في حي الوعر: السلامة أهم من الدراسة

” في الحي المحاصر منذ اكثر من اربع سنوات يحاول الناس الموازنة بين ضرورة التعليم وسلامة حياتهم. “

%d9%81%d9%8a-%d8%ad%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%88%d8%b9%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85%d8%a9-%d8%a3%d9%87%d9%85-%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%af%d8%b1%d8%a7%d8%b3%d8%a9
[مدرسة الرائدة العربية في حي الوعر-حمص-19-12-2016(ماهر الخالد/صباح الخير سوريا)]

سورية-حمص: يفلت عبد الحميد من يد أمه ليتوجه إلى باب المدرسة بينما تقف هي تراقبه بخوف كأنه الوداع الأخير. تنفرج أساريرها مع عودة ابنها بعد دقائق مطأطئ الرأس؟. “قاعة الصف خالية والأستاذ لم يحضر” يقول لها.

يعيش عبد الحميد، تلميذ المرحلة الابتدائية وحيداً مع أمه الأرملة  في حي الوعر غربي مدينة حمص، الحي الذي تشدد قوات النظام السوري الحصار عليه منذ أكثر من أربع سنوات.

لم يكن لديه في السابق تلك الرغبة في الدراسة وقد تغيب عاماً كاملاً عن مقاعدها إثر صدمة تعرض لها بعد مقتل أخيه الأصغر بشظايا قذيفة سقطت على بعد أمتار منهما.

اليوم ُيبدي عبدالحميد إصراراً على متابعة الدراسة. تحاول والدته اقناعه بالبقاء في الملجأ خوفاً على حياته و لأن الدروس معطّلة أصلاً  بسبب الوضع الأمني. تقول: “ابني يريد أن يتأكد كل يوم أن الدروس معطلة، وإن لم أرافقه يذهب لوحده”.

هذا الصبي (12 عاماً) واحد من مئات الطلاب والتلاميذ المتضررين من تعطل العملية التعليمية في الحي المحاصر الذي يقطنه حوالي مئة ألف من المدنيين. فمنذ التصعيد العسكري الأخير الذي أعلن عنه النظام السوري منتصف تشرين الثاني 2016 أغلقت أكثر من 25 مدرسة في الوعر بشكل كامل، وتعطل الدوام جزئيا في مراكز تعليمية أخرى كما هو الحال في مدرسة عبد الحميد.

يقول بينما يجلس مع ثلاثة أتراب له في قبو بناء مظلم تستخدمه الأسر ملجأً يحميها من القصف “يكفي أنني غبت سنة كاملة. رفقاتي صاروا صف سادس وأنا لساتني بالخامس ما بدي يصير معي هيك مرة تانية، ما بدي ارجع وحيد، ما بدي اخسر رفقاتي الجدد كمان”. تختفي إمارات الغضب من وجه والدته لدى سماعها كلمات عبد الحميد وتستبدلها بنظرة حانية. “عبد الحميد سيفهم أخيراً أن السلامة أهم من الدراسة”.

اليوم ُيبدي عبدالحميد إصراراً على متابعة الدراسة. تحاول والدته اقناعه بالبقاء في الملجأ خوفاً على حياته و لأن الدروس معطّلة أصلاً بسبب الوضع الأمني.

يدرس عبد الحميد في مدرسة الرائدة العربية في منطقة الجزيرة الأولى و التي تعتبر واحدة من أوائل المدارس الحكومية المنشأة في حي الوعر، تستوعب ما يزيد عن 500  تلميذ موزعين من الصف الأول وحتى السادس الابتدائي، يدرّس فيها حوالي30 معلم/ة يأخذون رواتبهم من مديرية التربية التابعة للنظام السوري. وخلال سنوات الحصار استمرت مدرسة الرائدة مع مثيلاتها من المدارس الحكومية بتقديم الخدمات التعليمية للطلاب، رغم الظروف الأمنية الصعبة التي يتعرض لها الحي، وإجراء معظم الامتحانات في موعدها وبشهادة معتمدة ومقبولة من قبل وزارة التربية.

إلا أنه ومنذ منتصف خريف 2016 توقفت الامتحانات نهائياً وأصيبت العملية التعليمية بالشلل التام بعد أن قصفت قوات النظام السوري الحي بالهاونات والاسطوانات المتفجرة، مما اضطر العائلات للإقامة في الملاجئ وامتناع أغلب الآباء عن إرسال أطفالهم إلى مقاعد الدراسة.

فالذهاب إلى المدرسة في هذه الظروف ليست فكرة يحبذها الأهالي أو حتى الأطفال أنفسهم ، وبخلاف صديقه عبد الحميد،  يتغيب مروان باستمرار عن مدرسته خوفا من القذائف العشوائية. “بحس الطريق طويل كتير وبس بدي ارجع ع البيت،وصوت زحكة الأسطوانة (يقصد بها صوت صاروخ يعرف باسم الفيل) هو أكثر شي بيخوفني”.

لمروان كغيره من أطفال المنطقة ذكرى أليمة مع مدرستهم الرائدة عندما فقد صديقه هنداوي نتيجة اصابته برصاصة قناص يتمركز في الجزيرة الثانية من حي الوعر. كان لحادثة موت هنداوي الأثر الكبير في امتناع سكان الحي عن إرسال أبنائهم إلى المدرسة خشية أن يلقوا مصيراً مماثلاً ،ليس لمصير هنداوي فحسب، بل لما يقارب 8 أطفال لقوا حتفهم في مناطق متفرقة من أنحاء الحي المحاصر خلال التصعيد العسكري الأخير بحسب ما أفاده  رامي الحصني ،عضو في اتحاد لجان الإغاثة في حي الوعر،.

