على صفيح ساخن: الحصار يخنق اهالي الرقة

” تشهد مدينة “الرقة” أوضاعاً إنسانية وأمنية معقّدة في ظل الخناق القديم الذي يفرضه تنظيم داعش عليها، والخناق الجديد الذي أعلن عنه التحالف الدولي ضد الارهاب مع بدء المرحلة الحاسمة من عزل مدينة الرقة، أكبر معاقل التنظيم في سوريا وأهمها. “

%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%b5%d9%81%d9%8a%d8%ad-%d8%b3%d8%a7%d8%ae%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b5%d8%a7%d8%b1-%d9%8a%d8%ae%d9%86%d9%82-%d8%a7%d9%87%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d9%82%d8%a9
[أحد جسور الرقة الذي دمرته قوات التحالف مطلع شهر شباط 2017]

كانت الرقة أول محافظة سورية يخرج مركزها بالكامل عن قبضة النظام في آذار/مارس من عام 2013. لكن سرعان ما سيطر عليها تنظيم “داعش” في كانون الثاني/يناير من عام 2014، لتدخل المدينة عقب ذلك حقبة جديدة لم تكن تخطر على بال أكثر المراقبين تشاؤماً، خصوصاً مع بدء التنظيم بمشروع “دولة الخلافة”، متخذاً من الرقة اللبنة الأولى لتأسيس هذا المشروع.

طوال الأعوام الثلاثة الماضية شن التنظيم حملات من الاعتقالات كان النصيب الأكبر فيها للناشطين الثوريين، فأعدم المئات منهم، وفرض الأتاوات، وسن القوانين بالفصل الكامل بين النساء والرجال، وأغلق المدارس والمعاهد، وشلّ الحياة الاقتصادية في المدينة.

وبعد هجرة حوالي نصف سكانها، تعيش “درة الفرات” اليوم أوضاعاُ مأساوية بحسب وصف من بقي من الأهالي. فقد شنّ الطيران الحربي التابع للتحالف الدولي، غارات عدة بداية هذا الشهر، دمر فيها 5 جسور في الرقة وأريافها، اثنان منها في مدينة الرقة، وهما جسري الرشيد والمنصور المهمين لأهالي المدينة، كونهما يربطان الرقة ببادية الشام، وهما المنفذان الوحيدان لتجاوز نهر الفرات.

وفي الفترة نفسها أعلنت قوات سوريا الديمقراطية المدعومة من التحالف الدولي، بدء المرحلة الثالثة من عزل مدينة الرقة، ما جعل المدينة على صفيح ساخن على المستوى الأمني والاقتصادي.

تدمير الجسور النهرية لم يضر بالتنظيم بقدر ما أضر الأهالي. فقد كانت هي الرابط بين المدينة وما حولها وكانت الطريق الوحيد لدخول وخروج الشاحنات والبضائع. “الفرات اليوم تحول إلى سياج يحيط بالمدينة، من الصعب اجتيازه، بيد أن بعض المدنيين أصبحوا يستخدمون عبّارات خشبية بسيطة لنقل الناس وأكياس البضائع خفيفة الوزن” يقول أحد السكان.

تدمير الجسور النهرية لم يضر بالتنظيم بقدر ما أضر الأهالي. فقد كانت هي الرابط بين المدينة وما حولها وكانت الطريق الوحيد لدخول وخروج الشاحنات والبضائع.

فور انقطاع الرقة عن العالم بشكل فعلي بعد دمار الجسور، انتشرت الحواجز الأمنية في كل شوارع المدينة، وبدأ التنظيم حملة اعتقالات واسعة طاولت عشرات الشبان من الذين يشك التنظيم في نواياهم تجاهه، وشرع بإغلاق العشرات من محلات الانترنت والاتصالات، ودخلت المدينة الحصار بشكل كامل، يرافقه ارتفاع غير مسبوق في الأسعار وشحّة في البضائع.

أبو أحمد رجل خمسيني، يبيع الخضار على عربته الصغيرة، يعيل زوجته وأطفاله الأربعة منذ أن قام النظام بفصله عن وظيفته في البلدية، اختار هذا العمل كونه لا يحتاج إلى رأسمال كبير ولا يشكل خطراً على التنظيم ليضيق عليه. إلا أن ارتفاع الأسعار بعد الغارات الجوية الأخيرة جعل أبو أحمد يترك العمل ويجلس في المنزل “محتسباً منتظراً”.

