عندما يتنزه الخوف في الطرقات وحيداً

” نشر هذا المقال للمحامي ميشال شماس على موقع حكاية ما انحكت في تاريخ 30 أذار (مارس) 2016 وبإمكانكم قراءته هنا. “

%d8%b9%d9%86%d8%af%d9%85%d8%a7-%d9%8a%d8%aa%d9%86%d8%b2%d9%87-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d9%88%d9%81-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b7%d8%b1%d9%82%d8%a7%d8%aa-%d9%88%d8%ad%d9%8a%d8%af%d8%a7%d9%8b
(الصورة: أحد جوامع باب شرقي - دمشق - 2013-9-23 (شام كCC BY-SA 3.0)).
<

“كانت الشوارع “الزواريب” في حي “الدويلعة” فارغة إلا من بعض الحركة، حتى سوق الخضرة الشهير فيها قد بدا حزيناً من قلة الزوار والزبائن إلا من قلة قليلة أتت مضطرة للتزود ببعض ما تقتات به، بينما بدت الفواكه والخضار باهتة اللون حزينة هي الأخرى، حيث لم تجد من يلمسها ويتفحصها بين الحين والآخر..”

div> صباح السلامة على سوريا وأهلها، صباح السلامة على حيّ “الدويلعة” الملاصق بعشوائيته المكتظة لحيّ “باب شرقي” العريق في مدينة دمشق أقدم عاصمة مأهولة في التاريخ. هذا الحي الذي يقطنه عشرات الآلاف من مختلف المحافظات السورية، بينما مساحته لا تتعدى الواحد كيلومتر.
يتميز هذا الحي الشعبي بزواريبه الضيقة، وبيوته المتلاصقة والمتراصة كعلب السردين، لا توجد فيه أية مساحة خضراء، ولا حتى أشجار، ولا مواقف للسيارات، وجدران البيوت فيه ليست آمنة، فهي تكاد تهوي إن حلقت طائرة حربية على علو منخفض، وكم كنّا نشعر باهتزاز جدران البيوت عند كل انفجار قذيفة هاون، أو عند قصف الطائرات لحي جوبر الدمشقي الذي لا يبعد إلا قليلا، فضلاً عن كون جدران المنازل غير كتيمة، أي أنها لا تحفظ مكاناً للسر، فالجار يسمع جاره من غرفة نومه، حتى طقطقة مفاتيح الكهرباء تُسمع بوضوح. ينامون في غرف النوم ويمارسون الحبّ بصمت مطبق خشية أن يسمع الجيران تنهيداتهم وتأوهاتهم.. ومع ذلك فالإنجاب مستمر وبوتيرة عالية، والأطفال تملأ الزواريب، ويعلو صراخهم كما ضحكاتهم حتى يضج أهاليهم منهم فيبدأ الشجار بين الجيران  كموشح يومي لا بد منه.
صباح الخير، مساء الخير مفردات تسمعها عشرات المرات في اليوم، تسمعها وأنت ذاهب إلى العمل، كما تسمعها عند عودتك إلى البيت، ولا غرابة في ذلك فالحي شعبي بامتياز، تقول في نفسك بعد كل ما جرى ويجري، أي خير، وأية سلامة بقيت؟ فالخيبة والخذلان تظهران بشكل واضح على وجوه الناس هنا، بعد أن انكسر ذلك الوهم الكبير الذي كانوا وكنّا نعيش فيه، إنه وهم العيش بأمن وأمان.
استفاق سكان الدويلعة كغيرهم من السوريين بعد سنوات من القمع والكبت والإذلال على شعور كلّي بالعجز والتخلّي، تخلّي الصديق قبل الغريب عنهم، الجميع هنا في هذا الحيّ المكتظ بالسكان من مختلف المناطق والمدن السورية يلعنُ كل شيءٍ بصمت بعد أن أيقنوا أن الكلام لم يستطع إيقاظ الضمائر الميتة، كما الاحتماء بالأقوى لم يعد يجدي نفعاً، ووصل كلّ منهم وبطريقته الخاصة إلى قناعة مفادها، أن الأمل في غدٍ أفضل قد أصبح سراباً في ظل تقاعس المجتمع الدولي عن القيام بمسؤولياته لوقف هذه المذبحة التي يتعرض لها الشعب السوري منذ خمس سنوات.
