عمليات التهجير القسري وصناعة “السوريّ المفيد” (2)

يتابع هذا الملف في رصد عمليات التهجير التي قامت بها الأطراف المختلفة في سوريا، ويتناول الفترة منذ عام 2011 وحتى الآن..

%d8%b9%d9%85%d9%84%d9%8a%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%87%d8%ac%d9%8a%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b3%d8%b1%d9%8a-%d9%88%d8%b5%d9%86%d8%a7%d8%b9%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%88%d8%b1%d9%8a
أقارب وناشطون يعاينون جثث المجزرة في دوما بمنطقة الغوطة في ريف دمشق 2013- رويترز

رعد أطلي

في الخامس عشر من آذار أعلن مجموعة من الشباب في سوق الحميدية في دمشق بداية مرحلة جديدة في تاريخ سوريا عندما تظاهروا في السوق بين الزحام وهم يهتفون “الله، سوريا، حرية وبس”، و في نهاية الشهر نفسه خرج بشار الأسد في خطابه الأول له بعد انطلاق الثورة ليقول أن من خرج إلى الشارع للتظاهر ليسوا سوى “مخربين” و”مندسين”، وبعد فترة ليست بطويلة أطلق عليهم “جراثيم”.

كانت تلك الجموع عبارة عن عينات مضرة دخلت على مجاميع السوريين المفيديين لتؤدي مهمات تخريبية، ويجب تطهيرها، ومن ثم وبعد مضي ثلاث سنوات على الثورة أعلن الأسد في كلمته التي ألقاها أمام رجال دين في 23.4.2014 أن الحاضنة الشعبية التي تعد بالملايين لمن سماهم الإرهابيين تضعهم أمام فشل أخلاقي واجتماعي؛ لقد كان وجود حركة احتجاجية في سوريا يعتبر حالة من الفشل الأخلاقي للسوريين.

لم يخرج الأسد يوماً عن منطق “سوريا المفيدة”، ولذلك كان يرى أنه من الملائم لسلامة “السوريين المفيدين” أن يقضي على السوريين الضارين بأي طريقة كانت، وبدأ ذلك بإبعاد المتظاهرين “المخربين” عن الناس أولاً من خلال اعتقالهم وتصفيتهم والتحريض الإعلامي والاجتماعي عليهم، وحتى استبعادهم وطردهم من الوظائف الحكومية.

وعندما توسّعت رقعة التظاهر وبات لها طابعها الجماهيري الشعبي، غيّر النظام من استراتجيته لتبدأ عمليات التهجير بالطرق غير المباشرة، ومن ثم المباشرة، ولم يكن ذلك حكراً على النظام، بل أيضاً العديد من المشاركين في الصراع كانوا قد بدؤوا عمليات تهجير غير مباشرة ومباشرة في المناطق التي سيطروا عليها.

 

عمليات التهجير غير المباشرة:

المقصود بعمليات التهجير غير المباشرة هي تلك العمليات التي لم تمارس بشكل مباشر على الناس مقابل تخييرهم بين مواجهة أضرار جسيمة أو التهجير، وإنما أدت هي للتهجير الذي كان أحد نتائجها سابقاً ليكون هدفاً واعياً لها بالتدريج للانتقال إلى مرحلة التهجير المباشر.

مع بداية الثورة السلمية، ومن ثم حدوث بعض المقاومات المسلحة بين الثوار والنظام في مناطق مثل أطراف حمص ودرعا بدأت حركة نزوح ليست بالجماعية، ولكنها ترقى لعلميات تهجير مبنية على أساس الإقصاء السياسي للمتظاهرين وعائلاتهم إلى مدن أخرى كان في مقدمتها حلب ودمشق.

ولكن ومع دخول الثورة طَوْر التمرد المسلح وسيطرة الثوار على مساحات واسعة من المناطق بدأت حركة نزوح جماعية ضخمة نتيجة القصف المتكرر للنظام على تلك المناطق بالمدفعية والدبابات وطائرات الهيلوكوبتر أولاً، وكانت قد بدأت بشكل قوي في إدلب، التي نزح مجاميع كبيرة من أهالي قراها إلى تركيا.

