طوابق الموت في دوما

%d8%b7%d9%88%d8%a7%d8%a8%d9%82-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d8%af%d9%88%d9%85%d8%a7
سقطت القذائف على البناء، هدمت طوابقه، لكن البناء لم يزُل، بل تحول إلى طوابق تحت الأرض لمَن كانوا يسكنونه فوقها، وكما أن الكثافة السكانية زادت من ارتفاع الأبنية عن الأرض، فقد زادت كثافة الموتى من ارتفاع طوابق القبور، هكذا يبني سكان مدينة دوما قبورهم، وبالطبع لن يفتقروا للمواد الأولية، فأنقاض البيوت خلفت كثيراً منها.
لم تعد أراضي دوما الزراعية تفي بغرض الدفن، ففي عام 2015 وحده، سقط أكثر من ست آلاف ضحية حسب إحصائيات مركز توثيق الانتهاكات في سوريا، هذا العدد قد يقضي على الأراضي الزراعية التي يعيش منها السكان، أما المقبرة فقد امتلأت حسبما صرح أحد أعضاء المجلس المحلي في دوما لـ (حكاية ما انحكت)، لذلك لجأ الحفَّار إلى إنشاء مجموعة من الحُفر، كل منها بعمق ثلاثة أمتار، وفيها تصمَّم القبور على شكل مدرَّج، فلا تأخذ الحيز الكبير الذي كانت تشغله في أرض مسطَّحة.
في اليوم الواحد، قد يدفن أبناء دوما عشرات الضحايا، كما حدث في المجزرة الكبرى، 22 أغسطس عام 2015، حيث استشهد مئة شخص إثر إسقاط طائرات النظام لمجموعة من الصواريخ على سوق شعبي وأبنية سكنية، ولذلك فإنهم يحتاجون دائماً إلى اقتصاد في مساحة القبور، من رفاهية الحياة أن يبني الناس بيوتهم على شكل طوابق فوق الأرض، ومن رفاهية أبناء دوما أن يبنوا قبورهم على أرض مستوية.
إذا كانت الحرب قد علمتنا أن الحياة والموت على هذا الكوكب ليسا سوى مصادفة، حيث قد ينجو السوري لأنه ابتعد متراً، أو يموت لأنه اقترب صدفة من مكان انفجار، فقد علمتنا قبور دوما أن للموت فنوناً في هذه الحرب، وهي لا تشبه فن التحنيط الذي استخدمه المصريون لتخليد الفراعنة، ففي الحرب وحده فن العدم يسيطر حتى على قبور الضحايا.
نتذكر ما يقوم به أبناء حمص من تحويل حدائقهم إلى مقابر منذ عام 2011، علماً أن عدداً من هذه الحدائق كان أصلاً مقابر، كحديقة باب هود، وحديقة طريق الشام، وغيرها، هذه الحدائق عادت في الحرب كما كانت منذ عشرات السنين: مقابر، بعض قبورها خالية من أي اسم، إما لأن المدفونين لم يعرفْهم أحد بعد موتهم، أو لأنهم تحولوا إلى أشلاء، لكن حظ أبناء دوما لم يكن في أن بعض قبورهم الطابقية بقيت مجهولة فقط، بل حتى هذه القبور تعرضت للقصف، وذلك في 14 فبراير 2016، عندما قُصفت مقبرة “المدينة”، والتي تضم قبوراً طابقية، عندها استُشهد “قاسم بلله” مدير مكتب المقبرة في المجلس المحلي لمدينة دوما، والذي كان قد دفن قبل أيام وَلَديه أسامة ويُمنى بسبب القصف أيضاً، ولا نعلم إن كان قبراهما قد أُصيبا في القصف، لكن عدداً من القبور تم تدميره وقتها.
قد يبدو الأمر بسيطاً، لكن إنشاء هذه القبور يحتاج إلى دقة كبيرة في العمل، فأي خلل في تدرُّجها سيجعلها تتساقط، لذلك يُقاس مدى استقامة تصاعدها حتى سطح الأرض عبر الماسورة، وعادة يكون عددها ستة طوابق، طابق لكل قبر، هذا الاختراع الذي أحدِثَ في دوما، تم تعميمه على باقي مدن وبلدات غوطة دمشق.
يقوم النظام عادة بدفن الشهداء الذين يقضون تحت التعذيب في مقابر جماعية، إلا أن احترام الضحية منع أبناء دوما من أن يدفنوهم بذات الطريقة، ويوماً ما، سيعود باحث إلى دوما، منقباً عن حضارة زالت، سينبش الأرض، وسيذكر أن للموت طوابق في دوما، كما أن للحياة طوابقها، أما “داعش”، فلن يهدم هذه القبور كما فعل ويفعل في مناطق سيطرته، لأنها ليست فوق الأرض، ولن تؤدي إلى الشرك بالله حسب العقيدة الوهابية، والتي تحرِّم أن يكون القبر عالياً.