في حلب: البقاء للأصلح

” البراميل المتفجرة والدواعي الأمنية تحرم  سكان حلب من احتياجاتهم الأساسية وجميع الاطراف تمنع إصلاح اضرار الحرب. “

%d9%81%d9%8a-%d8%ad%d9%84%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d9%82%d8%a7%d8%a1-%d9%84%d9%84%d8%a3%d8%b5%d9%84%d8%ad
(الصورة: مجموعة من الناس في حالة ذهول بعد سقوط برميل متفجر - حلب - بستان القصر - 2015-4-12 (محمود عبدالرحمن/ صباح الخير سوريا))
<

“فتتسبب الاشتباكات والقصف بانقطاع التيار الكهربائي مرة كل أسبوع على الأقل في مدينة حلب، وغالباً ما يتطلب إصلاحها فترة أطول من فترة عملها بسبب عدم سماح أحد الطرفين لورشات الإصلاح بالدخول إلى المناطق الساخنة.”

div>(حلب، سوريا) لا يمر شهر على مدينة حلب إلا وتدمر فيه الغارات الجوية بالبراميل المتفجرة والصورايخ جزءاً من البنية التحتية للمدينة من أنابيب المياه ومحطات وخطوط الكهرباء والاتصالات إلى الجسور والطرق.
فتتسبب الاشتباكات والقصف بانقطاع التيار الكهربائي مرة كل أسبوع على الأقل في مدينة حلب، وغالباً ما يتطلب إصلاحها فترة أطول من فترة عملها بسبب عدم سماح أحد الطرفين لورشات الإصلاح  بالدخول إلى المناطق الساخنة، وذلك وفقاً للبيانات التي تصدرعلى صفحة الإدارة العامة للخدمات التابعة لجبهة النصرة على فيس بوك (وهي الجهة المسؤولة عن إصلاح الأعطال على الخطوط الرئيسية بالتعاون مع الهلال الأحمر الذي يؤدي  دور الوسيط بين الطرفين للسماح  لورشات الادارة بالدخول).
تحدث هذه الأعطال على خط التوتر الرئيسي الذي يزود حلب بالكهرباء من محطة الزربة في مدينة حماه، و هوالمغذي الوحيد لمناطق المعارضة بعد سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية على محطة السفيرة الحرارية.
 وفي آذار (مارس) اتفق النظام السوري مع انصار “الخلافة”  لزيادة كمية الوقود المخصصة لمحطة السفيرة التي يسيطر عليها التنظيم مقابل اقتسام الطاقة معه وعدم تزويد المعارضة بها وفقاً لمصادر محلية للمعارضة، خاصة ان خطوط الكهرباء التي تصل المحطة بمناطق النظام لا تمر بمناطق المعارضة و بالتالي لا يمكنها استغلال ذلك للضغط على الطرفين.
ويقول أبو رامز(1) أحد عناصر ورشات الإصلاح “إن النظام يمنع الورشة من الوصول إلى العطل في حال حصوله على الكهرباء من المحطة الحرارية بحلب ويسمح لهم بالدخول في حال توقفها عن العمل.”
كما تتسبب الاشتباكات الأخيرة على جبهات حلب القديمة والبراميل المتفجرة التي يصل تأثيرها إلى عمق أمتار تحت الأرض بتدمير أنابيب المياه الرئيسية في المدينة ونجم عن ذلك انقطاع المياه عن عدة أحياء منذ شهر حزيران (يونيو).
عادة تقوم الإدارة العامة للخدمات بإصلاح الأنابيب المتضررة بالتعاون مع منظمة الهلال الأحمر كونها قادرة على تأمين بدائل للقطع المتضررة من مناطق النظام، إلا أنها لم تتمكن منذ شهرين ونصف حتى الآن من إصلاح الأنابيب في حلب القديمة بسبب عدم السماح لها بذلك من قبل فصائل المعارضة بحجة أن تدفق المياه  يغرق الأنفاق التي لجأ النظام إلى استخدامها مؤخراً وفق ما أوضحه أبو علاء مدير المكتب الإعلامي للإدارة العامة لـصباح الخير سوريا.
أما الاتصالات الأرضية فهي خارج الخدمة منذ أن سيطرت المعارضة على عدة مناطق من حلب في تموز (يوليو) 2012 حين قام النظام بقصف مقسم خان الوزير ومقسم قاضي عسكر بالصواريخ الموجهة ما أدى إلى توقف الاتصالات الأرضية في معظم مناطق سيطرة المعارضة.
وتبع ذلك توقف الاتصالات الخليوية في المدينة نتيجة تعرض معدات أبراج التغطية للنهب حيث سرقت المولدات والبطاريات الاحتياطية المسؤولة عن تشغيل المحطات في حال انقطاع التيار الكهربائي الذي لم يعد يصلها إلا نادراً.