يقول أبو أحمد: “في الأشهر الماضية كنت أشتري الخضروات من مراكزها الأساسية، وأتجول بها على عربتي في الشوارع لأكسب بعض المال بما يلبي حاجات عائلتي، لكن مع مرور الوقت، أصبح بيع الخضروات غاية في الصعوبة، لأن الناس لم يعودوا يملكون شيئاً، ومن لديه المال أصبح يذهب مثلي إلى مراكز بيع الخضار ويشتري، ليوفر على نفسه بعض النقود”.

اختار أبو أحمد الجلوس في المنزل، والتوقف عن العمل، بعد أن بدأت الخضروات تفسد لديه، وفقد القدرة على شراء كمية بديلة مع انقطاع الطرقات والجسور، وارتفاع الأسعار..

سياسات التنظيم في التضييق على حياة الأهالي لم تتهاون بعد الضربات الأخيرة، بل ازدادت بحسب المصادر. فبعد منعه لعشرات المهن وتقييده للبعض الآخر، كالطب النسائي وتجارة الكهربائيات، وتصليح الالكترونيات، ومحلات الاتصالات والألبسة وغيرها، يتشدد  تنظيم “داعش” اليوم في مراقبة السكان ويمنعهم من الخروج من المدينة.

أ. العبد الله خبير تقني وواحد من المحظوظين الذين تمكنوا من الوصول قبل أربعة أشهر إلى تركيا، بعد أن دفع أموالاً للمهربين. كان العبدالله يعمل في صيانة الأجهزة الإلكترونية، وبعد أن أصدر التنظيم قراراته بمنع اقتناء هذه الأجهزة  وتجارتها، جلس فترة طويلة في منزله منتظراً فرصة للهرب.  “كان مردودي جيداً من هذه المهنة، إلا أن حظر التنظيم لأجهزة الاتصالات التلفزيونية وملحقاتها، جعلني بعد أكثر من 15 سنة في هذه المهنة عاطلاً عن العمل، فاخترت السفر” يقول.

يعيش في الرقة اليوم قرابة 400 ألف نسمة يحلمون بالهجرة، ومثلهم هاجروا إلى المدن والدول المجاورة خلال السنوات الماضية.  بيد أن المغادرة صارت اليوم شبه مستحيلة على الرجال، وأكثر من ذلك بالنسبة إلى نساء المدينة. إذ يمنع التنظيم المدنيين من الخروج إلى أماكن خارج سيطرته، ويلجأ من يريد الخروج إلى المهربين الذين يطلبون 2000 دولار على كل شخص، وهو ما لا تطيقه الأغلبية الساحقة من سكان المدينة.
ولا تنتهي معاناة الرقاويين بعد خروجهم، إذ يصادر “داعش” منازل الفارّين كما حصل مع أم عماد التي استولى داعش على منزل ولدها. هذه السيدة فقدت زوجها في قصف لطائرات النظام على المدينة بعد تحريرها، ما دفعها إلى بيع ما ترتدي من أساور ذهبية، كي يسافر ابنها الشاب والذي لم تنجب غيره من الذكور إلى أوروبا.

اعتمدت أم عماد على منزل تؤجره، حتى تغطي نفقاتها ونفقات بناتها الثلاثة، بيد أن التنظيم منحه لأحد مقاتليه الأجانب، بذريعة أن المنزل مسجل باسم شخص هاجر إلى بلاد الكفر، والمسلمين أحق بالمنزل منه.

تقول أم عماد: “أعيش أنا وبناتي من مساعدات الناس، حاولت مراراً أن أقنع المسؤولين في مكتب العقارات أن 10 آلاف ليرة أجرة هذا المنزل كانت تكفيني سؤال الناس وحاجتهم، إلا أنهم كانوا يردون بنفس الجواب.. “المنزل باسم الولد الكافر والمسلمون أولى بهذا المنزل منك ومنه”.

لم يعد لأم عماد ما تملكه كي تعيش هي وبناتها، في ظل غلاء الأسعار الذي يعصف بأهالي الرقة والحصار المطبق على سكانها من الأرض حيث داعش، ومن السماء حيث طائرات التحالف، لتدخل مدينة الرقة اليوم مرحلة مجهولة من “العزلة” لا يمكن التنبؤ  بنتائجها.