إنها الساعة الحادية عشر صباحاً، نعم ما زلت أذكرها تلك اللحظة، عندما امتطيت دراجتي باتجاه سوق الخضرة، حيث كانت الشوارع “الزواريب” في حي “الدويلعة” فارغة إلا من بعض الحركة، حتى سوق الخضرة الشهير فيها قد بدا حزيناً من قلة الزوار والزبائن إلا من قلة قليلة أتت مضطرة للتزود ببعض ما تقتات به، بينما بدت الفواكه والخضار باهتة اللون حزينة هي الأخرى، حيث لم تجد من يلمسها ويتفحصها بين الحين والآخر..
إنه الخوف وحده كان يتنزه وحيداً في شوارع الحي وزواريبه الضيقة، كان الخوف كالشبح يحوم في كل مكان هنا، بينما الترقب والحذر يسود الموقف في داخل البيوت التي غالبا ما يغلفها الظلام من كثرة انقطاع الكهرباء، والقلق يسيطر على روح الساكنين في تلك البيوت الضيقة، يقبضون على قلوبهم خوفاً من غدٍ قد يأتي بأسوأ مما هم فيه اليوم.
وفي اليوم التالي الذي جاء مسرعاً على غير عادته، لم يكن يتوقع أحد أن يحمل معه هذا الكم الهائل من الدماء في يوم واحد فقط، دماء غزيرة سالت ممن بقي من الأطفال والنساء والشباب والرجال، سقطوا ضحية قذائف الموت الغادرة التي انهالت عليهم دون سابق إنذار، فاتشحت الدويلعة بالسواد على أبنائها الذين رحلوا فجأة، واكتظ الطريق الواصل إلى الكنيسة بالمشيعين، معظمهم كان من كبار السن، بينما صوت الرصاص يلعلع في المكان، فيطغى على صوت البكاء والعويل، حتى حجارة الطريق تكاد تخرج من جذورها لتقول للراحلين الى القبر “لا تتركوني هنا وحيدة، خذوني معكم، لقد سئمت العيش، فما عدت أحتمل رائحة الدماء وسماع البكاء”.
اقتربت لحظة الوداع المضرجة بالدماء، يخرج الناس من الكنيسة باتجاه المقبرة القريبة، بينما عادت النسوة والفتيات إلى بيوتهن التي غادرها الفرح منذ إطلاق أول رصاصة قبل حوالي أربع سنوات، فاتجه الرجال وبعض الشباب إلى المقبرة الملاصقة للكنيسة، حاملين النعوش على وقع أزيز الرصاص المنطلق من فوهات الكلاشنكوف، بينما تعالت أصوات الرجال، وهي تبكي  لحظة وضع النعوش في مكانها الأبدي، تُغلق الأبواب على الراحلين قبل الأوان إلى جوار ربهم.
الرجال ومعهم بعض الشباب عادوا أدراجهم إلى بيوتهم، وكل واحد منهم يفكر بالموت الذي بات يُكثر من زياراته المفاجئة هذه الأيام، وأما الراحلون إلى جوار ربهم فقد وجدوها فرصة للتحدث إلى الله وسؤاله بعتب شديد، ذلك السؤال الذي يردده الأحياء سراُ وعلانية في كل لحظة وكل حين، لماذا تركتهم.؟ إلى متى هذا الصمت الأبدي يارب..؟ لكن ما من جواب يأتيهم.. وهل من جواب يأتي من صمت أبدي؟
يمضي الرجال بخطوات متثاقلة كلٍّ إلى منزله، والغضب يسيطر على محيّاهم، الغضب من هذا الموت الذي يتباهى بقوته الغادرة، فما من قوة قادرة على وقف هذا الموت عند حدّه.
يهبط الظلام، وينام الجميع على أحلام ليس فيها ورود ولا أزهار ولا حتى صوت فيروز الذي كان فيما مضى ينساب من داخل البيوت في الزواريب الضيقة، وحدها صور الموتى والدماء لا تبارح مخيلة النائمين، ليصحوا من جديد على وقائع يوم جديد لا يخلو من الموت، وكأنه القدر الذي لا مفر منه.
 لكن مع كل هذا السواد وتلك الظلمة، فمازال القاطنون في هذا الحي كغيرهم من السوريين يأملون بفجرٍ يمزق سواد الليل الذي طال أمده، وغدٍ جديد لا دماء فيه ولا موت ولا دمار، ولا استعباد ولا استبداد تحت أي مسمى كان.. إنهم يتوقون للنور والحرية، ولا يملون ولا يكلون في سعيهم نحو الحياة والحب والسلام..