ومع دخول الثوار مدينة حلب أيضاً في نهايات تموز 2012 شهدت المناطق االشرقية من المدينة التي سيطر عليها الثوار حينها حالة نزوح جماعية تخطت عدد المليون نازح، وقد سجلت المدينة عمليات قصف للطيران الحربي “الميغ” في مرحلة الثورة على المناطق السكنية، انتشر قسم كبير من النازحين في شوارع ومدارس ومباني قديمة في القسم الغربي من المدينة، وهؤلاء لا تنطبق عليهم حالة التهجير إلا في مناح قليلة لأنهم انتقلوا من مكان لمكان آخر في المدينة، أما من لم يتمكن من البقاء في أي قسم من أقسام المدينة نتيجة إما قصف القوات الحكومية أو اعتقالهم في حال انتقلوا لمناطق سيطرتها هم الذين تعرضوا للتهجير، وهم عائلات وأقارب المتظاهرين والثوار، والذي تعرضوا للتهجير بسبب الاضطهاد السياسي، ونزح أبناء ريف ومدينة حلب إلى المناطق الحدودية مع تركيا أو إلى داخلها، وقد استخدمت القوات الحكومية مختلف أنواع الأسلحة في عمليات القصف.

حيث قصفت في 21.8.2013 مناطق في غوطة دمشق بغاز السارين، الأمر الذي أودى بأرواح ما يزيد عن 1500 ضحية في ليلة واحدة، ويقول أ.إدلبي، من أبناء دمشق الذي نزح إلى المليحة، وهو أحد الناجين من المجزرة في شهادته على ماحدث :” كنا نائمين عندما سمعنا صوت قذائف قوية، فركضنا إلى الطابق الأرضي من المبنى، وسرعان ما سمعنا صوت قذائف أخرى، بدأنا نشعر بضيق النفس” اكتشف الأدلبي وغيره فيما بعد أن النظام ضرب قذائف صوتية بداية مما دفع السكان للجوء للطوابق الأرضية والأقبية، ومن ثم قام بقصف المنطقة بالسلاح الكيماوي، وأدت إلى مقتل هذا العدد الكبير من الناس، ويبدو أن الهدف من الضربة قتل أكبر عدد ممكن من الناس.

وبدأت إشاعات عن استهدافات أخرى تطال مناطق أخرى وخاصة في حلب، إلا أن التهديدات الأمريكية بالتدخل العسكري أبطلت ذلك، ومع ذلك استخدم النظام السلاح الكيماوي في مناطق أخرى لاحقاً، مثل خان العسل في حلب وخان شيخون في إدلب.

لم يكتف النظام باستخدام القصف  لتأديب الناس وتهجيرها، وإنما عمد أيضاً لارتكاب عمليات القتل المباشرة وجهاً لوجه وعلى أساس طائفي بحت تجاه أناس مدنيين عزل ليخلق عاملاً دافعاً للنزوح من تلك المناطق، وخاصة في المناطق التي تشهد تنوعاً طائفياً متداخلاً بين السوريين السنة والعلويين، وتوالت تلك المجازر لتدل على عمل ممنهج، وليس تفلّت وحشي لأتباع النظام في منطقة ما، فكان هناك مجزرة الحولة في ريف حمص 25.5.2012 وراح ضحيتها 108 قتلى من المدنيين، ومجزرة القبير في ريف حماه 6.6.2012، والتي راح ضحيتها 100 مدني.

وبين 20 و25 آب 2012 ارتكبت قوات النظام مجزرة أخرى في درايا في ريف دمشق راح ضحيتها 400 مدني، وفي 2.4.2013 مجزرة البيضا في ريف طرطوس التي أودت بحياة 72 مدني، وفي منتصف الشهر نفسه ارتكب النظام مجزرة مزرعة الراهب في ريف حلب الشرقي المعروفة بمجزرة البئر لأن القتلة رموا كل ضحاياهم في آبار القرية، وكان الكثير من الضحايا من النساء والأطفال في كل تلك المجازر، وقضى معظم الضحايا بالقتل المباشر عن طريق الذبح بالسكاكين.

