تجواله في البلدة وعيناه تتتبعان الدمار مغرورقتين بالدموع.
لقد محا حجم حادث ذاك المساء ملامح المرح الدائم عن وجه قاسم قدْرَ الكسور التي أحدثها التفجير في مباني البلدة وعظام ناسها.
* حسين زيدو من مواليد القامشلي (1969)، مراسل ميداني لقناة كي إن إن (KNN) الإخبارية الكردية. علّم في المدارس الابتدائية لـ11 عاماً، وله قصص قصيرة منشورة في مجلتي شار وصور في اللغتين العربية والكردية. وكتب رواية في العربية بعنوان “خابور العجوز” وهي قيد الطبع تتناول مواضيع التداعيات الإنسانية في العام الأول من الثورة السورية في منطقة الخابور. 

 

“أما عندما بدأت الأحداث العسكرية تتسلّل إلى داخل شوارع بلدته (…)، فبات يهتم بالأمر قدر استيعابه، وعوضاً عن اللعبة صار يحمل بارودة خشبية صنعها له نجار البلدة.”

تم استخدام اسم مستعار احتراماً لخصوصية الشخصية الرئيسية في هذه القصة.