ثم حاول بعض المهندسين من شركتي الاتصالات الوحيدتين في سوريا (سيريتل و إم تي إن (MTN)) إعادة تشغيل هذه الأبراج وتزويدها بمعدات جديدة بفضل قدرتهم على التحرك في مناطق النظام. ولذلك تواصل المهندسون مع أبو معروف وهو التقني الأول في مجال تركيب أبراج الاتصالات وبرمجة القبضات اللاسلكية التي تستخدمها المعارضة، ونجحوا في إعادة الشبكة إلى الخدمة  بعد حصول أبو معروف على تعهد بعض الفصائل بحماية الأبراج من السرقة.
ولكن سيطر في شهر تموز 2013 تنظيم الدولة الإسلامية على مقسم الهلك الرئيسي في شبكة الاتصالات الخليوية وعطله بحجة أن النظام يحدد مواقع لقصف “الدولة” من خلال أبراج التغطية، حسب ما أوضحه عناصرها للنشطاء المحليين حين حاولوا إقناعهم بإعادة تشغيل المقسم.
إلا أن ذلك قد لا يكون ما دفع “الخلافة” لإيقاف الأبراج، فـ”طالب التنظيم بنصف أرباح الشركتين (سيريتل و إم تي إن) وقدرها بـ 52 مليون ليرة سورية شهرياً (اي ما يعادل حوالي 275.444 دولار) لكنّ إداراتهما رفضتا ذلك رفضاً قاطعاً،” حسب قول أحمد لصباح الخير سوريا وهو احد مهندسي الشركتين الذين كانوا مسؤولين عن اصلاح الابراج آنذاك.
غاب بعدها المهندسون لأكثر من أربعة أشهر وانقطع التواصل بينهم وبين التقني أبو معروف حتى أخبروه لاحقاً أن حاجزاً للنظام أوقفهم بعد اكتشاف المعدات التي كانوا يحاولون إدخالها إلى مناطق المعارضة واُعتُقلوا بتهمة التعاون مع المجموعات المسلحة وتم الإفراج عنهم بعد أربعة أشهر.
استمر هذا الحال حتى طرد التنظيم من المدينة باتجاه الريف نتيجة الاشتباكات مع الفصائل الاخرى في كانون الثاني  (يناير) 2014، حيث أعيد تشغيل مقسم الهلك عن طريق مهندسين مقيمين في مناطق المعارضة إلا أن ذلك لم يكن ذو فائدة كون معظم الأبراج الفرعية خارج الخدمة.
وبعد شهرين من التواصل مع إدراة شركتي الاتصالات نجح سكان حي مساكن هنانو في تشغيل برجي تغطية في الحي، إلا أن ذلك لم يدم طويلاً حيث قامت المؤسسة الأمنية التابعة للجبهة الشامية بايقاف عمل هذه الأبراج  اللأسباب التي ذكرها تنظيم الدولة الإسلامية مسبقاً نفسها بحسب ما قاله سكان الحي.
طال الدمار الطرق العامة والجسور أيضاً حيث تتسبب البراميل المتفجرة بانهيار الأبنية على الطرق وإغلاقها، وتقوم جرافات مجلس المدينة بإعادة فتح هذه الطرقات لكنّ حجم الخراب وضيق الشوارع يحولان دون قدرتها على إزالة الأنقاض، ما يسفر عن إبقاءه وسط الطرقات مع بعض الأشلاء المدفونة تحته أحياناً .
كما دمرت البراميل المتفجرة جزءاً كبيراً من جسر الشعار الذي استغرق بناؤه أكثرمن أربع سنوات (2000-2004) بتكلفة تفوق 390 مليون ليرة سورية (أي ما يعادل (7.800.000) دولار حينها)، بينما تم إغلاق جسر الحج منذ تموز 2012 بسبب استهدافه من قبل قناصي النظام، كما أغلق  في الفترة نفسها جسرا ميسلون والصاخور الواقعان على خط الاشتباك بين قوات النظام والمعارضة.
إضافة إلى ذلك، تقوم بعض فصائل المعارضة بإغلاق الطرق المحيطة بمقراتها خشية من التفجيرات أو زرع  الشرائح الإلكترونية التي تعطي إشارات لطيران النظام حسب قولها، كما تقوم بإغلاق معظم الأحياء وترك منفذ واحد لها في محاولة لضبط السرقات تبدو فاشلة حتى الآن.
ومن هنا يزيد إغلاق هذه الطرقات من صعوبة تنقل المدنيين ويقول سائق الميكرو باص أبو سعد لـصباح الخير سوريا: “أصبحنا محكومين بطرق محددة وغالباً ما تكون ضيقة ما يسبب الكثير من الاختناقات المرورية.”
ويتحمل المواطن الأعباء المادية الناتجة عن ذلك، إذ يوضح عمر وهو سائق سيارة أجرة قائلاً: “نجتاز مسافات طويلة للالتفاف على الطرق المغلقة وذلك يتطلب مزيداً من البنزين الذي يرتفع سعره باستمرار وطبعاً المواطن هو من يدفع الثمن.”
هذا هو الوضع في حلب، ومع استمرار الصراع تمنع عمليات السرقة والدواعي الأمنية إصلاح اضرار الحرب وبالتالي تزيد من صعوبة الحياة في المدينة وتفرض على سكانها البحث عن وسائل أخرى لتأمين احتياجاتهم الأساسية كحفر الآبار ومولدات الطاقة الكهربائية.

تم استخدام أسماء مستعارة لحماية المصادر.