في القرى المحررة: الزراعة غير ممكنة بعد أن زرع تنظيم داعش آلاف الألغام

” رغم انسحاب داعش من قرى الريف الشمالي إلا أنها لم تصبح آمنة تماماً فالألغام التي خلفها التنظيم مازالت تهدد حباة السكان وتمنع الكثير من المزارعين من زراعة أرضهم وأصبحت الأغنام تعمل ككاسحات ألغام. “

%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%ad%d8%b1%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b2%d8%b1%d8%a7%d8%b9%d8%a9-%d8%ba%d9%8a%d8%b1-%d9%85%d9%85%d9%83%d9%86%d8%a9-%d8%a8%d8%b9%d8%af
[الأغنام ترعى الأراضي وتمشطها من الألغام-قرية الاحمدية-ريف حلب الشمالي-5-2-2017(أحمد محلي/صباح الخير سوريا)]

(سوريا-ريف حلب الشمالي) من بعيد يقف عثمان بجانب أبيه محمد العلي وهم ينظرون بحسرة إلى أرضهم في قرية الأحمدية القريبة من الشريط الحدودي مع تركيا دون أن يجرؤوا على الاقتراب منها.

حوالي السنة مرت على تحرير هذه الأرض من تنظيم داعش وما زالت بورًاً غير صالحة للزراعة بسبب وجود مئات الألغام كان التنظيم قد زرعها فيها.
يقول عثمان “مساحة هذه الأرض تبلغ عشرة هكتارات وهي كافية لجعلنا أغنياء” ويتابع: “لقد كانت مصدر رزقنا الوحيد، لكننا اليوم غير قادرين على استثمارها وصرنا عاطلين عن العمل”.

وتعد الزراعة هي المهنة الغالبة لسكان مناطق ريف حلب الشمالي والشرقي  لكن قيام تنظيم داعش بالسيطرة على الأراضي و تلغيمها  حرم مزارعين كثر من فلاحة أراضيهم والاستفادة منها.

وتقدر مساحة الأراضي المزروعة بالألغام في أرياف حلب المحررة من داعش بحوالي 300 هكتار أرض هاجر معظم أصحابها إلى تركيا أو مناطق أخرى من الداخل السوري بحثاً عن عمل.

محمد أوغلي من قرية مزارع شاهين لديه قرابة 20 هكتار أرض، لكن موقعها الجيد القريب من الطريق الرئيس المعبد في المنطقة كان نقمة عليه.
“كان من سوء حظي أن أرضي ذات موقع إستراتيجي، مما دفع عناصر التنظيم إلى نشر مئات الألغام فيها، وكانت معظم هذه الألغام على شكل أحجار وشجيرات صغيرة”.

وحاول أوغلي بالتعاون مع عناصر الهندسة من الجيش الحر نزع الألغام الكبيرة وتفجيرها إلا أن هناك ألغام صغيرة مخصصة للأفراد كانت منتشرة في معظم أرجاء الأرض، مما دفعه للاستعانة برعاة الغنم.

ويوضح هذا المزارع أن قطعان الماشية يستخدم “كاسحات ألغام” لتنظيف الأراضي، حيث يقوم الفلاح بالاتفاق مع الرعاة ليقوموا برعي أغنامهم في الأرض، وبالمقابل أي رأس ماشية يموت نتيجة الألغام يتكفل المزارع صاحب الأرض بدفع ثمنه.

“اتفقت مع أحد الرعاة على رعيها مقابل مبلغ مادي يصل إلى 10 آلاف ليرة سورية للهكتار الواحد إضافة إلى التعويض عن أي شاة تلقى حتفها”

“اتفقت مع أحد الرعاة على رعيها مقابل مبلغ مادي يصل إلى 10 آلاف ليرة سورية للهكتار الواحد إضافة إلى التعويض عن أي شاة تلقى حتفها”.
كان رعاة الغنم قبل الحرب يستأجرون الأراضي بعد حصادها من المزارعين لكي يطعموا أغنامهم من بقايا المحصول الناتجة عن الحصاد مقابل مبالغ مالية.
وتمتاز أراضي ريفي حلب الشمالي والشرقي بخصوبة كبيرة ووفرة المياه الجوفية وتشتهر بزراعة الحبوب والبقوليات والخضروات.

