عائلة تسكن في سجن أو في مركز ثقافي

” الظروف المعيشيىة الصعبة وقلة اماكن السكن دفعت بهذه الأسرة النازحة للعيش داخل مبنى مهجور وهو عبارة عن مهاجع مقسمة ببطانيات إلى غرف.  “

%d8%b9%d8%a7%d8%a6%d9%84%d8%a9-%d8%aa%d8%b3%d9%83%d9%86-%d9%81%d9%8a-%d8%b3%d8%ac%d9%86-%d8%a3%d9%88-%d9%81%d9%8a-%d9%85%d8%b1%d9%83%d8%b2-%d8%ab%d9%82%d8%a7%d9%81%d9%8a
[المركز الثفافي المهدم الذي تحول الي مسكن للعائلة النازحة-مدينة جرابلس-30-1-2017(خليفة الخضر/صباح الخير سوريا)]

ريف حلب-سوريا: يبدو المركز الثقافي في مدينة جرابلس بريف حلب الشرقي مبنى مدمراً مهجوراً لا يستفاد منه إلّا كمكبّ للنفايات لمن يتكاسل عن رمي قمامة منزله في الحاوية المخصصة.

لكن ملابس الاطفال المبللة المنشورة على حبل غسيلٍ مربوط بإحكام بين عامودين حجريين كانت تشير إلى وجود حياة هنا.

يتطلب الوصول إلى هذا المكان الصعود على تلة ترابية تغطيها الحجارة المبعثرة. وعلى سفحها كان الأولاد يركضون، فتوقفوا عن اللعب عندما لاحظوا وجود الكاميرا وجلسوا فوق كومة أحجار وعدّلوا من طريقة جلوسهم، مبتسمين وكأنهم بصدد التقاط صورة جماعية.

أثناء التصوير اقترب رجل أربعيني وصافحنا مرحبّاً. سألناه إن كان يسكن هنا فأجاب: “نعم. لا يوجد مكان آخر”.

هذا الرجل واسمه قاسم الباشا، كان قد نزح مع عائلته المكونة من 13 فرداً بما فيها والده وأمه وأخته وأخوه وأبناؤهما إلى مدينة جرابلس الحدودية مع تركيا بعد استهداف الطيران الروسي منزله في مدينة بزاعة في ريف حلب الشرقي. “منعنا تنظيم داعش من الخروج من البزاعة ولم يمنحنا إذن سفر. وبعد عدة محاولات استطعنا الهرب ووصلنا جرابلس مع تحريرها”.

وتشهد مدينة جرابلس ذات الأبنية الأفقية والتي تحررت من تنظيم “داعش” أواخر الشهر الثامن من عام 2016 تضخماً سكانياً لم تعرفه من قبل. إذ ينزح إليها سوريون من مختلف المحافظات، وأيضاً مواطنون عراقيون هرباً من القصف.

أما نسرين التي كانت تقف إلى جانب والدها وتستمع إلى الحديث، فقاطعته قائلة: “هل تعلم يا أبي؟ عندما يسألني أقاربي عن مكان نزوحنا أقول لهم إننا نسكن في مركز ثقافي وليس في سجن”.

وبسبب قلة أماكن السكن تقطن عدة عائلات نازحة في منزل واحد يتشارك أفرادها في دفع الإيجار. ومنهم من يذهب إلى مخيم الجبل على بعد كيلومترين من المدينة ليعيش في خيمة.

وكحال مئات الأسر لم تستطع أسرة الباشا استئجار منزل نظراً لغلاء الأسعار. “لم أجد إلا هذا المبنى المدمر لأسكن فيه”، يقول.

تعيش هذه الأسرة داخل المبنى المهجور، وهو عبارة عن مهاجع مقسمة ببطانيات إلى غرف.

وتم تأسيس المركز الثقافي في مدينة جرابلس عام 1969 وكان يتألف من ( 13 )غرفة وصالة مجهزة للمسرح تحتوي على ( 956) مقعدا وقاعة محاضرات ومكتبة شاملة تحتوي على 11 ألف كتاباًَ و2000 مجلة وصحيفة.

لكن أول ما فعله تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) الذي سيطر على مدينة جرابلس مطلع عام 2014 بعد معارك طاحنة بينه وبين فصائل الجيش السوري الحر، كان تحويل مبنى المركز الثقافي إلى سجن، وتحويل قاعات المطالعة إلى مهاجع مرقمة، وكتابة الشعارات ورسم أعلام “الدولة” السوداء على الجدران الخارجية.

وتعرض مبنى المركز الثقافي في مدينة جرابلس لقصف جوي من قبل طيران التحالف الدولي في شهر كانون الأول من عام 2014 ليصبح خارج عن الخدمة منذ تاريخ القصف.

أثناء التجوال مع  قاسم الباشا في مكان سكنه الحالي قادنا إلى المهجع الأول وهو غرفة مساحتها عشر أمتار مربعة كانت في السابق قاعة للمطالعة قبل سيطرة داعش على جرابلس وفيها حالياً المطبخ ومكان الاستحمام. وقد قسم رب الأسرة هذا المهجع ببطانيات حصل عليها من المعونة الإغاثية إلى غرف صغيرة، ينام فيها أطفاله.

وعلى الحائط الاسمنتي دوّن ثلاثة معتقلين سابقين لدى التنظيم أسماءهم بتاريخ اعتقالهم وخلف إحدى البطانيات التي تقسم المهج كانت تنام الصغيرة نسرين ذات التسع سنوات حيث صاح والدها باسمها كي تستيقظ.

وفي المهجع الثاني هناك غرفة مخصصة للمعيشة ولاستقبال الضيوف. أما المراحيض فالتنظيم أراح هذه الأسرة من عناء بنائها ففي كل مهجع يوجد مرحاض.

سألنا قاسم الباشا إن كان يرى في هذا المبنى سجناً أو مركزا ثقافياً، إذ لا ملامح توحي بأن المكان كان مركزاً ثقافياً إلا من خلال بعض الوريقات المبعثرة هنا وهناك لروايات كرواية “العبرات” للأديب المصري مصطفى لطفي المنفلوطي، كما لا يوحي الدمار الحاصل بأي أثر لوجود سجن سابق.

إلا أن رب الأسرة يفضل أن نسميه “السجن” ويقول: “نحن كأسرة نشعر بأننا في سجن طالما أننا لا نسكن في بيتنا “ويستدرك بالقول إنه وعائلته يعدون من “المحظوظين” كونهم وجدوا مأوى مجانياً لهم.