ويتحدث مصطفى السيد، وهو صحفي من أبناء مدينة الحولة، عن المجزرة والذي فقد 14 شخصاً من عائلته فيها ” بدأت في يوم الجمعة بعد خروج الناس ظهراً في مظاهرة ضد النظام، حيث باتت قواته تستهدف القرى العرب السنة في المنطقة بقصف كثيف من المدفعية، في المساء تسللت مجموعة من شبيحة سهل الغاب وتلكلخ والقرداحة إلى حي السد آخر أحياء المدينة جنوبا، وقاموا بقتل كل العائلات التي وجدوها هناك، ومن ثم في الليل أكملت الميليشيات هجومها على أحياء تلدو والرفة وقتلت عائلات بأكملها إما بالرصاص أو ذبحاً بالسكاكين، وقد حدثت هذه المجزرة بالتزامن مع تواجد المراقبين الدوليين في سوريا، ولم يتمكن الأهالي من الوصول لجثث أبنائهم إلا بعد قدوم المراقبين لمكان المجزرة”. هذه المجازر والتي تسرب كثير من مقاطعها المصورة عن طريق مرتكبيها أنفسهم، وكثير من الناشطين رأوا في ذلك عملاً متعمداً لنشر الترهيب والخوف، أدت إلى نزوح جماعي أيضاً لكثير من العائلات خوفاً من الموت ذبحاً بأيدي الميليشات الطائفية.

هدف النظام من خلال تلك المجازر، رغم توجهها الطائفي، لتنقية العرق “السوري المفيد” التابع له بالمطلق، وغير المعارض لأي قرار يتخذه، لذلك ترى أن مناطق النظام يتواجد فيها أناس يتبعون لطوائف مختلفة ويشتركون بصفة واحدة، قدرتهم على الصمت تجاه جرائم النظام وتقديم أبنائهم أتوناً للحرب المشتعلة.

عمليات التهجير غير المباشرة لم تقتصر على النظام فحسب، بل كذلك قام تنظيم الدولة بعمليات مشابهة في مناطق سيطرته، وكان التمييز على أساس طائفي وديني أيضاً، حيث توجه ضد أبناء الطائفة السنية الذين لا يتبعون المذهب السلفي على الطريقة الداعشية وغيرهم، ومارست داعش في مناطق تواجدها مجازر وحشية بحق كل من يعارضها.

ففي تموز عام 2014 قامت قوات تنظيم الدولة بقتل 800 شخص من عشيرة الشعيطات في ريف دير الزور حسب تقرير نشرته جريدة الحياة على موقعها الرسمي في 3.10.2014 بعد أسابيع من المجزرة، وهجرت معظم أبناء العشيرة، وبلغ عدد الذين فروا من بيوتهم في منطقة أبو حمام والكشكية وغيرها من مناطق سكنى الشعيطات ما يقارب 100 ألف نسمة.

وكذلك قامت بمهاجمة الكرد الإزيديين وقتلهم وبيع بناتهم كجوارٍ، صرح الناشط أحمد مستو، وهو ناشط سوري كردي” ضيقت داعش في مناطق سيطرتها على القرى القرى الكردية والتركمانية أكثر من القرى العربية، وتدخلت في شؤونهم وعاداتهم وأعيادهم القومية”.

خلقت التنظيمات الإسلامية الراديكالية أيضاً جواً معادياً للمواطنين المغايرين لإيديولوجيتها، وبذلك هجّرت بطريقة غير مباشرة المسيحيين المقيمين في تلك المناطق، وشهدت مناطق مثل تل أبيض بعد سيطرة داعش حالة تهجير للمسيحيين من خلال تخييرهم بدخول الإسلام أو دفع الجزية أو المغادرة، أي إما التماهي مع الجماعة أو دفع ضريبة الاختلاف أو التهجير، وكانت قيمة الجزية ما يعادل 150 دولار كل ستة شهور، ومن أصل 150 عائلة كانت تسكن الحي الأرمني في تل أبيض لم يبق سوى أربع عائلات، وكذلك سيطرة جبهة النصرة على إدلب وريفها أدى إلى هروب جماعي من قبل العائلات المسيحية.

