على حافة الحصار، البقاء أفضل من الهرب

” خيارات سكان حلب باتت محدودة بعد تقدم قوات النظام فبعضهم يفضل احتمال التجويع على مذلة التهجير. “

%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%ad%d8%a7%d9%81%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b5%d8%a7%d8%b1%d8%8c-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d9%82%d8%a7%d8%a1-%d8%a3%d9%81%d8%b6%d9%84-%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%87%d8%b1%d8%a8
(الصورة: شابان بقرب مبنى دمرته براميل النظام السوري - باب الحديد - حلب - 2015-4-16 (محمود عبدالرحمنصباح الخير سوريا))
<

“نسمع ونرى يومياً أخباراً عن استغلال جنسي واقتصادي للاجئين السوريين إضافة إلى الدعوات المتكررة لطردهم من بلاد اللجوء. أفضل الموت في بيتي على خوض هذه التجربة المذلة.”

div>(حلب، سوريا) أصبحت أحياء حلب الخاضعة لسيطرة المعارضة على حافة الحصار بعد تقدم قوات النظام والفصائل المساندة له في الريف مدعومة بغطاء جوي روسي وتمكنها من فك الحصار عن مدينتي نبل والزهراء لتقطع بذلك الطريق الوحيد الذي يربط مدينة حلب بالريف الشمالي ومعبر باب السلامة مع تركيا. وبينما اختار كثير من السكان النزوح إلى قرى الريف الغربي من حلب وإدلب كان لبعض السكان رأي آخر فاختاروا البقاء في المدينة ولكل منهم أسبابه الخاصة.
أدى تقدم قوات النظام والقصف الروسي المكثف إلى نزوح سكان قرى الريف الشمالي إلى مدينة إعزاز الحدودية (الواقعة أيضاً تحت سيطرة المعارضة) أملاً في الدخول إلى تركيا التي يبدو أنها لن تفتح أبوابها للاجئين وقدمت لهم مخيمات جديدة قرب الحدود.
وزاد من تأزم الوضع الإنساني تقدم قوات سوريا الديمقراطية ذات الأغلبية الكردية في القرى المجاورة لنبل والزهراء بتغطية جوية من الطيران الروسي أيضاً، إذ سيطرت هذه القوات على منغ ودير جمال وتل رفعت، ما أدى إلى نزوح سكان هذه المناطق أيضاً.
وبحسب إحصائيات مجلس طوارئ إعزاز، نزحت أكثر من 10 آلاف عائلة نتيجة العملية الأخيرة لروسيا والنظام السوري، ويسكن معظم النازحون في المساجد والمدارس ومراكز الإيواء إضافة إلى المخيمات الحدودية، وتزداد هذه الأزمة تعقيداً مع نزوح سكان مدينة إعزاز التي تستقبل نازحي المناطق الأخرى. وقال المحامي مصطفى حاج عبد الله رئيس مجلس أمناء الثورة (أحد تجمعات النشطاء) في منبج الذي يمارس عمله في إعزاز: “بدأ سكان إعزاز بالنزوح تجاه الحدود التركية أيضاً خوفاً من توسع عمليات قوات سوريا الديمقراطية التي ترافقها غارات للطيران الروسي.”
وأمام هذه الأزمة المتصاعدة في وضع اللاجئين في المناطق الحدودية تبدو خيارات سكان حلب صعبة مع اقتراب شبح الحصار من المدينة، فتقدم قوات النظام بمسافة لا تتجاوز ثلاث كيلومترات كفيل بقطع طريق الكاستيلو شمالاً وحصار حلب تماماً.
ووسط النقاشات التي تدور حول الحصار وحركة النزوح باتجاه الأرياف، مازال أبو خالد (1) وهو رجل في الستين من عمره يمارس عمله كسائق سيارة أجرة بشكل اعتيادي في حي بستان القصر رافضاً فكرة النزوح المذل حسب تعبيره. “نسمع ونرى يومياً أخباراً عن استغلال جنسي واقتصادي للاجئين السوريين إضافة إلى الدعوات المتكررة لطردهم من بلاد اللجوء. أفضل الموت في بيتي على خوض هذه التجربة المذلة،” هذا ما قاله أبو خالد في حديثه مع صباح الخير سوريا.
وتشكل العوامل الاقتصادية وارتفاع تكاليف النقل وإيجار البيوت عائقاً أمام نزوح سكان مدينة حلب وهي ما يُبقي صاحب محل البقالة حسان (40 عاماً) وعائلته المؤلفة من ستة أشخاص في باب المقام، وتساءل: “من أين آتي بالمال لأدفع تكاليف نقل عائلتي وإيجار بيت يأويها بعد أن تضاعفت أسعار البيوت في المناطق الآمنة؟ سأبقى في بيتي وأزرع الحديقة الموجودة أمامه لأعيش منها ولن أرحل.”
وهذه الأسباب الاقتصادية نفسها منعت الكهربائي أبوعبدو من الرحيل مع عائلته باتجاه الأرياف أو الأراضي التركية. “فكرت في الرحيل إلى تركيا أو إلى إحدى قرى الريف لكن الحدود مغلقة والمهربين يطلبون أسعاراً خيالية وكذلك يفعل أصحاب البيوت المعروضة للإيجار والتي أصبحت أسعارها قريبة من أسعار البيوت في تركيا،” على حد تعبير أبوعبدو.
وعلى الرغم من الحصار المحتمل والتخوف من تكرار تجربة بلدة مضايا في حلب يقف بعض السكان رافضين فكرة الحصار والمجاعة جملة وتفصيلاً، إذ يعتقد أبو الخير وهو موظف سابق في دوائر النظام أنه من الواجب اتخاذ بعض الاحتياطات لكن لا داعي للنزوح من بيته في حي البياضة. وشرح ذلك قائلاً: “ادخرت بعض المواد الأساسية كالأرز والطحين لكني واثق أن حلب قوية بما يكفي لمنع الحصار وإن حصل فإن هذه المدينة التي أطعمتني طوال سنواتي الخمسين لن تتركني جائعاً الآن.”
المجاعة التي تهدد حلب في حال وقوع الحصار لا تشغل بال المنغمسين في الثورة، إذ تعتقد راما وهي معلمة في العشرينات من عمرها أن هذا الاحتمال كان مطروحاً سابقاً. وأوضحت: “كان واضحاً منذ بدايات الثورة أن النظام لن يتوانى في قتلنا وتجويعنا وما حدث في مضايا ليس جديداً على النظام، ونحن على استعداد لخوض تجربة مضايا فلسنا أفضل من سكانها.”
لم تترك الأزمات المتلاحقة في هذه المدينة من قصف وتدمير واحتمالات للحصار أمام سكانها الكثير من الخيارات فيحاول كل منهم التأقلم مع الخيار الذي يكلفه أقل الخسائر في إمكانياته وأولوياته.

تم استخدام أسماء مستعارة لحماية المصادر إلا في حالة المحامي مصطفى حاج عبدالله.