على ضفاف الفرات…أوضاع مأساوية لآلاف الهاربين من الرقة

أوضاع إنسانية كارثية يعاني منها آلاف المدنيين الهاربين من الحرب المشتعلة في مدينة الرقة، حيث تحوّلت حياة آلاف النازحين جُلهم من النساء والأطفال والشيوخ، إلى جحيم حقيقي، دون أن تأبه بهم الجهات والمنظمات الدولية المسؤولة والعارفة بأحوالهم وظروفهم.

%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%b6%d9%81%d8%a7%d9%81-%d8%a7%d9%84%d9%81%d8%b1%d8%a7%d8%aa%d8%a3%d9%88%d8%b6%d8%a7%d8%b9-%d9%85%d8%a3%d8%b3%d8%a7%d9%88%d9%8a%d8%a9-%d9%84%d8%a2%d9%84%d8%a7%d9%81-%d8%a7

يعاني عشرات الآلاف من النازحين الذين أُجبروا على ترك بيوتهم في محافظة الرقة، من أوضاع إنسانية صعبة، حيث تقطعت بهم السبل في البراري والأرياف المجاورة للمدينة، في ظل الصراع المحتدم في مدينة الرقة، بين تنظيم “الدولة” من جهة، و”قوات سوريا الديمقراطية” والتحالف الدولي المساندة لها، من جهة أُخرى.

ويتوزع آلاف الفارين من جحيم المعارك، بين المخيمات الرسمية التي أقامتها “قوات سوريا الديمقراطية”، في الأرياف المجاورة التي سيطرت عليها خلال الأشهر الماضية، وبين المخيمات العشوائية التي أقامها النازحون بأنفسهم، وفي كلا الحالتين يعاني سكان هذه المخيمات من أوضاع مزرية، حيث تعاني من شح شديد في المياه وانعدام وجود الكهرباء، ونقص في الأدوية والأمصال الطبية، فضلاً عن قلة توفر الأطعمة والأغذية وحليب الأطفال.

أشهر هذه المخيمات هو مخيم “عين عيسى” بريف الرقة الشمالي، أقامته قوات سوريا الديمقراطية لإيواء الأهالي الهاربين من الرقة، يأوي حالياً 250000 شخص على أرضه، وعلى الأراضي المحيطة به، ويشهد المخيم حالة ازدحام شديدة، حيث إن ما يزيد عن 1000 شخص، يصلون ويغادرون المخيم بشكل يومي، ووصل إلى المخيم في أسبوع واحد خلال شهر حزيران/ مايو الماضي، حوالي 20 ألف شخص، ويعاني سكان المخيم من أوضاع صعبة، رغم المحاولات الخجولة التي قامت بها مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين “unhcr” لمساعدة النازحين، والتي يبعد مكتبها الرئيسي في مدينة القامشلي عن المخيم، مسافة خمس ساعات براً فقط.

وفي هذا السياق يؤكد الناشط “أيهم الأحمد” من أبناء مدينة الرقة على ضرورة أن تفعل المنظمات الدولية من دورها الاغاثي لتلافي الأوضاع “الكارثية” التي يعاني منها اللاجئون في المخيمات. ويقول “تقتصر المساعدات التي تقدمها مفوضية الأمم المتحدة للاجئين، على السلع الأساسية، كالزيت والسكر والأرز، كما أن هذه المعونات لا تفي بالحاجة، والنازحين في المخيمات يأكلون في معظم أيام الشهر الخبز واللبن وصندويشات الزيت والزعتر” مضيفا: “أحوال الناس غاية في الصعوبة، ومن في المخيمات العشوائية حالهم أكثر صعوبة، فلا مساعدات ولا معونات تصلهم، فضلاً عن انعدام توفر المياه الصالحة للشرب، وسط قيظ الصيف الذي لا يرحم”.

ومن أشهر المخيمات غير الرسمية، مخيم “الطويحينة” الواقع في منطقة الطويحينة شمال غرب مدينة الرقة، حيث أن شهرة هذا المخيم لم يسببها الازدحام الشديد كما الحال في مخيم “عين عيسى”، إنما اكتسب شهرته من الأوضاع المأساوية التي يعاني منها قاطنوه، حيث تنعدم في هذه المخيم العشوائي الذي أنشأه الناس في شهر نيسان/ أبريل الماضي، والذي يقطنه ما يزيد عن 2500 شخص، أدنى مقومات الحياة البشرية، كما أن الأمراض والأوبئة تنتشر بين سكانه، دون أي اهتمام من أي جهة معنية بذلك.

من جانبه يقول الناشط “زبير الشويخ” من أبناء الرقة المطلعين على القضية: “عدا الأحوال الصعبة التي يكابدها الناس في المخيمات، إلا أن هنالك أزمة نفسية يعاني منها معظم النازحين، حيث أن جُل من وصل إلى المخيمات، فقد أحد أفراد عائلته، أو أحد اقاربه، جرّاء القصف والمعارك المستمرة في مدينة الرقة” مضيفاً: يشعر معظم هؤلاء بالقهر جرّاء ما حصل، ويعاني الكثير من الأطفال من إصابات وصدمات نفسية، يصعب معالجتها في هذا الوقت”.