عمليات التهجير غير المباشرة مارستها ايضاً الفصائل الكردية تجاه العرب بالدرجة الأولى، والكرد أيضاً القاطنين في مناطقها، وحسب تصريح للمكتب الإعلامي للحركة الوطنية لأبناء الجزيرة، وهي حركة سياسية تنشط في منطقة الجزيرة في شمال شرق سوريا ” تعتبر قوات الحماية الكردية كل عربي مقيم في مناطق سيطرتها داعشي، وتعمد إلى إجبار العائلات التي بقيت في بيوتها على تجنيد أبنائهم وبناتهم في القتال ضد داعش ويضعونهم في الصفوف الأمامية رغم أنهم ما زالوا أطفالاً، كما تمنع المهجرين من العودة إلى بيوتهم، ولا تسمح لأي عائلة عربية نازحة من مناطق داعش في الرقة ودير الزور في البقاء في مناطق سيطرتها في الحسكة وريفها إلا بعد أن يكون لديهم كفيل كردي.

وتبعا لقانون الملكية الذي أصدرته الإدارة الذاتية تنتقل ملكية البيوت والعقارات التي تركها أصحابها في مناطق سيطرتهم للإدارة التي تقوم هي بتوزيعها مرة أخرى”. كذلك دفعت سياسات ال ب ي د الكثير من الكرد الذين لا يقبلون بسياساتها إلى النزوح من بيوتهم باتجاه تركيا أو أوروبا، يتحدث أحمد مستو عن ذلك ” اذا قمنا بعملية إحصاء للشعب الكوردي بمنطقة عفرين وكوباني-عين العرب والقامشلي والحسكة سنرى أن نسبة لاتقل عن 50 بالمئة منه تم تهجيره بسبب ممارسات وانتهاكات حزب ال ب ي د لحقوق الناس، حيث يخطفون بناتهم وأولادهم الصغاربدون رضى الأهل طبعا ويرسلونهم الى معسكراتهم في جبل قنديل وغيرها،  وقد أصدروا قانون التجنيد الإلزامي للشباب  وطلبوا من كل عائلة أن ينضم أحد أبنائها أو بناتها للحزب، وعندما لايكون هناك شباب يطلبون من المسنين أن يقفوا بنوبات حرس على الحواجز كل يومين، لهذا أستطيع ان أؤكد أن التهجير الذي دفع إليه هذا الحزب بحق الشعب الكوردي هو أكثر بكثير من التهجير الذي قامت به داعش”.

كما سجل أكراد كثر لجوءهم في دول أوروبية لحماية أبنائهم من التجنيد الإجباري لدى النظام أو قوات ال ب ي د، ويقول أبو مراد لاجئ سوري مقيم في ألمانيا “لقد هربت بابني في تشرين عام 2015 بعد أن أخذ ال ب ي د ابنة عمه وأحد أقاربه للتدريب والوقوف على الحواجز وأعمارهم لم تتجاوز ال 16 عشر عاماً”

أدى أيضاً القصف الروسي ،الذي بدأ في نهايات 2016 مساندة  لنظام الأسد،  لمناطق مختلفة من سوريا إلى نزوح جموع جديدة من مدنها وقراها، ولم يختلف الأمر عن قصف قوات التحالف لمدينة الرقة السورية التي كانت تسيطر عليها داعش، حيث أدى القصف لنزوح عشرات آلاف المدنيين، ويرى بعض ناشطي المدينة أن الأمر لا يستهدف قوات داعش بقدر ما يستهدف عمليات التغيير الديغرافي التي قد تمارسها قوات الحماية الكردية في الرقة بعد السيطرة عليها.

عمليات التهجير الغير مباشرة تلك لم تكن سوى مقدمة لعمليات تهجير مباشرة شملت مختلف المناطق السورية لاحقاً، والتي لم يعاقب عليها المجدتمع الدولي بقدر ما بات داعماً لها، حيث بات السماح بتهجير الناس من مناطقها في سوريا جانباً إنسانياً طالبت به الأمم المتحدة ومجلس الأمن في أمر يمكن اعتباره سابقة في تاريخ هيئة الأمم المتحدة، وستتم مناقشة عمليات التهجير المباشر والتغطية الدولية لها، ونوعيها السياسي والإيديولوجي في الجزء الثالث والأخير من هذا الملف.