في أعزاز: مبادرة فردية لمساعدة ضحايا الإدمان

” اصبح الادمان من اخطر مخلفات الحرب على الشباب السوري في ظل تنامي تجارة المخدرات دون وجود اي رادع قانوني وغياب دورالمنظمات في اتخاذ مبادرة جدية لتوعية الشباب و علاج المدمنين منهم باستثناء بعض المبادرات الفردية كمبادرة الطبيب النفسي أحمد. “

%d9%81%d9%8a-%d8%a3%d8%b9%d8%b2%d8%a7%d8%b2-%d9%85%d8%a8%d8%a7%d8%af%d8%b1%d8%a9-%d9%81%d8%b1%d8%af%d9%8a%d8%a9-%d9%84%d9%85%d8%b3%d8%a7%d8%b9%d8%af%d8%a9-%d8%b6%d8%ad%d8%a7%d9%8a%d8%a7-%d8%a7%d9%84
[نبات الماريوانا(القنب الهندي)-ويكيبيديا]

أغلق باب غرفته في الطابق الثاني من بيته في الحارة الشرقية من مدينة اعزاز والتزم سريره رافضاً الحديث مع أي كان. لم تجد نفعاً دعوات أمه المتكررة له بالخروج أو فتح الباب لتناول الطعام على الأقل. كل ذلك بعد أن تناول جرعته اليومية من الحبوب المخدرة وسجائر الحشيش التي اعتاد على تعاطيها لسنوات طويلة.

الشاب محمد (27 سنة) بجسده النحيل وعينيه البارزتين مع انحناءة في الكتفين و ندبات واضحة على الذراع وبروز العروق الوريدية، لم تسعفه الحياة في إكمال دراسته التي تركها في الصف السادس الابتدائي. منذ صغره كان ينتقل في العمل الحر بين غسيل السيارات وورش البناء، وكان بحسب والدته، يصرف كل ما يأخذه من أموال على شراء الحبوب وسجائر الحشيش. “الجميع في الحي ينبذه وعلاقته بوالده ساءت جدأ ووصلت إلى مرحلة القطيعة” تقول السيدة الخمسينية.

أمام بوابة منزله الحديدية التي زينتها ياسمينة كبيرة امتدت على الجدران وقف المعالج النفسي أحمد قبلان يستمع إلى حديث والدة محمد التي كانت تشكو إليه حال ابنها البكر. قامت الوالدة باستدعاء قبلان كونه المعالج النفسي الذي يشرف على حال ابنها في عيادة مصغرة لعلاج حالات الإدمان على العقارات المخدرة.

كانت تلك المرة الخامسة التي يلتقي بها قبلان بهذا الشاب. فتح محمد الباب ورافق المعالج إلى عيادته في الحيّ المجاور بمحض إرادته. “هو يرغب فعلاً في التخلص من الإدمان والآثار التي سببها له من تقرح في المعدة وفقدان للوزن، لكنه يخشى الذهاب إلى المشفى فيتعرض للاستجواب أو السجن بتهمة التعاطي”، يشرح قبلان حالة الشاب المدمن.

يوجد في مشفى أعزاز الأهلي قسم خاص لمعالجة الأمراض النفسية لكنه في الوقت الحالي يفتقد للكوادر الاختصاصية، إذ لم يبق في المدينة كلها إلا طبيبين للأمراض العصبية والنفسية وكلاهما يعمل في عيادات خاصة. ومع كثرة الحالات الواردة إلى المشفى بات العلاج النفسي الذي يحتاج الكثير من الجلسات والمتابعة يقتصر على صرف بعض الأدوية وتوجيه بعض الإرشادات الأساسية.

قبل نحو سنتين أسس أحمد قبلان مركزاً يحمل اسم “مركز سوا ربينا لخدمات الدعم النفسي والاجتماعي” وهو يشغل حيزاً في مشفى النسائية والأطفال في مدينة اعزاز، فقد درس الإرشاد النفسي في جامعة تشرين وعمل مع منظمة الهلال الأحمر خمس سنوات في هذا المجال أكسبته الخبرة المطلوبة. يقول: “سمعت عن انتشار واسع للإدمان على الحشيش والحبوب المخدرة في مدينة أعزاز فاخترت القدوم إلى هنا ومساعدة ضحايا الإدمان”.

يوضح المعالج النفسي أنه في السنوات الأخيرة زادت نسبة التعاطي نظراً لغياب الرقابة على الأدوية وطريقة صرفها ودخول كميات هائلة من الحبوب المخدرة بأسعار زهيدة إلى المدينة المتاخمة للحدود التركية، الأمر الذي جعلها بمتناول الجميع. ويضيف: “صرنا نرى هذه الحبوب تباع علناً على بسطات الدخان وفي الدكاكين حيث لا يتجاوز سعر المظروف الواحد من بعض الأدوية الـ 100 ليرة سورية (أقل من نصف دولار أمريكي)”

يأتينا الحشيش من مصادر كثيرة من لبنان عبر تجار من مناطق النظام ومدينة عفرين، أو من أفغانستان عبر المعابر الحدودية مع تركيا. وفي السنتين الأخيرتين بدأت زراعة الحشيش تنتشر في سوريا في الكثير من قرى إدلب ومناطق تنظيم الدولة الإسلامية (المعروف بداعش) ومدينة عفرين المتاخمة لنا

في المركز الذي أنشأه قبلان يساعد عشرات المرضى على مواجهة مشكلاتهم النفسية، لكن أنشأ أيضاً عيادة صغيرة في هي إحدى غرف المنزل خصصها لاستقبال حالات الإدمان. تحتوي الغرفة ذات الإنارة الخافتة على طاولة صغيرة إضافة إلى كرسي من الجلد يستلقي عليه المريض، وكرسي آخر للمعالج، إلى جانبه جهاز كمبيوتر محمول للاستماع إلى الموسيقى الهادئة وكوب ماء وبعض الأوراق الصغيرة.