خرجنا بأعجوبة، حيث أن جميع المتصارعين كانوا يستهدفون أي مدني يحاول الفرار من المدينة، فالتنظيم يعدم كل من يكتشف أمره بأنه ينوي الهروب، والقوات المتمركزة على أطراف المدينة تستهدف المدنيين الفارين وتعتبرهم أهدافاً مشروعة

ويتوزع باقي النازحين في المدن والبلدات في أرياف الرقة الجنوبية والشرقية والغربية، حيث ضمت مدينة الطبقة بريف الرقة الغربي، أكثر من 25000 نازح خلال الشهر الماضي، وتزايدت الأعداد بعد وصول مئات المدنيين الفارين من معارك الرقة مؤخراً، كما نزح نحو 51000 شخص إلى مناطق الريف الشرقي لمدينة الرقة وتحديداً قرب قرى الحمرات وبلدة الكرامة، لكن سرعان ما نزحوا برفقة سكان المنطقة الاصليين، بعد المجازر التي ارتكبها الطيران الروسي خلال الأسبوع الماضي، في مدينة (معدان) وقرى (المغلة والغانم) والتي راح ضحيتها عشرات المدنيين.

أوضاع إنسانية كارثية يعاني منها آلاف المدنيين الهاربين من الحرب المشتعلة في مدينتهم، حيث أن قلة توافر المياه وانعدام وجود الكهرباء والخدمات الطبية والأدوية، وشح الأغذية والأطعمة، حوّل حياة آلاف النازحين جُلهم من النساء والأطفال والشيوخ، إلى جحيم حقيقي، دون أن تأبه بهم الجهات والمنظمات الدولية المسؤولة والعارفة بأحوالهم وظروفهم، حسب التصريحات الأخيرة، التي اعترفت فيها مساعدة الأمين العام للشؤون الإنسانية “أورسولا مولر” بنزوح أعداد هائلة من السكان من مناطقهم في محافظة الرقة.

يقول “أبو الياس” أحد قاطني مخيم “عين عيسى” قرب مدينة تل أبيض بريف الرقة الشمالي: “لا يمكنني أن أشرح لك، لأي درجة نعاني نحن هنا، نحصل على ماء الشرب من خزانات المياه المتواجدة في المخيم، وأحيانا أقف ساعة أو أكثر، لأجلب لعائلتي بعض المياه لنشرب، والتي غالبا ما تكون ساخنة، نتيجة الارتفاع الكبير لدرجات الحرارة، أما الطعام فيتم توزيع ربطات الخبز عن طريق بعض الجهات التي تقوم بتوزيع الخبز الذي لا يغطي نصف حاجة المخيم” مضيفاً “أكثر ما يتعبنا هنا هي درجات الحرارة المرتفعة، والتي تجاوزت في بعض الأيام 45 درجة مئوية، والغبار والمياه الملوثة تجدها أينما تجولت في هذا المخيم”.

يستطرد “أبو الياس”: “لم نكن نتخيل أن يصبح حالنا هكذا عندما هربنا أنا وزوجتي وأطفالي الأربعة، من مدينة الرقة، والحال هنا لا يختلف كثيراً عن الحال في مدينة الرقة، فالحصار هناك عشناه هنا بكامل تفاصيله”.

تقول “أم عزيز” وهي نازحة خرجت مؤخراً من مدينة الرقة: “خرجنا بأعجوبة، حيث أن جميع المتصارعين كانوا يستهدفون أي مدني يحاول الفرار من المدينة، فالتنظيم يعدم كل من يكتشف أمره بأنه ينوي الهروب، والقوات المتمركزة على أطراف المدينة تستهدف المدنيين الفارين وتعتبرهم أهدافاً مشروعة”.

تضيف “أم عزيز”: “خرجنا أنا وأولادي الثلاثة، باتجاه منطقة السلحبية القريبة من المدينة، بقينا في المخيمات العشوائية هناك ما يقارب أسبوعين، ومن ثم قررنا الذهاب إلى أقاربنا في مدينة الطبقة، بعد أن عايشنا عذابا كبيراً في هذه المخيمات، التي لا تستطيع حتى الحيوانات البقاء والعيش فيها”.

وأشارت “أم عزيز” إلى أن “الأوضاع في مدينة الطبقة أقل قساوة من المخيمات، رغم الازدحام الشديد في المدينة، وأزمة الخبز والمواد الغذائية التي تشهدها المدينة، فعلى الأقل يوجد ماء نظيف نشربه هنا، ومحلات نقبض منها بعض المساعدات المالية، من أحد أقارب زوجي الذي يعمل في الخليج”.

تختتم “أم عزيز” حديثها: “رغم كل ما يجري لنا، ورغم كل هذا الموت الذي شاهدناه بعيوننا، إلا أنني سعيدة بأني نجوت وعائلتي من هذه المحرقة، البقاء على قيد الحياة هو أكثر ما يمكن أن يتمناه من كان يعيش على وقع القصف الجوي والمدفعي والمعارك المتواصلة في مدينتنا”.

أحوال مأساوية يعيشها أهالي وسكان محافظة الرقة في محنتهم الكبيرة، فرغم قلة التغطية الإعلامية في مدينة الرقة وأريافها، انتشرت قصص وحكايا هذه المأساة، حتى أصبحت على ألسنة جميع السوريين في مغتربهم، وخصوصاً المغتربين الرقيين في الدول المجاورة، الذين لا يتوقفون عن تعزية بعضهم، بموت أهلهم وأقاربهم في هذه الحرب الوحشية، التي تدور على أرض مدينتهم.

نجم الدين النجم