إلا أن ما قام به تنظيم داعش من نشر الألغام في الأراضي الزراعية عاد بالضرر على آلاف العوائل، فاضطر بعضها إلى بيع أرضه بثمن بخس أقل من سعرها الحقيقي.

الحاج محمد عبيد من قرية “يان يابان”، التي تحررت بتاريخ في الأول من أبريل 2016 باع أرضه بعد مقتل ابنه علي عندما كان يفلح الأرض. إحدى عجلات جراره الزراعي داست على لغم مضاد للدبابات كان تنظيم داعش قد زرعه مما أفقده حياته.

“حاولت منع إبني علي من فلاحة الأرض خوفا من الألغام، إلا أنه قال لي أبي لن أموت إلا بيومي وهذه أرضنا مصدر رزقنا ويجب أن نزرعها. لقد كانت هذه آخر كلماته قبل وفاته”.

ويتابع الحاج محمد: “بعد انفجار اللغم بابني علي قمت ببيع أرضي بأقل من سعرها الحقيقي فلم يعد لي قدرة على النظر إلى هذه الأرض التي أودت بحياة ولدي وقررت الرحيل إلى تركيا”.

حال عائلة الحاج محمد هي حال مئات العوائل التي اضطر بعضها لبيع أراضيه أو هجرانها وتركها بورا.

ونتيجة كثرة الأراضي المزروعة بالألغام في ريف حلب الشمالي والشرقي فإن فرق هندسة الألغام لم تكن قادرة على نزعها كلها خاصة أن تنظيم داعش يشتهر بقدراته الكبيرة في تمويه الألغام.

أبو محمد الشامي قائد سرية هندسة لنزع الألغام في فيلق الشام التابع للجيش الحر أكد أن معظم أفراد سرايا الهندسة التابعة للجيش الحر يكتسبون خبراتهم بشكل ذاتي. لكنه يستدرك أن “أعداد فرق الهندسة قليلة جداً مقارنة بالعدد الهائل من الألغام المنتشرة، إضافة إلى عدم وجود تجهيزات مخصصة لذلك وبالأخص كاسحات ألغام”.

ويتابع أبو محمد: “إننا نعمل بخبراتنا الذاتية البسيطة على نزع الألغام من بيوت المدنيين وأراضيهم دون أي مقابل”.

ولقي العديد من عناصر فرق الهندسة التابعة للجيش الحر حتفهم بسبب انفجار الألغام فيهم أثناء تفكيكها.

وتعمل المجالس المحلية في المناطق التي تم تحريرها من داعش على محاولة نشر الوعي بين المدنيين من أجل عدم الاقتراب من الأجسام الغريبة.
محمد السالم عضو المجلس المحلي لقرى الكرامة في ريف حلب الشمالي يقول: “هناك مزارعين لم يجرؤوا على زراعة أراضيهم خوفاً من الألغام بإنتظار قدوم فرق هندسة أو أنهم يأملون في أن تفقد الألغام فعاليتها خلال فترة من الزمن”.

وتعتبر الألغام هي من أخطر الأسلحة التي يمتد تأثيرها لسنوات.

السوريين في الشمال السوري يمشون في أراضيهم بحذر ويخشون على أبنائهم من لغم غادر يكون منسيا هنا أو هناك، ويبقى الحل بحسب عضو المجلس المحلي بتوفير عدد أكبر من فرق الهندسة إضافة إلى توفير المزيد من  أجهزة كشف الألغام وكاسحات ألغام.