وقد علق على جدرانها بعض الرسومات وفي زاوية الغرفة كان هناك كرات ملونة وقطعة قماش سوداء وعلبة ألوان وحبل للقفز. وعلى أحد الرفوف ملف من الأوراق قال المعالج إنها مشروع لإنشاء مركز مختصّ لمعالجة الإدمان قام بكتابته منذ سنتين وعرضه على معظم المنظمات والمشافي لكنه لم يلق أذاناً صاغية فأخذ على عاتقه تحويل غرفة من بيته لمعالجة حالات الإدمان التي كانت تزوره، بالمجّان.

“أشرفت في هذه الغرفة على علاج ما يقارب 15 حالة خلال عام 2016 منها أربع حالات إدمان، اثنتان منها تماثلتا للشفاء والبقية قمت بتحويلهم إلى طبيب أخصائي بالمعالجة الدوائية لعدم قدرتي على إكمال العلاج”. وأضاف “كنت أقوم بدراسة هذه الحالات وأطبق النظريات التي تعلمتها واستشير الأطباء النفسيين الموجودين أو أصدقائي من الأطباء الذين هاجروا خارج البلاد”.

محمد ليس إلا واحد من آلاف الشباب المدمن في هذه المدينة الذين يحتاجون للعلاج والتوعية الصحية بحسب قبلان.

اسماعيل (32 سنة) أحد الشباب المدمنين على مادة الحشيش (القنب الهندي) يعيش في الحارة الشمالية لمدينة أعزاز يقول: “لقد تحولت إلى مروج لهذه المادة لأحصل على حصتي من الحشيش فليس لدي عمل ولا أستطيع الإقلاع عنه”. وأضاف “يأتينا الحشيش من مصادر كثيرة من لبنان عبر تجار من مناطق النظام ومدينة عفرين، أو من أفغانستان عبر المعابر الحدودية مع تركيا. وفي السنتين الأخيرتين بدأت زراعة الحشيش تنتشر في سوريا في الكثير من قرى إدلب ومناطق تنظيم الدولة الإسلامية (المعروف بداعش) ومدينة عفرين المتاخمة لنا، ومع ذلك فإن أسعار الحشيش في زيادة دائماً حيث أصبح سعر المعجونة وهي 25 غرام من الحشيش 15000 ليرة (حوالي ثلاثين دولاراً أمريكياً)”

ويشير اسماعيل إلى أن بيع الحشيش صار علنياً اليوم. “قبلاً كنا نتعب كثيرا للحصول عليه أما اليوم فيوجد في مدينة اعزاز وحدها عشرات التجار حتى أنك صرت تجدها ملفوفة وجاهزة عند بائعي الدخان ويختلف سعرها حسب جودتها وكمية الحشيش الموجودة فيها”.

طبيب رفض ذكر اسمه خوفاً من استهدافه من قبل تجار هذه المواد يعمل في أحد مشافي مدينة اعزاز قال “ظروف الحرب أسهمت في انتشار الإدمان على مختلف أنواع المخدرات فيسعى الشباب للهروب من الواقع الذي يعيشونه بالتعاطي كما أن بعض الحبوب المخدرة كانت يتناولها المقاتلون المصابون لتخفيف آلام الإصابة، فسببت لهم إدماناً”. وأضاف الطبيب “بعض حالات الإدمان التي رأيتها كانت لقاصرين لم تتجاوز أعمارهم السادسة عشرة”.

وأشار الطبيب “هناك مئات الأدوية التي يسبب الاستعمال الخاطئ لها إلى الإدمان من خلال زيادة الجرعات ولكن تبقى مادة الترامادول والبنزوهسكول والزولام تتصدر هذه الأدوية، حيث لاحظت انتشارها بشكل واسع وتستخدم في الكثير من الأحيان كحبوب مسكنة للألم أو حبوب منومة ويتم صرفها من قبل الذين يعملون في الصيدليات دون دراية وعن جهل فمعظم الذين يعملون في الصيدليات حالياً لا يحملون شهادة الصيدلية”.

أحمد م. محامٍ من قرية حيان يعيش في مخيم سجو في مدينة اعزاز بعد أن نزح إليه في بداية 2015  يؤكد أنه ليس هناك اي قانون في هذا المخيّم يجرم المتعاطين أو المتاجرين بهذه المواد على الرغم أن قانون العقوبات في سوريا يجرم المتعاطين بالحبس لمدة تتراوح بين 6 أشهر إلى ثلاث سنوات بينما يحكم على المروجين والتجار بحسب الكميات المضبوطة بعقوبات قد تصل إلى الإعدام. “الحشيش والحبوب المخدرة تنتشر في المخيم علانية ولا يوجد هناك رقيب ولا حسيب” يعلّق باستياء.

لا توجد بيانات دقيقة عن عدد المتعاطين في مدينة أعزاز لكن المعالج قبلان أكد أنها تزداد في كل يوم. ويقول: “تبدو آثار التعاطي واضحة على الكثير من الشبان الذين أراهم في الطرقات والأمر يتطلب حملات توعية ودورات تأهيلية للكوادر الصحية التي بقيت في المدينة كي تصبح قادرة على المساعدة في الحد من انتشار هذه الظاهرة الخطيرة”.

ويختم حديثه قائلاً: “دائما هناك خطط بديلة وستبقى عيادتي مفتوحة لكل الراغبين في التخلص من الإدمان رغم الإمكانيات القليلة التي أملكها”.