وكبديل عن الذهاب للمدرسة يتحلق الأطفال حول بعضهم في قبو أحد المباني ، يلعبون لعبة الأستاذ والطلبة ويمسك مروان بيده عصا متوسطة الطول في إشارة إلى أنه يقوم بدور الأستاذ وباقي الأطفال يرددون وراءه أغنية (ألف بي بومبايي..) ، ولدى سؤال محمود، 40 عاماً مدير مركز تعليمي عن سبب عدم وجود أي مبادرة للتعليم البديل في القبو أو الشقق الأرضية التي تزدحم بالناس يجيب” لا يمكن فعليا تقديم دروس بديلة للأطفال في مكان ضيق ومزدحم ليس مخصصاً بالأساس ليكون مأوى، فالصراخ والعويل يملأ المكان ولا وجود لمساحات كافية أو جو ملائم لإنشاء حلقات التعليم ، حتى الأطفال تراهم، بخلاف أهاليهم، يسلون أنفسهم و يلهون مع بعضهم ولكنهم حقيقةً خائفون”

ولكنه يستدرك ويشرح لموقع صباح الخير سوريا أنه سبق ونفذت مبادرات محلية تهدف لتقديم خدمات تعليمية للأطفال المتسربين بهدف إعادة ربطهم بالعملية التعليمية، ومن ضمنها مركزه التعليمي الذي يديره،ومنذ عام 2015 وعلى خلفية مجزرة حديقة الملاهي التي أودت بحياة أكثر من 20 طفل، قامت عدة جمعيات وفعاليات تنموية في المنطقة بإنشاء مراكز تعليمية بديلة ضمن الجزر (تجمع عدة مباني) المختلفة في الحي بحيث تختصر على الأطفال مسافة التنقل إلى المدرسة الحكومية التي قد تشكل خطراً عليهم، وبلغت المراكز التعليمية الغير حكومية حوالي 15 مركزاً موزع على مراحل التعليم الثلاث ، ولكن وبحسب محمود فإن هذه المراكز أعلنت توقفها رسمياً عن التعليم منذ اليوم الأول من التصعيد منتصف تشرين الثاني حتى إشعار آخر “لغاية انتهاء حالة الخطر وعودة الأمان للحي”.

أما بالنسبة لمديرية التربية في حمص فالتعليم جار على قدم وساق. فهي تطالب المعلمين بالقدوم الى المدرسة يوميا وتسجيل حضورهم كالمعتاد رغم خلو المدراس من الطلاب وترفض اعطاءهم أي إجازات .

ويبلغ عدد المعلمين التابعين لمديرية التربية حوالي 300 معلم موزعون على المدارس الحكومية في حي الوعر التي تبلغ حوالي عشرون مدرسة (11 منها للمرحلة الابتدائية و6 للإعدادية و3 مدارس للمرحلة الثانوية). ومعظمهم يتم إيفاده من خارج الحي المحاصر ويضطر هؤلاء المدرسون للعبور يومياً من مناطق النظام إلى الحي المحاصر، ويشتكي هؤلاء المعلمون من سوء المعاملة والتفتيش الدقيق عند معبر الدخول للحي التابع لقوات النظام فضلاً عن إجبارهم على الحضور اليومي للمدرسة حتى في أصعب الظروف الأمنية و إلا تقتطع اليوم من المعلم.

وبحسب المعلمة إسراء ،مدرسة مادة اللغة العربية في مدرسة نوري حوا الإعدادية، فإن “اللامبالاة” التي تبديها مديرية التربية تجاه ما يجري في حي الوعر “مهينة بحق المعلمين”. وتتابع: “إن واجب مديرية التربية في حالات المواجهة العسكرية وانعدام الأمان إيقاف الدوام رسمياً حفاظاً على أمن وسلامة الطلاب والمدرسين على حد سواء.

تنفض اسراء حبات المطر العالقة في مظلتها في توتر ظاهرو تضيف بنبرة حادة ” وكأنه لا يكفينا غياب المحروقات عن المدرسة وتعرضنا للبرد اليومي بذريعة أننا ندرّس في حي يسيطر عليه إرهابيون، بل أيضاً علينا تجاهل القذائف العشوائية والمجيء للمدرسة فقط لأن المدير مطالب برفع جدول الحضور” تلبس قفازيها الجلديين في عجلة وتتأهب لمغادرة المدرسة الخالية من طلابها، وهي تتمتم في عصبية واضحة “وكأن حياتنا رخيصة إلى هذه الدرجة”

يذكر أن حي الوعر غربي مدينة حمص تسيطر عليه  قوات معارضة مسلحة تتبع لكتائب وفصائل مختلفة ، ومحاصر منذ ثلاث سنوات من قبل قوات النظام السوري وكنتيجة لرفض هذه الكتائب العسكرية  تسليم الحي لقوات النظام تم تشديد الحصار وإعلان التصعيد العسكري على الحي الذي يضم آلاف المدنيين في محاولة للضغط على المعارضة المسلحة لقبولها بسيناريو الانسحاب إلى إدلب أسوة بما حصل في مناطق محاصرة أخرى كداريا والمعضمية.